تتفاوض الولايات المتحدة مع الرياض بشأن إنشاء أول مجمع نووي مدني، وتشمل محادثاتهما شروطًا سياسية أبرزها التطبيع السعودي مع إسرائيل وشروطاً تقنية دقيقة تتعلق ببروتوكولات التخصيب وضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وعلى الرغم من أن واشنطن لم تمنح “موافقة نهائية” بعد، إلا أن قبولها المبدئي بالتفاوض يعكس إدراكًا متأخرًا بأن أمن المنطقة لن يستقيم دون منح القوى المركزية (كالسعودية) أدوات قوة سيادية، ولو كانت محدودة.
يمنح هذا المشروع الرياض ثقلًا استراتيجيًا لا يقتصر على الطاقة، ولكنه يمتد ليشمل “الندّية التقنية”. وهنا، يأتي الدور التركي كشريك محتمل؛ فأنقرة التي تمتلك خبرات صناعية ودفاعية متقدمة، يمكنها تقديم استشارات في مجالات التشغيل والصيانة للمفاعلات المدنية، بينما توفر الرياض التمويل. لكن من المهم التنبيه إلى أن التعاون العسكري النووي يبقى مستبعدًا، بموجب معاهدات عدم الانتشار والتزام تركيا ضمن حلف “الناتو”.
وعليه، يسعى الطرفان السعودي والتركي إلى تنسيق أوسع في الملفات الدفاعية والسياسية، واصفين ذلك بـ”الشراكة الاستراتيجية”، لكن الحديث عن “قطب إقليمي” جديد ما زال طموحًا أكثر منه واقعًا. إذ تفتقر الرياض وأنقرة لوجود آليات عسكرية مشتركة، وتختلفان في التزاماتهما الدولية (تركيا في “الناتو”، والسعودية تُنوّع شراكاتها مع واشنطن أولاً وبكين وموسكو ثانياً).
في خضم هذه الديناميكية المتجددة، تلوح في الأفق نقاط توتر كامنة قد تعيد تشكيل ملامح العلاقة بين أنقرة والرياض، أبرزها الملف السوري الذي يشهد تنافسًا محتدمًا ولا سيما حيال الموقع الإقليمي لدمشق (حليفة وصديقة لتركيا أولاً أم تكون جزءاً لا يتجزأ من جامعة الدول العربية). ولا يقل حساسية عن ذلك ملف جماعة “الإخوان المسلمين”، حيث تستضيف تركيا شخصيات إخوانية بارزة، في حين تصنفهم السعودية (والإمارات) كجماعة إرهابية، وهو خلاف جوهري يعكس تباعدًا في المرجعيات الأيديولوجية والسياسية بين البلدين. إضافة إلى ذلك، تبرز الأولويات الاقتصادية كعامل توتر آخر، إذ تعاني أنقرة من حاجة ماسة للسيولة والاستثمارات الخليجية لدعم اقتصادها المتعثرواقتصاد سوريا المتعثر أيضاً، بينما تشترط الرياض ضمانات سياسية واضحة مقابل هكذا تمويل، مما قد يولد احتكاكًا في حال تعثر تنفيذ المشروعات أو تباطؤ الالتزام بالشروط، وهو ما يجعل التعاون المستقبلي مرهونًا بقدرة الطرفين على إدارة هذه الملفات بحكمة، وتحويلها من عقبات إلى فرص للتفاهم المشترك. ولكن لا تلغي هذه الخلافات التقارب، لكنها تمنعه من التحول إلى تحالف اندماجي كامل، وتجعله أشبه بـ”تنسيق مصالح مؤقت” في مواجهة تحديات مشتركة، بينها التحدي الإسرائيلي والتحدي الإيراني.
في المقابل، لم يعد الدور الأميركي في الشرق الأوسط قائمًا على “التدخل المباشر” أو “القيادة الأحادية”، بل انتقل نحو “إدارة التكتلات”. حيث تدفع واشنطن اليوم، ضمنيًا، نحو تشكيل تحالفات إقليمية قوية (مثل التقارب السعودي-التركي) لتكون خط الدفاع الأول في مواجهة التمدد الإيراني أو الطموحات التوسعية لأي مشروع إقليمي مستقبلاً.
كما تدرك أميركا أن تحالف الرياض – أنقرة، يُمكن أن يشكل “جدارًا عازلًا” يضمن بقاء المنطقة ضمن المنظومة الاقتصادية الغربية، مع تلبية الاحتياجات الأمنية للقوى المحلية. ما يعني قبول واشنطن بدور “الضامن الخارجي” وليس “المدير اليومي” للأزمات، ما يمنح الرياض وأنقرة مساحة أكبر للتحرك الاستراتيجي، لكن مع بقاء السقف الأعلى للقرار بيد الإدارة الأميركية، وبخاصة في الملفات العسكرية والأمنية الحسّاسة.
