يا للغرابةِ المأسوية، كنا في القرار 1701 فأصبحنا في التقاطع الثلاثي[كي لا نقول حلفاً] بين السلطة والولايات المتحدة و”إسرائيل” بوجه كل فعلٍ مقاوم سياسياً وعسكرياً. الاحتلال يتوسَّع في الجنوب، ويرسم “خطاً جديداً في الزهراني” موازياً لـِ”خط الليطاني”، ويمتدُّ إلى البقاع الغربي، ويُفرغُ القرى من سكانها مُمهداً لانزياحاتٍ ديموغرافية خطيرةٍ، ولاحتلالٍ طويل الأمد، فيما رئيس الحكومة نواف سلام يكتفي بالقول: “هذه الاعتداءات غيرُ مبررة”. ولا نريد أن نفهمَ منه بأنَّ غيرها مبرَّرٌ، وفقاً لنظريةٍ خرقاء تحمِّلُ المسؤولية للمقاومة، بالرغم من أنَّ العدوَّ الإسرائيلي نفسه اعترف بأنَّه خطَّط للعمليات الأخيرة منذ العام 2024، لكننا نفهمُ جيّداً من ثنايا الكلام أنَّ السلطة هي كليَّاً طوعُ بَنانِ الولايات المتحدة التي لا تعمل إلا لمصلحة إسرائيل.
الولايات المتحدة أكثر شفافيةً من السلطة عندنا. كل الكلام الأميركي منذ بداية ما يسمَّى “مفاوضات” يتحدَّث بوضوح عن زَعْمَيْنِ: “حقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها وحرية حركتها في الأرض اللبنانية” و”القضاء على المقاومة-حزب الله”. أمَّا السلطة فلم تعترض على ذلك، ولم تجرؤْ على إعلانه، ولاذَتْ بالفرار لتتباهى بالحصول على تمديد وقف إطلاق النار الذي لم يلتزم به العدوِّ في أي مرة، وقد ارتقى تحت نار الوقف أكثر من ثلاثة آلاف شهيد وعشرة آلاف جريح فضلاً عن التهجير والتدمير.
لبنان في ظلِّ هذه الذهنيَّة الارتهانيَّةِ ذاهبٌ إلى الخراب الوطني. ومن يسمُّون أنفسَهم سياديين، بدأوا يسعون إلى إسقاط المعنى السياسي الوطني الوحدوي للجنوب اللبناني، بقصد عزلِه تحت شعارات تزداد انتشاراً في بعض وسائل الإعلام، من نوع الفيدرالية والكونفدرالية السياسية والأمنية والاقتصادية. لا يريدون أن يكشفوا عن وجوههم كاملة الآن للمناداة بالتقسيم، فيسيروا عكس العِلمِ الدستوري الذي تَكونُ الفيدرالية فيه وسيلة للتوحيد لا للتقسيم. كما يسيرون عكس الدستور اللبناني نفسه الذي يقولون إنهم يتمسكون به، وينقُضون اتفاق الطائف الذي تحدَّث عن “لامركزية إدارية” لا عن فيدرالية سياسية، وشدَّد على أنَّ لبنان وطن نهائيٌ لجميع اللبنانيين، وهويتُه عربية تعبِّر عن وحدة الأرض والشعب والمؤسسات، فلا تجزئة ولا فدرلة ولا تقسيم.
مجرَّدُ أن يُسمِّي هؤلاء أنفسَهم سياديين، يعني اتهاماً مباشراَ للآخرين، بأنهم غير سياديين، ولا يريدون سيادة لبنان. والسيادة وفقاً للمفهوم القانوني والسياسي ليست حكراً على أحد، إلَّا إذا التبستْ بطائفة من دون غيرها، وفي هذه الحالة يسقط تلقائياً معناها الوطني. وما إثارة الجدال حول معنى السيادة في هذه المرحلة سوى تجديد المحاولات للتقسيم الطائفي، وكأن لوثة مؤتمر الصلح 1919 الذي تقرَّر فيه شكل لبنان الذي أنشِىءَ عام 1920، قد ازدادت انغرازاً في نفوس هؤلاء، فبدأت عندهم هلْوساتُ العودة إلى لبنان الصغير غير آبهين بما تؤديه هذه اللوثة من انفجارٍ داخلي في الوقت الراهن. وفوق هذا كلِّه يروِّجُ هؤلاء فكرة أنَّ العدوَّ الإسرائيلي ليست له أطماعٌ في لبنان، بينما الحقيقة التي ظهرت في مؤتمر الصلح على الأقل[لا مكان هنا لسرد وثائق أخرى] أنَّ وفد المنظمة الصهيونية في المؤتمر المذكور، كان يصرُّ على ضمِّ الجنوب إلى فلسطين كي يكون لاحقاً تحت سيطرة الانتداب البريطاني، ليصبح مشمولاً بوعد بلفور. ولولا التنافس الفرنسي-البريطاني لكان حصل ذلك إلَّا أن فرنسا آنذاك لم تتخلَّ عن نفوذها لبريطانيا التي أخذت أكثر منها في المشرق العربي.
نظرية أنَّ “إسرائيل” لا أطماعَ لها في لبنان، تَستبطِنُ بوضوح ٍفكرة عزل الجنوب، وتثيرُ في الداخل مشكلاتٍ اجتماعية وطائفية تؤسسُ لحالةٍ من الانقسام الأفقي والعمودي، تريدها “إسرائيل”. والمفارقة الساخرة أنَّ العدوَّ الإسرائيليَّ نفسَهُ لا يتحدَّثُ علناً عن رغبتِه في تشظيةِ لبنان، بل يمارس هذه الرغبة بالعدوان، فيما يستندُ إلى بعض الأفرقاء في لبنان كي يُلاقوهُ بتقديم ِالنظرية، ثمَّ يتذرَّعُ الإسرائيليون في المحافل الدولية بأنَّ ” اللبنانيين” يريدون ذلك.
إنَّ أخطر ما في فكرة عزل الجنوب، أنها نوع من الأخطبوط السياسي الذي يُهدِّد ما تبقَّى من وحدة لبنان، ويشكِّلُ خطوة نحو إعادة تركيبه، ونسف اتفاق الطائف، ويمهِّدُ الأجواء لترويج التنازلات في مفاوضات واشنطن السياسية والعسكرية والأمنية، ولإعداد لبنان من أجل الانخراط في “الاتفاقات الإبراهيمية”.
السلطة تعرف كلَّ ذلك وترضى، لكن يغيب عن بالِها أنها ستقع أخيراً في المأزِق، إذْ كيف ستنفِّذ التزاماتها، طالما لا إجماع على قرارها التفاوض، ولا شفافيةَ أمام الرأي العام في الكشف عن حقيقة ما يدور حول لبنان في البيت الأبيض والبنتاغون.
إن مصير لبنان بات على المحكِّ. يعيش الآن حالة الكيان المعلَّق بانتظار صحوة داخلية للتوحُّد بوجه العدوِّ الإسرائيلي، أو – للأسف – بانتظار تسوية إقليمية/دولية.
