بحر الصين الجنوبي.. لماذا تُصرّ الصين على السيطرة عليه؟

لا يمكن فهم التحركات الصينية المتسارعة في بحر الصين الجنوبي بوصفها مجرد نزاع حدودي على جزر صغيرة أو شعاب مرجانية متناثرة في المياه الاستوائية. فالصراع الدائر هناك أعمق بكثير من خرائط السيادة وأبعد من الخلافات القانونية حول الحدود البحرية.

في الواقع، يمثل بحر الصين الجنوبي إحدى أهم الساحات التي تختبر فيها الصين مشروعها الاستراتيجي الكبير للانتقال من قوة قارية إلى قوة بحرية عالمية قادرة على التأثير في النظام الدولي وإعادة تشكيل موازين القوى في آسيا والمحيطين الهندي والهادئ (Sage Journals).

الأحداث التي شهدتها المنطقة خلال الأيام الأخيرة، سواء عبر الاحتكاكات المتكررة بين السفن الصينية والتايوانية قرب جزر براتاس أو من خلال التوتر المتجدد حول شعاب سكاربورو المتنازع عليها مع الفيلبين، لا تبدو حوادث منفصلة أو ردود فعل ظرفية، بل تشكل جزءاً من سياسة صينية طويلة المدى تقوم على فرض الوقائع الميدانية تدريجياً وتوسيع نطاق النفوذ البحري خطوة بعد أخرى  (Reuters).

من الدفاع إلى الهيمنة

طوال عقود من الزمن، ركزت الصين على بناء قوتها البرية وتأمين محيطها القاري، لكن التحول الاقتصادي الهائل الذي شهدته منذ ثمانينيات القرن الماضي جعل أمنها مرتبطاً بالبحر أكثر من أي وقت مضى. فمعظم صادرات الصين ووارداتها واحتياجاتها من الطاقة تمر عبر الممرات البحرية الممتدة من الخليج العربي والمحيط الهندي وصولاً إلى بحر الصين الجنوبي.

من هذا المنظور، لا تنظر بكين إلى البحر باعتباره مجرد مساحة مائية متنازع عليها، بل باعتباره شريانها الاقتصادي الرئيسي. وأي قوة قادرة على تهديد هذه الممرات البحرية تستطيع عملياً التأثير في الاقتصاد الصيني بأكمله. لذلك أصبح تأمين هذه المنطقة جزءاً من مفهوم الأمن القومي الصيني نفسه (Wiley Online  Library).

لكن المسألة لا تتوقف عند حدود الدفاع عن خطوط التجارة. فالصين تسعى إلى تحويل البحر من ممر تستخدمه إلى مجال استراتيجي تهيمن عليه. والفرق بين الحالتين جوهري؛ فالدولة التي تعتمد على الممرات البحرية تظل عرضة لضغوط القوى البحرية الأخرى، أما الدولة التي تسيطر عليها فتتحول إلى قوة قادرة على فرض شروطها الإقليمية والدولية.

عقدة تايوان

يصعب فصل ملف بحر الصين الجنوبي عن القضية الأكثر حساسية في الاستراتيجية الصينية، وهي تايوان. فبكين تدرك أن أي مواجهة مستقبلية حول الجزيرة ستتحدد إلى حد كبير في المجال البحري.

يشكل بحر الصين الجنوبي مع بحر الصين الشرقي ما يشبه الطوق البحري المحيط بتايوان. ولذلك فإن توسيع الوجود الصيني في هذه المياه يمنح الجيش الصيني قدرة أكبر على مراقبة التحركات العسكرية الأجنبية، ويعزز إمكانيات فرض حصار بحري على الجزيرة إذا اقتضت الضرورة. ولهذا السبب ينظر العديد من الباحثين إلى التحركات الصينية الحالية باعتبارها جزءاً من عملية تهيئة استراتيجية طويلة الأمد تتجاوز النزاعات المحلية مع الفيلبين أو فيتنام نحو هدف أكبر يتعلق بإعادة تشكيل البيئة العسكرية المحيطة بتايوان (Wiley Online  Library).

ومن هنا يمكن فهم الحساسية الصينية الشديدة تجاه أي نشاط تايواني أو أميركي أو ياباني في هذه المنطقة. فبالنسبة لبكين، لا يتعلق الأمر فقط بالسيادة البحرية بل أيضاً بمنع تشكل بيئة استراتيجية قد تعرقل مشروعها المستقبلي تجاه الجزيرة.

