تسوية اليمن.. هل تدنو من خواتيمها؟

في لحظةٍ تتشابك فيها خطوط الاشتباك بين إيران والولايات المتحدة، ينهض اليمن كعقدةٍ استراتيجية تُدار فيها التوازنات ببراغماتية حادة. تحت هذا السقف، تتقدم مفاوضات بين حركة "أنصار الله" والمملكة العربية السعودية نحو مراحل متقدمة، مدفوعة بمسار إقليمي أوسع يرتبط بالتفاهم الذي انطلق بين الرياض وطهران في بكين (الصين) مطلع عام 2023، وهو تفاهم أعاد ترتيب أولويات الاشتباك في أكثر من ساحة.

داخل هذا المشهد، يبرز ملف الأسرى كإشارة على نضج المسار التفاوضي، وتهيأت الأرضية لإقفال هذا الملف ضمن تسوية أشمل. هذا التقدم يترافق مع سعي لترسيخ هدنة طويلة الأمد، بما يفتح الباب أمام انتقال تدريجي من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الاستقرار.

في قلب الترتيبات، يظهر البعد المالي كأداة حاسمة. النقاشات تشمل آليات دفع رواتب موظفي الدولة في مناطق سيطرة الحوثيين، مع طرح مفعول رجعي، وهو عنصر بالغ التأثير في إعادة تشكيل البنية الاجتماعية والاقتصادية. المال هنا يتحول إلى وسيلة لإعادة ضخ الحياة في مؤسسات شبه متوقفة، وإلى رافعة لاحتواء التوتر الاجتماعي. بالتوازي، تتقدم تعهدات سعودية بإعادة الإعمار، ضمن رؤية تسعى إلى تثبيت الاستقرار في الشمال اليمني وربط ذلك بتوازنات سياسية مستدامة.

سياسيًا، تتجه المعادلة نحو تثبيت توزيع نفوذ قائم على الوقائع الميدانية. لقاءات مباشرة بين وفود من حركة “أنصار الله” ومسؤولين في الرياض تعكس انتقال العلاقة من منطق المواجهة إلى إدارة المصالح. هذا التحول ينسجم مع توجه سعودي لتقليص كلفة الانخراط العسكري، والانفتاح على صيغة توازن مرن تحفظ الحد الأدنى من الاستقرار.

في البعد الدولي، يحضر أمن البحر الأحمر انطلاقاً من باب المندب كعامل مركزي في الحسابات. استقرار اليمن يرتبط مباشرة بأمن الملاحة والتجارة، وهو ما يمنح هذه التسوية وزنًا يتجاوز الإطار المحلي، ويدخلها ضمن معادلة أوسع تتعلق بتدفقات الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

إقليميًا، تمتد آثار هذا المسار إلى لبنان، حيث يظهر كمساحة توازن دقيقة بين النفوذ الإيراني والانخراط الأميركي. التفاهم السعودي–الإيراني يمنح هامش تهدئة، في وقتٍ تتجه فيه السلطة اللبنانية نحو تموضع أقرب إلى المدار الأميركي، ما يحدّ من قدرة الرياض على التأثير الكامل في التفاصيل اللبنانية.

بهذا المعنى، يتحول اليمن إلى منصة لإعادة تعريف الصراع في المنطقة: تسوية تتأسس على توزيع النفوذ، دعم اقتصادي يعيد تشكيل البنية الداخلية، وتفاهمات إقليمية تتسرّب آثارها إلى ساحات أخرى. هنا، تتقاطع خطوط الحرب مع منطق التسويات، في لحظة تعيد رسم توازنات الشرق الأوسط على إيقاع تفاهمات دقيقة وواقعية.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  أيُّ مصير لـ"الممر الهندي" إذا فشلت الحرب على إيران؟
عبد الحليم حمود

رئيس تحرير مجلة "بوليتيكا"؛ روائي وفنان تشكيلي لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  المسيحيون ليسوا أغراباً.. هم ملح العرب