إنّها حربٌ أهليّة لأنّ أبناء المجتمع الواحد وجدوا أنفسهم في خنادق متقابلة، يقاتل بعضهم بعضاً بشراسة. لكنّ التجارب الإنسانية في كلّ بلدٍ خرج من أتون حربٍ أهليّة تحمل درساً واحداً ثابتاً: سقوط السلطة وقيام أخرى ليس نهاية الحكاية، بل بدايتها الحقيقية. فالحرب الأصعب على الإنهاء ليست تلك التي تُخاض بالسلاح، بل تلك التي تستوطن العقول والذاكرة الجماعية، وتتسلّل إلى نمط التفكير اليومي الذي يحكم العلاقة بين الجيران وزملاء العمل وأبناء العائلة الواحدة؛ نمط تفكيرٍ قوامه الخوف من الآخر، ذلك الأخ والشريك في الوطن.
واليوم، بعد أكثر من عام ونصف على سقوط بشار الأسد، تقف سوريا عند مفترقٍ واعدٍ بقدر ما هو حسّاس: فرصة تاريخية لبناء اقتصادٍ ومجتمعٍ معافيين، شريطة أن تُبنى هذه الفرصة على أرضيةٍ صلبة من الثقة المتبادلة، لا أن تبقى رهينة الخوف وموروثاته.
شروط الاستقرار
كلّ ما يُقال اليوم عن مؤشّرات إيجابية، من تصريحات السلطات السورية إلى وعود بعض القوى الخارجية والمؤسسات الدولية، يمكن أن يتحوّل من أرقامٍ على الورق إلى واقعٍ ملموس، بشرطٍ واحد جوهري: أن يقترن بمناخٍ حقيقي من الاستقرار الاجتماعي. فالمستثمر، محلياً كان أو أجنبياً، يبحث أولاً عن الأمان قبل العائد، ولا يضع أمواله بثقةٍ إلا في بلدٍ يثق أبناؤه ببعضهم بعضاً، وفي اقتصادٍ يقوم على منطق الشراكة في النهوض، لا على منطق «الغالب والمغلوب». هذه هي المعادلة التي يمكن لسوريا أن تكسبها إن أحسنت إدارة هذه المرحلة الانتقالية الدقيقة.
ومهما تعدّدت الاستثمارات الجزئية والمبادرات المرافقة لها، يبقى التعافي الاقتصادي مرتبطاً عضوياً بالاستقرار الاجتماعي. فالتحوّل الحقيقي والمستدام رهنٌ بإعادة الاعتبار للعمل والإنتاج، وضبط الأسواق وكسر الاحتكارات، وتعزيز دخل المواطن، وربط أي انفتاحٍ خارجي بإصلاحٍ داخلي فعلي وشفاف، لا بشعاراتٍ حول «حرية الاقتصاد» تبقى فارغة ما لم تقترن بميزانية واضحة وآليات نقدية منضبطة وسياسات اقتصادية رشيدة. غير أنّ كثيراً من هذه الشروط لا يزال غائباً أو غير مكتمل حتى اليوم.
ولا يتحقّق الاستقرار الاجتماعي إلا عبر رؤية اقتصادية وإدارية للدولة تقوم على العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الدخل القومي بإنصاف، بحيث تصل ثمار الإصلاح مباشرةً إلى الفئات الأكثر هشاشة والمناطق والمدن التي تحمّلت أعباء الحرب أكثر من غيرها. وهذه العدالة، حين تتحقّق، لا تبقى شعاراً، بل تتحوّل إلى محرّكٍ حقيقي للنمو، لأنّه لا يمكن الحديث عن نموٍّ وإنتاجٍ مستدامين في بلدٍ لا تزال فيه شرائح واسعة من السكان، سواء بحكم انتمائها أو ماضيها الوظيفي أو حتى موقفها الحيادي أثناء الحرب، تشعر بأنها خارج معادلة المستقبل. وهنا بالضبط تكمُن الفرصة: حين يشعر كل سوري بأنّ له مكاناً مضموناً في الغد، يتحرّر المجتمع كلّه ليستثمر طاقاته في البناء بدل الحذر والترقّب.
الحماية والعدالة الانتقالية
استخدمت السلطة البائدة لعقودٍ ورقة تقسيم المجتمع والحشد الطائفي والمناطقي والطبقي، وأخافت كلّ طيفٍ من الأطياف من الآخر لضمان استمراريتها. واستثمرت قوى خارجية هذه الانقسامات أيضاً لإطالة أمد الحرب. فلا عجب أن تكون مخاوف الانتقام والاحتماء بالخارج قد برزت سريعاً بعد سقوط تلك السلطة، بالتوازي مع صعوبة الأوضاع المعيشية وتفاقمها من جرّاء السياسات التي تمّ اتباعها. لكنّ هذا بالذات هو التحدّي الذي يجب على أيّ مرحلة جديدة أن تنجح في تجاوزه: إخراج المجتمع من مناخ الخوف الموروث، وطمأنته بأنّ القائمين الجدد على السلطة مسؤولون عن المجتمع بأسره، لا عن جزءٍ منه فقط.
