العفو العام، في صورته النظرية، أداة استثنائية تستخدمها الدول في لحظات التحول، بعد حروب أهلية، أو عند الانتقال من نظام إلى آخر، أو كجزء من تسوية وطنية شاملة تعيد صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع. لكن في لبنان، لا يستخدم النظام العفو ليطوي صفحة، بل ليُدير الصفحات المفتوحة أصلاً.
داخل النقاشات النيابية، يتكثف هذا التناقض. لا يوجد قانون واحد، بل مشاريع متعددة. كل كتلة سياسية تدفع باتجاه تضمين ملفها الخاص، موقوفون إسلاميون هنا، قضايا مخدرات هناك، مبعدون في اتجاه ثالث. وهكذا يتحول العفو من مفهوم قانوني عام إلى ما يشبه “سلة مطالب طائفية” يجري التفاوض عليها تحت سقف الدولة، ولكن خارج منطقها.
هذا التحول ليس تفصيلاً. فهو يكشف أن الدولة، كما تُمارَس، ليست مرجعية عليا تُنتج قانوناً موحداً، بل إطار تفاوضي تُعاد داخله صياغة توازنات القوى. القانون، في هذه الحالة، لا يفرض معياراً، بل يعكس موازين. والعدالة لا تُعرّف باعتبارها قيمة مجردة، بل باعتبارها نتيجة تسوية.
لكن ما يجعل هذه اللحظة أكثر حساسية هو تزامنها مع خطاب سياسي متصاعد حول “بناء الدولة” وضرورة استعادة احتكارها للعنف وقرار الحرب والسلم. هذا الخطاب، الذي يتكرر في بيانات رسمية وخطابات سياسية، يفترض وجود دولة قادرة على أن تكون المرجع النهائي في مسائل السيادة والأمن. غير أن النقاش حول العفو العام يطرح سؤالاً مقلقاً: أي دولة هذه التي يُطلب منها احتكار العنف، فيما هي عاجزة عن احتكار تعريف العدالة؟ أيُّ دولة هذه التي ترفع أيديها أمام مافيا المولدات.. ولو على حساب خطاب العبور إلى الدولة؟
في الدول التي تحتكر العنف، لا يكون ذلك مجرد مسألة قوة مادية، بل نتيجة شرعية سياسية وقانونية. المواطن يقبل بأن الدولة وحدها تحمل السلاح، لأنها، في المقابل، تضمن له نظاماً عادلاً ومتساوياً. العدالة هنا ليست فقط وظيفة قضائية، بل هي الأساس الذي يقوم عليه العقد الاجتماعي. أما حين تصبح العدالة نفسها موضوع تفاوض طائفي، فإن هذا الأساس يبدأ بالتآكل.
في لبنان، يظهر هذا التآكل بوضوح. فالمواطن الذي يراقب النقاش حول العفو لا يرى دولة تطبق معايير موحدة، بل يرى جماعات تفاوض بعضها على حصصها داخل القانون. يرى أن الانتماء السياسي أو الطائفي يمكن أن يحدد مصير ملف قضائي. ويرى أن العدالة ليست واحدة، بل متعددة، بقدر تعدد مراكز القوة.
هذا الإدراك لا يبقى في حدود الانطباع، بل يتحول إلى سلوك. حين يفقد المواطن ثقته بأن الدولة قادرة على تحقيق العدالة، يبحث عن بدائل، الطائفة، الحزب، فالزعيم. وهكذا تتعزز البنى التي تنافس الدولة، وتُضعف في الوقت نفسه قدرتها على احتكار العنف. فاحتكار العنف لا يُفرض بالقوة فقط، بل يُبنى على الثقة. والثقة لا تُنتجها الخطابات، بل الممارسات.
من هنا، يمكن قراءة العفو العام ليس كقضية منفصلة، بل كجزء من معادلة أوسع. فالنظام اللبناني، منذ نهاية الحرب الأهلية، اعتمد على منطق إدارة التوازنات بدل حسمها. اتفاق الطائف لم يُلغِ الانقسامات، بل أعاد تنظيمها ضمن إطار مؤسساتي. الدولة، في هذا السياق، لم تتحول إلى كيان يتجاوز الطوائف، بل إلى ساحة تُدار فيها علاقاتها.
