ففي خضمّ الصّراع الذي نشب مثلاً بعد عام ٢٠٠٥ بين فريقَي الثّامن والرّابع عشر من آذار/مارس حينَها، انبرى كثيرون لتقديم قراءةٍ معيّنة تقول مع التّبسيط: إنّ سيرة السيّد موسى الصدر، بل وخطابه أيضاً، وإلى حدّ بعيد نسبيّاً.. يُمكن تأويلهما بطريقةٍ تُدني هذا الرّمز الشّيعيّ والوطنيّ والاسلاميّ، تُدنيه من مقاربة فريق الرّابع عشر من آذار/مارس لموضوع “المقاومة المسلّحة” والجنوب، وللعلاقة مع سوريا وقتَها، ومع ما سُمّي لاحقاً – بشكل أوضح – بمحور المقاومة.
ومن بين الذين قدّموا ويقدّمون مقاربة كهذه، عموماً، بعض الشّخصيّات المقرّبة من العلّامة الرّاحل الشّيخ محمّد مهدي شمس الدّين، وبعض الشّخصيّات اليساريّة القليلة المتسامحة نسبيّاً مع حالة الصّدر، بالإضافة إلى عدد ممّن يمكن تسميتُهم بـ”فَتحاويّي الشّيعة”، اضافةً إلى بعض الشّخصيّات المسيحيّة التي تعتقد أنّها كانت على اطّلاعٍ – أكثر واقعيّةً ربّما – على ما كان يقوله السيّد الصّدر في المجالس الخاصّة والعامّة.
في المقابل، كان خطاب “حزب الله” و”حركة أمل” وبيئتهما الحاضنة عموماً، يُشدّد على أنّ الامام السّيّد موسى الصّدر (ابن السّيّد صدر الدّين الصّدر القُمّيّ العامليّ).. إنّما هو المؤسّس الفعليّ لهذه المقاومة المسلّحة التي نشأت وسط السّبعينيّات من القرن الماضي تقريباً، وتطوّرت بعد اجتياح ١٩٨٢ بشكل خاصّ.. وأنّه هو الذي وضع، إلى حدٍّ بعيد، الأساس “الشّيعيّ” للعلاقة مع سوريا سابقاً.. وأيضاً الأساس لما تطوّر لاحقاً إلى أن صار “محور المقاومة” ذا الطّابع الاسلاميّ الحركيّ (أو “السّياسيّ”) الغالب.
ولكن، يبدو أنّ شيئاً ما بدأ يتغيّر في الأشهر الأخيرة، ولا سيّما مع اشتداد الصّراع الحاليّ في لبنان والمنطقة، وبالطّبع، بعد استشهاد أمين عام “حزب الله” السّابق سماحة السّيد حسن نصرالله.
فجزءٌ من خصوم وأعداء “حزب الله” بات يعتقد، ضمناً أو علناً، أنّ “اعادة تأويل” سيرة الامام موسى الصّدر لمصلحة مقاربةٍ معاديةٍ للحزب، باتت مهمّةً شبه مستحيلة. والسّبب المركزيّ في ذلك لا يعود فقط إلى العاطفة الشعبيّة بالمعنى السّطحيّ المباشر، أو إلى الذّاكرة الجماعيّة ذات الطّابع التّعبويّ حصراً، أو إلى مجرّد التّأثير الحزبيّ والقياديّ المباشر.. بل يعود السّبب في ذلك خصوصاً إلى وقائع تاريخيّة واجتماعيّة قد تمّ تأكيدها يوماً بعد يوم، وبات يصعب تجاوزها أو اخفاؤها أو اعادة تركيبها.. لا سيّما مع تعاظم ظهور النّخبة الإيرانيّة الثّوريّة، التي تُشبه السّيّد موسى الصّدر اجتماعيّاً وفكريّاً وثقافيّاً، في خضمّ المعركة الاقليميّة والدّوليّة الرّاهنة التي تخوضها إيران.
