لا يمكن فهم التحركات الصينية المتسارعة في بحر الصين الجنوبي بوصفها مجرد نزاع حدودي على جزر صغيرة أو شعاب مرجانية متناثرة في المياه الاستوائية. فالصراع الدائر هناك أعمق بكثير من خرائط السيادة وأبعد من الخلافات القانونية حول الحدود البحرية.
لا يمكن فهم التحركات الصينية المتسارعة في بحر الصين الجنوبي بوصفها مجرد نزاع حدودي على جزر صغيرة أو شعاب مرجانية متناثرة في المياه الاستوائية. فالصراع الدائر هناك أعمق بكثير من خرائط السيادة وأبعد من الخلافات القانونية حول الحدود البحرية.
عندما حط الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون عام 1972 في بكين، كان يرمي إلى الاستعانة بالصين، في مواجهة الاتحاد السوفياتي في ذروة الحرب الباردة. لم يكن يدر في خلد نيكسون ولا وزير خارجيته ومستشار أمنه القومي عامذاك هنري كيسنجر، أن الصين ستلحق يوماً ما بالولايات المتحدة لتصير نداً اقتصادياً لها ومنافساً جيوسياسياً، وأن ترث هي الاتحاد السوفياتي، وليس روسيا.
مع بدء العد العكسي للقاء القمة المرتقب بين دونالد ترامب وشي جين بينغ في بكين، تبدو التوقعات أعلى من الوقائع، والرهانات أكبر من المؤشرات المتاحة. ومع ذلك، فإن مجرد انعقاد هكذا قمة يكشف عن لحظة دولية حسّاسة، تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى فوق خرائط ملتهبة، من شرق أوروبا إلى غرب آسيا، مروراً بالعقدة الأكثر تعقيداً: إيران.
يقول لنا التاريخ إنه لا يمكن لأي دولة عظمى في العالم أن تبقى عظمى وقوية إلى ما لا نهاية. ومع ذلك، لا يذكر تاريخنا المكتوب أنّ دولةً واحدة تمكّنت من إدارة هذا العالم المعقّد، بتفاصيله الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية، بمفردها كما فعلت الولايات المتحدة الأميركية. سواء أكنت معجبًا بالنموذج الأميركي أم لا، وبغضّ النظر عن السياسات الأميركية التي تتعارض في كثير من الأحيان مع مصالح الدول الأخرى أو مع معتقداتنا، تظلّ الولايات المتحدة الدولة الوحيدة في تاريخ البشرية التي تمتلك انتشارًا عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا في مختلف بقاع الأرض ومحيطاتها.
ثمة عقدة جيوسياسية تتصل بالصراع على الممرات الكبرى. وفي هذا السياق، يبرز التنافس المحموم بين طريق الحرير الصيني والبديل المدعوم غربيًا، أي ممر الهند-الشرق الأوسط–أوروبا، فيما تتصدر إيران قلب هذه العقدة بوصفها لاعبًا يسعى إلى حماية موقعه الاستراتيجي. فالعالم يشهد بزوغ مرحلة جديدة تتشكل فيها معالم «شرق أوسط جديد» عبر بوابة الاقتصاد والمشاريع العابرة للقارات، حيث لم تعد السياسة وحدها المحرّك الأساسي، بل باتت خطوط التجارة وسكك الحديد هي التي ترسم حدود النفوذ وتحدد هوية النظام الإقليمي ومن خلاله معالم النظام الدولي الجديد.
ما كانت إيران على علم بـ"طوفان الأقصى". لقد فوجئت بالعملية كما فوجئ العالم بأسره. لعل سريتها هي سبب نجاحها. هذا موجز الكلام المتداول حول علاقة إيران وأطراف "محور الممانعة" بهذه العملية التي أشعلت نصف حرب عالمية في منطقتنا ولم تكد تنتهي فصولها بعد.
منذ العصور القديمة، كان الصراع على الممرات والمضائق والقنوات هو المحرك الأساسي لإعادة تشكيل خرائط النفوذ العالمي. فطريق الحرير، الذي امتد من الصين وصولاً إلى أوروبا عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط، لم يكن مجرد طريق تجاري بل كان مساراً استراتيجياً حدد موازين القوى بين إمبراطوريات ذلك الزمن.
تتّجه الجيوبوليتيكا العالميّة إلى التركيز على السباق في مجال المناجم والمعادن الاستراتيجيّة. هذه الإشكاليّة باتت محور المصالح الحيويّة للولايات المتحدة والصين وأوروبا واليابان، في انتظار أن يُكشف عن الثروات المعدنيّة الكامنة في غرينلاند وسيبيريا، وربما أيضاً في أعماق المحيطات.
لكل مرحلة في العمر "لماتها"، و"لمّات" في قاموسي جمع "لمّة"، أي جماعة من الناس تكون مختارة بعناية.
عندما أعلن الأدميرال الأمريكي ألفريد ماهان في العام 1902، أن "البحر الأبيض المتوسط سيكون ملكًا لسيد واحد، وسيقع تحت هيمنة قوة مهيمنة ستدفع بمزاياها في جميع الاتجاهات، أو سيكون مسرحًا لصراع دائم"، لم يكن يطلق نبوءة، بل إشارة إلى أهمية البحر المتوسط كمسرح للتنافس والصراع على النفوذ.