ماذا عن حزب الـ”لالا لاند”.. في سوريا!

بعد سنةٍ ونصف من تسلّم سلطةٍ جديدة الحكم في سوريا، بدأت الثقة الشعبيّة تتضاءل بإمكان إخراج المجتمع من المعاناة التي عاشها طويلاً. ولم تعد مهرجانات الاستثمار والمساهمات تؤتي ثمارها الإعلاميّة أو تخلق الآمال نفسها، خصوصاً أنّ كثيراً منها بدا مبالغاً فيه، في ظلّ تدهور الأحوال المعيشيّة لغالبية السكّان، ومع التفرقة غير المسبوقة التي يشهدها أبناء الوطن الواحد وبناته. كما لم يعد توجيه الأنظار نحو جرائم السلطة السابقة كافياً لتحويل الاهتمام عن مشكلات اليوم.

ففي سنة خيرٍ استثنائيّة، شكّلت منّةً من السماء لسوريا، جرى تحديد سعر شراء القمح من قبل الدولة بنصف سعر شرائه في العراق، في وقتٍ ارتفعت فيه بشكلٍ كبير أسعار مستلزمات الإنتاج من طاقة وبذار وسماد. وهو ما يعني عملياً كبح المزارعين عن تسليم محصولهم للدولة، وبالتالي تعريض الأمن الغذائي للخطر، وفتح الباب أمام انفلات التجارة الرسميّة وغير الرسميّة بالقمح مع الدول المجاورة.

وموضوع الزراعة في سوريا، البلد الفقير بالموارد المائيّة والذي يعاني منذ عقود تقلّبات حادّة في هطول الأمطار، يشكّل مدخلاً أساسياً لنقض مقولتي الاقتصاد الحرّ و«يد السوق الخفيّة»، اللتين يقوم عليهما خطاب السلطة الجديدة باعتبارهما كفيلتين وحدهما بتحقيق النموّ. إذ إنّ أكثر الدول «ليبراليّة»، من الولايات المتحدة إلى أوروبا، لا تزال تدعم الإنتاج الزراعي بوصفه مورداً وطنياً استراتيجياً.

وبما أنّ السلطات أطلقت عمليّة تبديل العملة السوريّة عبر حذف صفرين، على غرار المثال الفرنسي، فقد تناسى الداعون إلى هذه الخطوة أنّ الإصلاح النقدي الذي قام به الجنرال ديغول عقب تسلّمه الحكم عام 1958، لم يكن إجراءً شكلياً، بل جزءاً من استراتيجيّة اقتصاديّة نشطة هدفت أوّلاً إلى دعم الزراعة كي تتوقّف فرنسا عن استيراد نصف احتياجاتها من القمح من الولايات المتحدة، وتتحوّل لاحقاً إلى مصدّر أساسي للمنتجات الغذائيّة، إضافةً إلى سياسات دعم الصناعات الوطنيّة.

وكان إطلاق العملة الجديدة فرصةً للسلطة لكبح السيولة النقديّة في الأسواق والمصارف، بصورةٍ أسوأ من الممارسات السابقة، كلّ ذلك بحجّة ضبط سعر الصرف مقابل الدولار الأميركي، الذي بات يُتداول اليوم بحرّية في السوق لا في المصارف والمؤسسات الرسميّة. وهو ما جعل التضخّم المتسارع ينعكس على الأسعار بمكافئ الدولار، لا على الليرة فحسب، الأمر الذي ترك أثراً بالغ السلبية على تعافي الحركة الاقتصاديّة الضروريّة لإصلاح المساكن وإعادة الإعمار.