والواقع أنّ هناك حقائق تتعلّق بمقاربة الإمام الصّدر لمسألة “الثّورة الاسلاميّة” في إيران، ولمسألة العلاقة مع محاولات “الثّورة الاسلاميّة” في العراق أيضاً (أي تحت تأثير العلّامة الكبير السّيّد محمّد باقر الصّدر، قريب وصديق ورفيق “السّيّد موسى”)، كما لمسألة العلاقة مع الرّئيس الراحل حافظ الأسد، ولمسألة الوعي الإسلاميّ الثّوريّ والتّحرّريّ والمُقاوم العامّ في المنطقة.. وهي حقائق تجعل من الصّعب جدّاً تقديم الرّجل اليوم وكأنّه كان، بشكل أو بآخر، على الضفّة المقابلة عمليّاً لما أصبح لاحقاً يُعرف بـ”محور المقاومة” كما يُقاربه “حزب الله” تحديداً.
***
ومن هنا، يبدو لي أنّ جزءاً من هذا الفريق المذكور قد بدأ ينتقل، بالفعل، إلى مقاربةٍ أخرى مختلفة تماماً.
أي أنّ الفكرة العامّة لم تَعد (مع التّبسيط غير المضرّ): أقنعوا الشّيعة.. بأنّ “موسى الصدر” لم يكن ليؤيّد هذا النّهج. بل أصبحت، بصورةٍ متزايدة، عند البعض: لا تُتعبوا أنفسكم بمحاولة اعادة تأويل “موسى الصّدر”. اعملوا، بدلاً من ذلك، على محاولة “اخراج الشّيعة”.. من موسى الصّدر نفسه.
أي بكلماتٍ أخرى، وبحسب البعض أيضاً: ماذا لو كان “موسى الصّدر” هو الحجر الاشكاليّ الأساسيّ.. في ما يعني الاشكاليّة أو ما تُسمى “المعضلة الشّيعيّة في لبنان”؟
***
وهنا تحديداً تبدأ الاشكاليّة الأعمق والأخطر في نظري، والتي تُفسّر خطورةَ ما يحصل في لبنان اليوم، ظاهراً وباطناً، وإلى حدّ كبير. فالمسألة، أقلّه بالنّسبة إلى عدد من هؤلاء، باتت مسألة تتعلّق بمواجهة مع البُنية العميقة للوعي الشّيعي في لبنان، ومع التّركيبة النّفسيّة والوجدانيّة العميقة جدّاً التي ساهم الامام الصّدر في بنائها (أو في “استفزازها” كما يهمس البعض).
ولكن، هل هذا ممكنٌ فعلاً؟ هل يُمكن اخراج “شيعة لبنان”.. من “موسى الصّدر”؟
***
أعتقد بصدق أنّ هذه المهمّة بالغة الصّعوبة، لأنّ الصّدر نجح، عمليّاً، في تقديم ما يمكن تسميتُه بـ”الخلطة السّحريّة” للشّيعة في لبنان.
لقد قال لهم، ببساطةٍ شديدة ولكن بعمقٍ شديد أيضاً، إلى جانب اشعارهم بأنّهم جماعة وبأنّ لهم حقوقاً لا بدّ من المُطالبة بها كباقي اللّبنانيّين.. لقد قال لهم: أنتم لبنانيّون أصيلون؛ وهذا ما يريد السّواد الأعظم من الشّيعة اللّبنانييّن سماعه أساساً، وهذا ما يؤمنون به إلى حدٍّ بعيد وإلى اليوم.
ولكنّكم، وفي الوقت عينه، أيّها اللّبنانيّون الشّيعة: غير منفصلين عن السّياق الاسلاميّ الأوسع، وعن السّياق الثّوريّ الأوسع، وعن السّياق التّحرّري الأوسع.. بل وعن السّياق الرّوحيّ-العرفانيّ (الاسلاميّ، والعالميّ كما ينبّه البعض ممّن عاصروه) الأوسع.
أي أنّه قال لهم: يمكنكم أن تكونوا لبنانيّين بالكامل، لكن أيضاً، منخرطين بالكامل أو إلى حدّ بعيد جدّاً.. في القضايا الاسلاميّة (والعربيّة)، وفي القضايا التّحرّريّة والثّوريّة في المنطقة.