وأمام حجم الانتهاكات التي رافقت سنوات الحرب، تصبح العدالة الانتقالية الشفافة شرطاً أساسياً لإرساء الاستقرار الاجتماعي. فالمصالحات غير الواضحة مع منتهكين كبار، والتركيز الإعلامي على ملاحقة منتهكين صغار فقط، وحصر المساءلة بفئاتٍ دون أخرى، كلّها ممارسات يمكن تفاديها عبر آلياتٍ فعلية وشفافة للحقيقة والمصالحة، تشمل الجميع بإنصاف، وتحدّ من خطاب التحريض بدلاً من ترك المجال أمام تمدّده.
فالعدالة الانتقالية الحقيقية تختلف جذرياً عن المحاسبة الجماعية أو العفو الانتقائي القائم على الولاءات. الأولى تبني الثقة لأنها تحاسب أفراداً على أفعالهم الموثّقة، وتطمئن الجميع إلى أنّ القانون واحد لا يُجامل أحداً. وهذا بالضبط هو الطريق الأقصر نحو مجتمعٍ يثق بمؤسّساته ويستثمر في مستقبله، بدل أن يبقى حبيس الماضي.
ومن أبرز الفئات التي تحتاج إلى رسائل طمأنة واضحة وعملية، مئات الآلاف ممن عملوا في مؤسسات الدولة أو الإدارة المحلية أو الجيش، ومعظمهم في هذا الأخير أدّى خدمته الإلزامية خلال سنوات السلطة السابقة، دون أن يكون متورّطاً في أيّة جريمة. هذه الشريحة الواسعة، التي تضمّ أبناء مختلف الأطياف لا فئةً واحدة، خدمت مجتمعها في ظروفٍ بالغة الصعوبة برغم الاستبداد والعقوبات. واليوم، تستحقّ هذه الشريحة فرصةً حقيقية للاندماج في دولة جديدة، بدل أن تعيش قلق المساءلة الجماعية، لأنّ كسب ثقتها وطاقاتها هو بالضبط ما تحتاجه سوريا في مرحلة إعادة البناء.
مقومات النهوض
وهنا تبرز الحاجة إلى جهدٍ منظّم، عبر فريقٍ متخصّص بالسلم الأهلي، يعمل على تعزيز القيم الجامعة وبثّ رسائل الطمأنة والحدّ من خطاب التحريض والطائفية، ودحض سرديات الجهل بالآخر التي تتغذّى من الانعزال لا من المعرفة المباشرة. هذا الجهد هو حجر الأساس لإدارة التنوّع المجتمعي وبناء دولةٍ جامعة لكلّ أبنائها. وتستطيع سوريا أن تستفيد من دروس تجارب إقليمية سابقة، وفي مقدّمتها تجنّب الخطيئة التي رافقت تفكيك مؤسسات الدولة في العراق بعد عام 2003، والتي أدّت إلى سنواتٍ من الفوضى والحرب الأهلية. فالدرس واضح: بناء الدولة الجامعة أسرع وأقل كلفة بكثير من إعادة بنائها بعد انهيارها أو العمل على تفكيكها.
تبديد الخوف ليس مهمّة السلطة وحدها، وإن كانت صاحبة المسؤولية الأكبر فيه، عبر ترسيخ سيادة القانون ونشر شعور الأمان لدى الجميع وتطبيق عدالة انتقالية حقيقية لا انتقائية. فحين تُعرَّف «الجرائم الجسيمة» بوضوح، وحين تُطبَّق القوانين على الجميع دون استثناء، وحين يُعاد دمج المناطق المتضرّرة بكل أطيافها في نسيج الدولة، وحين تُقدَّم الكفاءة والنزاهة على حساب الولاء وحده، وحين تكون القوى الأمنيّة حياديّة تجاه السياسة والفئات الاجتماعيّة، تصل إلى المجتمع رسالة واضحة: أنّ زمن الخوف قد ولّى، وأنّ سوريا تبني نظاماً يحمي الجميع بالتساوي. وهذا بالضبط سيكون الانتصار الحقيقي على منطق الحرب الأهلية الذي حكم البلاد لعقود… وما زال.
فلا نهوض اقتصادياً واجتماعياً حقيقياً ومستداماً إلا في مجتمعٍ متصالح مع نفسه، وفي ظلّ دولة تمثّل جميع المواطنين. ورأس المال البشري، قبل المالي، لا يزدهر إلا في بيئةٍ يشعر فيها الجميع بالأمان الكافي للاستثمار في مستقبلٍ مشترك، لا في مجرّد البقاء على قيد الحياة ليومٍ آخر، ولا سيّما في ظلّ المشقة المتزايدة التي بات يفرضها تأمين سبل العيش الكريم.
وسوريا، بكل ما تحمله من جراح، تملك أيضاً كل مقوّمات النهوض: شعبٌ صبور، وطاقاتٌ بشرية واسعة، وفرصة تاريخية لإعادة كتابة عقدها الاجتماعي على أسسٍ من العدالة والثقة. وحين يُبدَّد الخوف، لن يكون النهوض خياراً، بل مساراً طبيعياً تسلكه البلاد بثقةٍ نحو غدٍ يليق بتضحيات أبنائها جميعاً.