هذا النموذج نجح، إلى حد ما، في منع الانفجار الشامل، لكنه فشل في بناء دولة حديثة. ومع مرور الوقت، تحوّل من آلية استقرار إلى مصدر أزمات دائمة. لأن كل ملف، من التعيينات إلى القوانين، أصبح خاضعاً لمنطق المحاصصة. والعفو العام ليس استثناءً، بل امتداد طبيعي لهذا المنطق.
غير أن ما يُميّز العفو تحديداً هو أنه يمس جوهر فكرة الدولة الكامنة في الثواب والعقاب. حين تُدار هذه المسألة بمنطق التوازنات، فإن الرسالة التي تُرسل إلى المجتمع تكون عميقة، القانون ليس فوق الجميع، بل نتيجة تفاوض بينهم. وهذه الرسالة، في بلد يعاني أصلاً من ضعف المؤسسات، تُنتج آثاراً مضاعفة.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن احتكار الدولة للعنف أكثر تعقيداً. فالدولة التي تطالب بحصرية السلاح تحتاج إلى أن تقدم نفسها كبديل موثوق. تحتاج إلى أن تقول لمواطنيها: نحن نحميكم، وننصفكم، ونثيبكم، ونعاقب من يعتدي عليكم وفق معايير واضحة. لكن حين يظهر أن هذه المعايير قابلة للتعديل بحسب موازين القوى، فإن هذا الوعد يفقد جزءاً كبيراً من مصداقيته.
وهنا يتجلى التناقض الأعمق. فالدولة، في خطابها، تدعو إلى مركزية القرار الأمني والعسكري، لكنها، في ممارستها، تقبل بتفكيك مركزية القرار القانوني. تدعو إلى وحدة السلاح، لكنها تسمح بتعدد العدالة. وهذا التناقض لا يمكن أن يستمر من دون كلفة.
الكلفة ليست فقط سياسية، بل وجودية. لأن الدولة، في النهاية، ليست مجرد مؤسسات، بل فكرة. فكرة أن هناك مرجعية واحدة، عادلة وقادرة، تنظّم حياة المجتمع. حين تتآكل هذه الفكرة، يصبح من الصعب إعادة بنائها عبر قرارات أو قوانين. تحتاج إلى مسار طويل يعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمواطن.
العفو العام، في هذه اللحظة، يكشف حدود النموذج اللبناني. نموذج يقوم على التوازن بدل الحسم، وعلى التفاوض بدل القواعد، وعلى إدارة الأزمات بدل حلها. هذا النموذج قد يكون قادراً على تأجيل الانفجارات، لكنه غير قادر على إنتاج دولة تحتكر العنف، لأن الاحتكار يفترض وجود مركز، فيما هذا النموذج يقوم على تعدد المراكز.
ومع ذلك، لا يبدو أن هناك بديلاً جاهزاً. فالقوى السياسية، برغم إدراكها لمخاطر الوضع، تبقى أسيرة توازناتها. وأي محاولة لفرض معايير موحدة تُواجَه فوراً باعتبارها تهديداً لفئة ما. وهكذا يستمر الدوران في الحلقة المفرغة نفسها؛ دولة تُعلن نيتها أن تكون قوية، لكنها تُمارس ككيان تفاوضي.
في النهاية، قد يُقرّ قانون العفو، بعد تعديلات وتسويات، وقد يخرج إلى العلن كنص توافقي. لكن السؤال الأهم لن يكون ما يتضمنه القانون، بل ما يكشفه. يكشف أن لبنان لا يزال بعيداً عن لحظة تأسيس دولة حديثة بالمعنى الكامل. وأن الطريق إلى احتكار العنف لا يمر فقط عبر السلاح، بل عبر العدالة أولاً.
فالعدالة، في أي دولة، هي الشكل الأكثر شرعية للعنف. هي الطريقة التي تُمارس بها السلطة حقها في العقاب. وحين تصبح هذه العدالة موضوع مساومة، فإن العنف نفسه يفقد شرعيته. وهذا، ربما، هو الدرس الأعمق في نقاش العفو العام، أن الدولة التي لا تحتكر تعريف العدالة، لا يمكنها أن تحتكر استخدام القوة.
