لا يمثل هذا التحول مجرد تصعيد في مستوى المواجهة، بقدر ما يعكس تغيرًا في طبيعة الردع ذاته. فالسؤال لم يعد يقتصر على قدرة كل طرف على إيقاع الأذى بالآخر، بل أصبح يتعلق بمدى نجاحه في منع خصمه من تغيير قواعد الاشتباك أو فرض معادلات جديدة بالقوة.
وفي الأدبيات الاستراتيجية، لا يُقاس الردع بحجم الخسائر التي يُلحقها طرف بخصمه، بل بقدرته على منعه من الإقدام على فعل معين خشية كلفته. ومن هذا المنطلق، فإن تطور المواجهة بين إسرائيل وإيران خلال الأعوام الأخيرة يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نجحت إسرائيل في تعزيز ردعها التقليدي، أم أن إيران تمكنت، عبر الردود المباشرة، من فرض معادلة ردع متبادل جديدة؟
مثّل اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده في تشرين الثاني/نوفمبر 2020 محطة مفصلية في هذا المسار. فقد اتهمت طهران إسرائيل بالوقوف وراء العملية، واعتبرتها محاولة لإبطاء برنامجها النووي عبر استهداف أحد أبرز العقول العلمية المرتبطة به، في حين لم تعلن إسرائيل مسؤوليتها رسميًا. إلا أن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو السابقة، ولا سيما قوله عام 2018: “تذكروا هذا الاسم”، عزّزت الاعتقاد بأن العملية جاءت في إطار استراتيجية إسرائيلية تستهدف تقويض البرنامج النووي الإيراني من خلال استهداف كوادره العلمية.
وبرغم الأهمية الرمزية والعملياتية لهذا الاغتيال، فإنه لم يؤدِّ إلى تغيير جوهري في سلوك إيران أو في مسار برنامجها النووي، ما أظهر حدود تأثير العمليات النوعية، مهما بلغت دقتها، في تحقيق ردع طويل الأمد. فالتفوق الاستخباراتي لا يعني بالضرورة نجاحًا استراتيجيًا إذا لم يؤدِّ إلى تغيير حسابات الخصم.
وبقي الصراع بعد ذلك محكومًا بمنطق “حرب الظلال”، حيث حافظ الطرفان على هامش واسع من الإنكار المتبادل، وتجنبا الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة. غير أن هذا النمط بدأ يتآكل تدريجيًا مع اتساع ساحات الاشتباك، ولا سيما بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023؛ التاريخ الذي أعاد صياغة العقيدة الأمنية الإسرائيلية، ودفع تل أبيب إلى توسيع نطاق عملياتها ضد ما تعتبره “محور إيران”، سواء عبر استهداف حلفائه أو عبر توجيه ضربات مباشرة إلى مواقع مرتبطة به.
وفي هذا السياق، شكّل استهداف القنصلية الإيرانية في دمشق في الأول من نيسان/أبريل 2024 نقطة تحول نوعية. فقد اعتبرت إيران الهجوم انتهاكًا مباشرًا لسيادتها وخرقًا للقانون الدولي، بينما بررته إسرائيل بأنه استهدف منشأة يستخدمها “فيلق القدس” لأغراض عسكرية. ولم يقتصر أثر العملية على بعدها العسكري، بل نقل المواجهة إلى مستوى جديد، بعدما أعلن المرشد الإيراني علي خامنئي أن “الكيان الصهيوني ارتكب خطأ وسيُعاقب عليه”.
وجاء الرد الإيراني عبر عملية “الوعد الصادق” في نيسان/أبريل 2024، حين أطلقت طهران للمرة الأولى صواريخ وطائرات مسيّرة مباشرة من أراضيها باتجاه إسرائيل. ولم يكن الهدف عسكرياً بقدر ما كان سياسياً واستراتيجياً؛ إذ أرادت إيران أن تعلن انتهاء مرحلة الرد غير المباشر، وأن ترسم قاعدة اشتباك جديدة مفادها أن أي استهداف مباشر للأراضي الإيرانية أو لممثلياتها الرسمية سيقابله رد مباشر.
وبهذا المعنى، لم تكن العملية مجرد رد على استهداف القنصلية الإيرانية في دمشق، بل إعلانًا عن تحول في فلسفة الردع الإيرانية نفسها. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية، اعتمدت طهران بدرجة كبيرة على شبكة حلفائها الإقليميين في إدارة المواجهة مع إسرائيل خارج أراضيها، إلا أن عملية “الوعد الصادق” عكست استعدادًا للانتقال، عند الضرورة، إلى المواجهة المباشرة، بما يحمله ذلك من رسائل تتجاوز حدود الحدث نفسه.
