نسير على طرق غير معبدة نحو نظام إقليمي جديد

عنوان فرض نفسه مع بداية التخطيط للكتابة، لأكتشف بعد قليل عنوانًا آخر بدا لي أدق، ونصه كالآتي: "نركض على طرق وعرة نحو نظم إقليمية متعددة، وفي الغالب متخاصمة".

تراكمت أمامي التطورات في الإقليم، وتغيرت شخوص، واختلت توازنات، وانحسرت هيمنات لتستجد أخرى، وكانت النتيجة الحاجة إلى ابتكار عنوان آخر هو التالي، ولعله الأدق:

نسير في الإقليم على طرق خطرة، كثيرًا ما ننحو جانبًا عند مفارقها ونتوقف طويلًا، تهدينا في السير، كما في التوقف، خرائط لم نرسمها”.

زيادة في التحوط، وإمعانًا في احترام قواعد نظريات العلاقات الدولية، وإدراكًا أعمق لمدى التدهور الحادث في نوعية وكثافة التفاعلات “الشريرة” التي طرأت على الإقليم العربي منذ أن استأنفت رحلة الكتابة في هذا الموضوع، قررت الإبقاء على أول عنوان اخترته لهذا المقال.

***

شهد الجيل الذي أنتمي إليه نهاية نظام توازن القوى بنشوب حرب عالمية. جرى في هذه الحرب استخدام السلاح النووي للمرة الأولى، بحجة أنه لولا استخدام هذا السلاح لما انتهت الحرب العالمية الثانية بالشكل الذي انتهت عليه، ولا في الوقت الذي انتهت فيه. وانتهت بقيام نظام دولي ثنائي القطبية، وفي وقت اكتملت فيه، أو كادت تكتمل، مقومات القوة والقيادة لكل قطب من القطبين على مجموعة من الحلفاء قبلوا، طوعًا أو قسرًا، الانسياق وراء إرادة وتوجيه قوة عظمى.

شهد هذا الجيل أيضًا تطورًا مثيرًا جرت تفاصيله على أرض تخصه وبين شعوب يهمه شأنها. فمن خلال مفاوضات الإنهاء على ذيول نظام توازن القوى، سمحت الولايات المتحدة للدولتين الغربيتين الأكبر في مجموعة فلول الاستعمار التقليدي، وهما بريطانيا العظمى وفرنسا، بنقل بعض مقاليد الهيمنة الإمبراطورية من ميراث السلطة العثمانية إليهما. واكب هذا النقل تيار ناشئ في بعض الأقطار العربية المستقلة حقيقة أو شكلًا، وعددها في ذلك الحين لم يكن يزيد على سبعة، يعتنق أفراده ومنظماته ومختلف تشكيلاته فكرًا قوميًّا تحت مسميات أو ظلال عروبية. وهذا التيار، متدفقًا ومهاجمًا تارة، ومنسحبًا أو محاصرًا تارة أخرى، ظل مرافقًا لصعود ما سمي بالنظام الإقليمي العربي، إلى أن حانت مرحلة اختفائهما معًا أو انسحابهما المطول.

***

قيل “كلام”، وصار يتردد، مفاده أن شكلًا ما، أو أشكالًا متعددة، لنظم إقليمية في الشرق الأوسط يجري حاليًا الترويج لها. والشرق الأوسط، حسب الخرائط الجيوسياسية الأحدث، أقصد به الإقليم الواقع جغرافيًا بين ليبيا غربًا وباكستان شرقًا، وبين سواحل قزوين شمالًا وسواحل بحر العرب جنوبًا.

نسمع عن مشروعات نظام إقليمي “إبراهيمي” يستمد قوته من مزيج الدين والأسطورة وإرادة الدولة الأعظم، ونظام إقليمي تحت عنوان “إسرائيل الكبرى”، ونظام إقليمي نيلي، ونظام إقليمي لمجموعة الدول المتشاطئة على البحر الأحمر، ونظام الهلال الخصيب مجددًا، ونظام الدول الإسلامية الشرق أوسطية، ونظام إقليمي خليجي.

إنه التعدد المبالغ فيه والمتعمد. تكوينات نظرية لا تستند في الواقع إلى أساس أو شرعية. جميعها ظهرت، أو ارتفع صوتها، في أعقاب ما ساد من أفكار أو سياسات تعلن ضمنًا أو صراحة نهاية النظام الإقليمي العربي.