طريق الحرير البحري

ومنذ إطلاق مبادرة “الحزام والطريق” عام 2013، أصبح بحر الصين الجنوبي نقطة ارتكاز أساسية في ما تسميه الصين “طريق الحرير البحري”. فالمبادرة لا تقتصر على إنشاء موانئ أو شبكات نقل، بل تهدف إلى بناء منظومة اقتصادية وجيوسياسية تربط الصين بالأسواق العالمية عبر شبكة واسعة من الممرات البحرية والبنى التحتية الممتدة من شرق آسيا إلى أفريقيا وأوروبا (CSIS).

ضمن هذا التصور، يتحول بحر الصين الجنوبي إلى البوابة الأولى للمشروع بأكمله. فسيطرة الصين على هذه المنطقة تمنحها قدرة أكبر على حماية استثماراتها البحرية وخطوط إمدادها التجارية، كما توفر عمقاً استراتيجياً لموانئها وشركاتها وسفنها التجارية.

ولهذا السبب لا يمكن قراءة بناء الجزر الاصطناعية أو نشر خفر السواحل أو تكثيف الدوريات البحرية بمعزل عن الرؤية الصينية الأشمل التي تربط الاقتصاد بالأمن والجغرافيا السياسية ضمن مشروع واحد متكامل.

بناء القوة البحرية الكبرى

إذا نظرنا إلى التجربة التاريخية للقوى العظمى سنجد أن معظمها امتلك في مرحلة صعوده قوة بحرية قادرة على حماية مصالحه خارج حدوده المباشرة. بريطانيا بنت إمبراطوريتها عبر السيطرة على البحار، والولايات المتحدة كرست نفوذها العالمي من خلال تفوقها البحري بعد الحرب العالمية الثانية.

الصين تدرك هذه الحقيقة جيداً. لذلك فإن مشروع “القوة البحرية العظمى” أصبح جزءاً مركزياً من الخطاب الاستراتيجي الصيني خلال العقد الأخير. والهدف لا يقتصر على حماية التجارة أو الموارد الطبيعية، بل يتعلق أيضاً بإثبات أن الصين قادرة على منافسة الولايات المتحدة في المجال الذي شكل لعقود مصدر التفوق الأميركي الأساسي (Wiley Online Library).

وفي هذا السياق تكتسب الجزر الصغيرة والشعاب المرجانية أهمية تفوق حجمها الجغرافي بكثير. فهي تتحول إلى نقاط مراقبة وقواعد متقدمة ومحطات لوجستية تسمح للصين بتمديد حضورها العسكري والسياسي في عمق المحيط الهادئ.

إقرأ على موقع 180  الحصاد المتوقع للحرب الأوكرانية

ما الذي تعنيه أحداث اليوم؟

إذا وضعت التطورات الأخيرة ضمن هذا الإطار الأوسع، فإنها تبدو أقل ارتباطاً بحوادث بحرية عابرة وأكثر ارتباطاً باستراتيجية تراكمية تعتمدها بكين منذ سنوات؛ فالصين لا تسعى إلى تحقيق انتصار حاسم وسريع في بحر الصين الجنوبي، بل تعتمد سياسة التقدم التدريجي التي تقوم على تكريس وجود دائم، وتوسيع نطاق السيطرة الفعلية، واختبار ردود فعل الخصوم، ثم الانتقال إلى خطوة جديدة عندما تصبح الخطوة السابقة أمراً واقعاً يصعب التراجع عنه (Reuters).

ومن هنا يمكن فهم أهمية كل دورية لخفر السواحل وكل احتكاك بحري وكل منشأة تظهر فوق شعاب متنازع عليها. فهذه الأحداث الصغيرة ليست الهدف بحد ذاتها، بل أدوات ضمن عملية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل الخريطة الاستراتيجية لشرق آسيا.

في النهاية، لا تدور المعركة الحقيقية في بحر الصين الجنوبي حول مجموعة جزر أو حقول غاز أو مناطق صيد فحسب، بل حول سؤال أكبر بكثير: هل ستظل آسيا البحرية فضاءً مفتوحاً توازن فيه الولايات المتحدة نفوذ الصين، أم أن بكين ستنجح تدريجياً في تحويل هذه المنطقة إلى مجال نفوذ خاص بها يشكل نقطة الانطلاق نحو مكانة القوة البحرية الأولى في القرن الحادي والعشرين؟

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  قراءة أمريكية: "نظام بوتين لا ينتهي إلا بموت الدكتاتور"!