يمكنكم أن تكونوا لبنانيّين، ولكن غير منفصلين عن.. مكّة، والقدس، والقاهرة، والجزائر، وبغداد، وكربلاء، والنّجف، وقم.. ولا عن العالم الاسلاميّ برمّته. يمكنكم أن تكونوا جزءاً حقيقيّاً من الدّولة اللبنانيّة، ولكن، من دون التّخلّي عن ثلاثة أبعاد أساسيّة: (١) البُعد العربيّ-الاسلاميّ؛ (٢) البُعد التّحرّري-الثّوريّ والمُقاوم؛ (٣) البُعد الرّوحيّ العامّ، أي الاسلاميّ والعالميّ.
وفي هذه النّقطة العميقة تحديداً، في رأيي، يكمن “السّرّ الصّدريّ اللّبنانيّ العظيم”.. الذي لا نفهمه جميعاً بما يكفي.
فالصّدر لم يخاطب وعي الشّيعة فقط إن صحّ التّعبير: بل خاطب لا-وعيهم العميق أيضاً، وربّما خاطب لا-وعيهم بشكلٍ خاصّ. لقد قدّم لهم الصّيغة التي تناسبهم نفسيّاً، ووجدانيّاً، وروحيّاً، وتاريخيّاً، وشرعيّاً، وحركيّاً.. والتي توفّق بين انتمائهم اللّبنانيّ الأصيل وبين الأبعاد المذكورة.
ولذلك، فإنّ “اخراج شيعة لبنان من موسى الصّدر”.. ليس مهمّةً سهلةً على الاطلاق في اعتقادي، لأنّك هنا لا تحاول فقط تغيير موقفٍ سياسيّ، أو تبديل قناعةٍ أيديولوجيّة ظرفيّة، أو التّأثير على حالةٍ عاطفيّةٍ سطحيّة إذن.. بل تحاول، عمليّاً، تفكيك تركيبةٍ عميقةٍ جدّاً، قد نجحت، إلى حدٍّ بعيد، في التّوفيق، داخل اللّا-وعي الجماعيّ الشّيعيّ بشكل خاصّ وبطريقة متكاملة أو شبه متكاملة كما رأينا: بين ما هو لبنانيّ/ وما هو “غير لبنانيّ” إن شئت.. وصولاً إلى ما هو غير دنيويّ أصلاً، وما هو مرتبطٌ بالنّماذج الأصليّة العميقة الأساسيّة.. مثل “محمّد، النّبيّ، رسول الله”، و”عليّ المستقيم، المظلوم، وليّ الله”، و”الحسين بن عليّ، الثّائر، سيّد شهداء أهل الله”، و”صاحب العصر والزّمان، المَظهر المُنتظَر للعدل الالهيّ، أي القائم حجّة الله”.. إلى آخر قائمة النّماذج السّاكنة في أعماق اللّا-وعي الشّيعيّ الباطنيّ العجيب.
وهكذا، فمن التّبسيط المُفرط أن نكرّر على غرار بعض الأحبّة اليساريّين والعَرَفاتيّين وغيرهم، بأنّ أهمّ ما قام به الصّدر لَهو صناعة ثمّ مأسسة الوعي الجماعيّ الشّيعيّ ضمن الصّيغة الطّائفيّة اللّبنانيّة.. فقد حرّك الصّدر، من خلال ظهوره قادماً من الشّرق العجيب، بهذه الطّلّة وبهذا الخطاب وبهذه التّجربة، ثمّ من خلال “اختفائه” الغامض أيضاً: لقد حرّك الصّدرُ شيئاً عميقاً جدّاً، قد تكون له جذورٌ أزليّة أو شبه أزليّة كما يقول بعض الباحثين المتخصّصين في الجماعات الدّينيّة والرّوحيّة.
وقد اختصر الصّورةَ الرّمزيّةَ هذه يوماً، المُنشدُ العامليُّ الكربلائيّ، فقال في مقدّمة أنشودة شعبيّة وحركيّة واسعة الانتشار:
حتّى “استفاقَ الصّدرُ” من ضيمِ القُرى/ فَكَما بِمَكّتهِ.. “استفاقَ مُحمّدُ”!