السكن.. وإعادة الإعمار

وتكتسب قضايا السكن أهميّةً كبرى في سياق التعافي، خصوصاً في حمص وحلب وريف دمشق وبلدات خطوط التماس، حيث الدمار واسع النطاق. فالسكن يشكّل العائق الأساسي أمام عودة النازحين واللاجئين. كما أنّ قضاياه تدحض مقولة إنّ السلطة السابقة كانت ذات توجّهات «اشتراكيّة» تسبّبت بعجزها التنموي، إذ إنّ القطاع الخاصّ كان، طوال عقود، يموّل أكثر من 80% من المساكن، من دون مساهمة تُذكر من المصارف. نصف هذه المساكن كان منظّماً رسميّاً، فيما أدّى النصف الآخر إلى توسّعٍ هائل في مناطق المخالفات.

واللافت للانتباه أنّ سياسات السلطة الحاليّة لا تختلف كثيراً عن سياسات السلطة السابقة في سنواتها الأخيرة قبل الصراع: استملاك الدولة للعقارات بأسعارٍ بخسة لطرحها للاستثمار من قبل القطاع الخاصّ، خلافاً للدستور، وتنشيط المضاربات العقاريّة حتى على مشاريع السكن الاجتماعي والتعاوني، بالتوازي مع توسّع أحياء المخالفات والسكن العشوائي من دون ضوابط. فأين «الحرية» في هذا الاقتصاد؟

ويرتبط ملفّا النقد والسكن ببعضهما البعض. إذ إنّ سياسة كبح السيولة أدّت إلى فقدان المواطنين الثقة بالمصارف وإحجامهم عن الإيداع فيها، حتى في المصرف العقاري المجمّد حالياً لأسبابٍ غير واضحة. كما أنّ تفشّي التعامل بوسائل الدفع الإلكتروني، بما فيها منصّة «شام كاش» غير المرخّصة رسميّاً، إضافةً إلى العملات المشفّرة، أبعد التعاملات الماليّة عن القطاع المصرفي، وزاد من تعقيدات العلاقة مع المصارف الخارجيّة المتخوّفة أصلاً من آليات التمويل غير الرسمي.

وهكذا لم تعد المصارف قادرة على تمويل السكن وإعادة الإعمار، بدلاً من أن يجري تنشيطها وتعزيز دورها في المساعدة على إصلاح المنازل عبر مصارف التمويل الأصغر، أو إعادة إعمارها عبر المصارف التقليديّة والإسلاميّة. علماً أنّ سنوات الصراع نفسها كانت قد دفعت المصارف إلى العزوف عن تمويل السكن، إذ لم تتجاوز نسبة القروض العقاريّة من مجمل ميزانيّات المصارف 1%، أي ما يكاد يقتصر على المشاريع الفارهة.

وفي زمن السلطة السابقة، كانت شركتا «سوريا» و«الشام» القابضتان قد أنشأتا مصرف «الشام» لتمويل مشاريعهما الفارهة. ثم ساهم اللاعبون الماليون أنفسهم في إنشاء مصارف أخرى لتمويل مشاريع مثل «ماروتا» و«باسيليا»، التي تضمّنت غبناً كبيراً لأصحاب الأراضي والعقارات، ما أثار سخطاً واسعاً. واليوم، يستحوذ القائمون على مشاريع واستثمارات فارهة أيضاً على مصارف بغية تمويل مشاريعهم، فيما يتواصل غبن أصحاب الأراضي والعقارات على نطاق واسع. فما الذي تغيّر فعلاً عن السلطة السابقة؟

تكمن الاختلافات الكبرى في غياب الشفافيّة. فلا معطيات واضحة حتى الآن عن المصرف المركزي والسياسة النقديّة، ولا عن احتياطاته من العملات الصعبة. كما تغيب البيانات التفصيليّة حول الموازنة الحكوميّة، وتخصيصات الإيرادات والتمويل، سواء على مستوى المركز أو الإدارات المحليّة، وعلى مستوى الدولة كمؤسسة عامة شاملة، أو المؤسسات التي «فُصلت عنها» تحت عنوان «الاستقلاليّة الإداريّة والماليّة». كذلك لا تتوافر معلومات شفافة عن العقود والاستثمارات العقاريّة الفارهة: كيف جرى الاستملاك؟ وكيف ستُدار هذه المشاريع؟ استثمارات فارهة في مقابل توسّع العشوائيّات والمخالفات.