وفي المقابل، جاء الرد الإسرائيلي في 19 نيسان/أبريل 2024 عبر ضربة محدودة استهدفت محيط قاعدة شِكاري الجوية في أصفهان. وقد حرصت إسرائيل على أن يكون ردها محسوبًا، بحيث يؤكد قدرتها على الوصول إلى العمق الإيراني، من دون أن يدفع المنطقة إلى حرب شاملة. وهو ما يعكس إدراكًا إسرائيليًا بأن المحافظة على الردع لا تعني بالضرورة تعظيم حجم الضربة، بل اختيار مستوى من القوة يحقق الرسالة المطلوبة ويحدّ في الوقت نفسه من احتمالات التصعيد غير المنضبط.
وتكرر هذا النمط بعد اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في طهران في تموز/يوليو 2024. فقد اعتبرت إيران العملية انتهاكًا جديدًا لسيادتها، وردت عليها بعملية “الوعد الصادق 2″، مؤكدة تمسكها بمعادلة الرد المباشر كلما استهدفت أراضيها أو مصالحها الحيوية. أما إسرائيل، فقد واصلت اعتماد ردود عسكرية محدودة داخل العمق الإيراني، في محاولة للحفاظ على قدرتها الردعية من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
ومن خلال هذه الجولات المتبادلة، بدأت ملامح معادلة ردعية جديدة تتشكل. فلم تعد إسرائيل الطرف الوحيد القادر على نقل المعركة إلى الداخل الإيراني، كما لم تعد إيران تكتفي بالرد عبر حلفائها. وبات كل طرف يمتلك القدرة على استهداف الآخر مباشرة، وإن ظلّ حريصًا على إبقاء التصعيد ضمن حدود لا تؤدي إلى حرب شاملة.
وفي هذا السياق، شكّلت حرب الأيام الاثني عشر عام 2025 محطة مفصلية أخرى في تطور الصراع. فعلى الرغم من اتساع نطاق العمليات العسكرية، بقيت الحرب محدودة زمنيًا، وانتهت بفعل ضغوط ووساطات دولية حالت دون تحولها إلى مواجهة إقليمية واسعة. وقد كشفت هذه الحرب أن الطرفين يمتلكان القدرة على التصعيد، لكنهما يدركان أيضًا الكلفة الباهظة لحرب مفتوحة، الأمر الذي جعل إدارة التصعيد (الإشتباك) جزءًا من إدارة الصراع نفسه.
وهنا تكمن إحدى أهم نتائج هذه المرحلة؛ إذ لم يعد الردع يؤدي وظيفته التقليدية المتمثلة في منع الحرب، بل أصبح وسيلة لتنظيمها وضبط حدودها. فكل جولة مواجهة كانت تنتهي قبل بلوغ نقطة الانفجار الشامل، ليس بسبب غياب القدرة العسكرية، بل نتيجة إدراك متبادل بأن كلفة الحرب الكاملة تفوق المكاسب المحتملة منها.
وتكشف المواجهات المتتالية بين إسرائيل وإيران منذ عام 2024 حتى الآن أن الصراع لم يعد محكوماً بمنطق “حرب الظلال” الذي طبع العلاقة بين الطرفين لعقود، كما أنه لم يصل في المقابل إلى مرحلة الحرب الصفرية الشاملة. فالطرفان باتا يمتلكان القدرة على توجيه ضربات مباشرة إلى عمق الآخر، لكنهما لا يزالان يتجنبان تجاوز العتبة التي قد تفضي إلى مواجهة مفتوحة يصعب احتواؤها.
ومن هنا، فإن التحول الأبرز لا يكمن في انتقال الصراع من المواجهة غير المباشرة إلى المواجهة المباشرة فحسب، بل في تغير وظيفة الردع نفسها. فإذا كان الردع التقليدي يقوم على منع الحرب، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى نشوء نمط مختلف، يقوم على إدارة التصعيد أكثر من منعه، وعلى فرض حدود للمواجهة بدلاً من إلغائها.
وبذلك، يمكن القول إن الصراع الإسرائيلي–الإيراني دخل مرحلة الردع المتبادل غير المستقر؛ وهي مرحلة يمتلك فيها كل طرف القدرة على إيقاع ضرر بالغ بالآخر، من دون أن يمتلك القدرة على فرض حسم نهائي أو تغيير إرادته السياسية. لذلك، تبدو المواجهات المقبلة مرشحة للاستمرار ضمن دورات متكررة من التصعيد والاحتواء، تتغير فيها قواعد الاشتباك تدريجياً، من دون أن تُفضي بالضرورة إلى تسوية نهائية أو إلى حرب إقليمية شاملة.