وفي سياق هذا التقارب المتجدد، يجد التنسيق السعودي-التركي نفسه في مواجهة غير مباشرة مع السياسة التوسعية الإسرائيلية التي تتجاوز حدود الجغرافيا إلى محاولة فرض نظام أمني جديد في شرق المتوسط وأفريقيا وسوريا ولبنان، وهو ما يدفع الرياض وأنقرة إلى استثمار أوراق ضغط مشتركة لم تكن متاحة سابقًا، حيث بات التنسيق الدبلوماسي بينهما في المحافل الدولية، مدعومًا بالثقل الاقتصادي السعودي، يُشكل عائقًا أمام أي محاولة إسرائيلية لفرض واقع أحادي، وبخاصة في سوريا ولبنان، في وقت تراهن فيه إسرائيل تقليديًا على تفتت المحيط العربي، ما يجعل أي خطوة نحو تكامل سعودي-تركي تنعكس قلقًا لدى تل أبيب، برغم أن الرياض وأنقرة لا تسعيان إلى الحرب مع إسرائيل، بقدر ما تسعيان إلى فرض توازن قوى يجعل أي عدوان إسرائيلي مكلفًا سياسيًا واقتصاديًا على المستوى الدولي، وبخاصة مع تعاظم القدرات الدفاعية المحلية كالمسيرات والصواريخ الباليستية لدى الجانبين.
بيد أن قراءة هذا التحالف الجديد لا يمكن أن تتم بمعزل عن الدورين الروسي والصيني؛ فروسيا التي تمتلك نفوذًا عسكريًا مباشرًا في سوريا وعلاقات وثيقة بإيران، قادرة على تعطيل أي ترتيب إقليمي لا يحظى بموافقتها، كما تنظر بريبة للتواجد التركي في شمال سوريا مما قد يخلق احتكاكًا مع أنقرة، بينما ترتبط الصين مع السعودية بشراكة اقتصادية استراتيجية تقوم على النفط مقابل الاستثمارات، وتعتبر بكين أن استقرار الخليج جزءٌ من أمنها الطاقوي، وقد لا تعارض التقارب السعودي-التركي لكنها ستعمل على ضمان عدم تحوله إلى أداة غربية ضد مصالحها في المنطقة، وهو ما يضع حدًا لطموحات أي تحالف إقليمي ويجعل استقلاليته النسبية مرهونة بتوازنات دولية أوسع.
وخلافًا لما يشاع، فإن النظام الإيراني ليس مجرد متغير تابع يمكن فرض الشروط عليه، بل أمام طهران بدائل عدة، منها تعزيز محورها مع روسيا والصين لاكتساب حصانة دولية جزئية، واستمرار سياسة التمدد من خلال الوكلاء في اليمن ولبنان والعراق لإرباك أي تنسيق سعودي-تركي، إلى جانب الدخول في مفاوضات غير مباشرة مع الرياض عبر وساطات عمانية أو عراقية لتثبيت تفاهمات حدودية تنزع فتيل التوتر، ما يجعل المشهد الإقليمي أكثر تعقيدًا وتشابكًا من أن يُختزل في محور ضد آخر.
بناءً عليه يُمكن أن نشهد سباقًا مع الزمن في المرحلة المقبلة، حيث ستحاول القوى الإقليمية تثبيت قواعد الاشتباك الجديدة قبل وقوع أي تحولات كبرى (سواء في طهران أو في طبيعة التواجد الأميركي في الإقليم). لكن نجاح أي تحالف سعودي-تركي سيتوقف على:
- قدرته على تجاوز الخلافات الداخلية المذكورة أعلاه.
- مدى استجابته للمتغيرات الدولية، وبخاصة في ظل تنافس واشنطن – بكين.
- توفير مكتسبات اقتصادية ملموسة للشعبين السعودي والتركي، كي لا يظل مجرد تحالف فوقي هش.
ختامًا، يمكن القول بأننا لا نشهد ولادة “قطب إقليمي” مكتمل، وإنما تبلور “محور تنسيقي” مرن، يُعيد ترتيب الأولويات في المنطقة. فالتقارب السعودي-التركي، المدعوم جزئيًا بالطموح النووي السعودي والقدرات الصناعية التركية، قد يُشكّل عنصر استقرار نسبي، لكنه يبقى رهينًا بقدرته على تحويل المصالح المؤقتة إلى أسس دائمة، وبقدرته على إقناع اللاعبين الدوليين بأن مصلحتهم تمر عبر دعمه، لا عبر تعطيله.