إقرأ على موقع 180  سوريا تُعيدُ رسم خريطة المنطقة.. على أنقاض سايكس-بيكو

الرعاية الصحية والاجتماعية

وعلى صعيد الصحّة، تبدو الاختلافات أيضاً لافتة للانتباه. إذ يجري اختبار ردود الفعل الشعبيّة تجاه خصخصة المشافي الحكوميّة الكبرى، بالتوازي مع طرح مشاريع لمستشفيات حديثة وضخمة لا يُعرف من سيكون قادراً على تحمّل تكاليف العلاج فيها. وفي المقابل، تُترك الخدمات الصحيّة، كما بقيّة الخدمات العامّة، للمنظّمات الدوليّة التي تعاني أصلاً نقص الموارد، وذلك كلّه تحت شعار «حرية الاقتصاد».

وكانت سوريا تُعدّ من أفضل الدول العربيّة في نظام الرعاية الصحيّة، سواء في إعداد كوادرها الطبيّة أو في مستوى مشافيها أو في إنتاجها لما يقارب 80% من أدويتها وتصديرها الدواء. وقد بدأت السلطة السابقة «تحرير» هذا القطاع استجابةً لتوصيات البنك الدولي وصندوق النقد وغيرهما، فيما تبدو السلطة الجديدة اليوم وكأنّها تستكمل هذا المسار حتى نهايته.

وفي الوقت نفسه، ترفض السلطة أن يقدّم البنك الدولي ــ الذي بدّل جزءاً من مقارباته بعد الانتقادات الواسعة التي وُجّهت إليه ــ منحةً بمئات ملايين الدولارات، لا قرضاً، لإقامة نظام «حماية اجتماعيّة» يستهدف الفئات الأكثر هشاشة، بهدف الحدّ من آثار رفع أسعار الكهرباء والخدمات بصورة كبيرة.

وهنا أيضاً تتناسى هذه الأطراف أنّ إحدى أولى قرارات «الحكومة المؤقتة للجمهوريّة الفرنسيّة» الخارجة عام 1945 من دمار الحرب العالمية الثانية واحتلالها، كانت إنشاء منظومة تأمين صحي ومنظومة تقاعد شاملة لجميع المواطنين، لا للعاملين في الدولة فقط.

إنّ خطاب السلطة الجديدة عن «حرية الاقتصاد» لا يفعل سوى تغطية السياسات نفسها التي كانت السلطة البائدة تتّجه إليها ويقاومها المجتمع، بل ويقاومها جزء من مؤسسات الدولة نفسها. وقد سُمّيت هذه السياسات سابقاً، على سبيل التمويه، «اقتصاد السوق الاجتماعي». وهي سياسات لا تكترث كثيراً بالمجتمع، لا بالفئات الأكثر هشاشة، ولا حتى بالمزارعين والصناعيين المنتجين، وتغطي في الوقت نفسه تجاوزاتٍ واسعة.

واليوم، يبدو أنّ الأمور تمضي إلى نهايات هذا المسار نفسه، ولكن من دون مقاومة تُذكر، تحت شعار «الاستثمار»، ومن دون أي اهتمام فعلي بإقامة عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمجتمع.

وفي بلدانٍ أخرى، يُوصَف أصحاب مثل هذه السياسات والخطابات، في بلدٍ يعيش آثار حرب ودمار وانهيار اجتماعي، بأنّهم يعيشون في «لالا لاند»… أي في واقعٍ منفصل تماماً عن واقع مجتمعهم وبلادهم.

Print Friendly, PDF & Email
سمير العيطة

رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية؛ رئيس منتدى الاقتصاديين العرب

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  "قيصر" الجديد.. تقسيم المُقسّم وتأزيم المُؤزَم!