***

يسود اعتقاد، بعضه أو أكثره من فعل فاعل أو من تدبيره، بأن النظام العربي يعاني منذ فترة غير قصيرة من تداعيات وتبعات انفراطات خطيرة تحدث على مستويين:

المستوى الأول هو الانفراطات الداخلية، أي التي تقع داخل عديد من الدول المنضوية أساسًا تحت مظلة هذا النظام، وربما بسبب ظروف نشأته وسبب وجوده، وربما بسبب ما راح يبث من أفكار ويرسم من “مستقبلات”. أخص بالذكر أحداث العراق وسوريا ولبنان وفلسطين والسودان وليبيا واليمن، وكلها، حسب ما تيقنا، وقعت تحت ضغط فاعل خارجي انتهز فرص ممارسات العنف والظلم والتجاوزات بلا حدود.

أما المستوى الثاني، وأقصد به أعمال التمرد على قواعد وأخلاقيات النظام الإقليمي العربي وما يتصل بها من تطورات وتغيرات هيكلية، أو تغيرات تتعلق بقناعات فكرية أو أيديولوجية أو حضارية، فهو متعلق أيضًا بتطورات كانت في الأصل بين الأسس التي قام عليها، أو قام من أجل دعمها وحمايتها، النظام الإقليمي العربي وتكويناته المؤسسية، مثل جامعة الدول العربية ومنظماتها المتخصصة.

وهذا المستوى متعلق كذلك بتغيرات من نوع النزعة القومية الجارفة، كما حدث خلال الحروب مع إسرائيل وتصعيد إسرائيل لإجراءات العنف، وكما حدث ويحدث، بدرجة أقل، كعوامل ردع للحكومات العربية الآيلة إلى الوقوع في براثن الدعاوى الإبراهيمية. ومتعلق كذلك بالنزعة القومية المنسحبة والمنحسرة، كما هو الحال في الواقع الصعب الذي تعيشه، في الوقت الراهن، هذه التكوينات المؤسسة للنظام الإقليمي العربي.

***

النظام الإقليمي لا ينشأ في فراغ. ينشأ قويًا ومحدد الأهداف في حضن نظام دولي قائم ومكتمل، وينشأ ضعيفًا في ظل نظام دولي غير مكتمل النضوج.

النظام العربي نشأ برعاية نظام فرعي من دولتين استعماريتين استغلتا نقص الدراية اللازمة لدى الولايات المتحدة بقضايا المنطقة العربية وطموحاتها، وغياب الاهتمام من جانب الاتحاد السوفييتي، الطرف الثاني في النظام الدولي الجديد.

إقرأ على موقع 180  أنا ضد بشّار الأسد.. ومن حلّ محله من المتطرفين!

لم ينتظر البريطانيون والفرنسيون اكتمال تشكيل هذا النظام الدولي، وأقدموا وحدهم على صنع نظام إقليمي جديد، مستعينين فقط بتجربتهم الاستعمارية، وهي التجربة التي أثبتت فشلها بعد عشر سنوات في أول صدام سياسي بين الدولتين من جهة، وكل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، في حرب السويس، من جهة أخرى.

***

مرة أخرى نسمع من يردد مقولة إن بناء المؤسسات التكاملية شرط ضروري وكافٍ لبناء نظام إقليمي فاعل، تتكامل فيه الأجزاء وتذوب الفوارق، وربما أفلح في خلق، أو في استعادة، الشعور بقومية مشتركة.

قرأنا أنها نجحت في الولايات المتحدة، ولكن بتكلفة باهظة في الأرواح، واسترقاق الزنوج، والحرب الأهلية، ثم حروب أخرى، وفي أمريكا الجنوبية، وفي العالم العربي.

ونعلم أيضًا أن الأوروبيين استخدموا هذه الفكرة دروعًا لحماية أوطانهم ضد جيوش نابليون، وجيوش هتلر، وجيوش بوتين.

ونتذكر كذلك، ونحن في كامل وعينا، كيف ساهمت القومية في شحذ الهمم العربية في أنحاء كثيرة من العالم العربي للحصول على الاستقلال الوطني، حتى تحقق فعلًا.

***

غير خافٍ على أحد أن هذه التجربة، تجربة صنع نظام إقليمي عربي، ووجهت منذ بدايتها بتحديات، بعضها مسلط عليها من أطراف داخل المنطقة العربية، وأكثرها مخطط له من خارجها.

إلا أننا يجب أن نعترف بأن النقص الشديد والمفاجئ في عدد، ولا أقول مهارة، التكامليين العرب من سياسيين واقتصاديين وفنيين، يقف وراء العجز البادي في القدرة الذاتية العربية على إطلاق تجربة ثانية.

وليس غريبًا، ولا صعبًا على الفهم، أن هذا العجز في كتائب التكامليين، التي كانت تملأ الساحة في عقدي الخمسينيات والستينيات، رافقته، في بداياته، بدايات حملة الاتفاقيات الإبراهيمية التي قادتها الولايات المتحدة بدفع من إسرائيل.

ورافقته أيضًا ضخامة الفوائد المادية العائدة من السلطة القطرية، بما لا يقارن بالفوائد المقدرة التي يمكن أن توفرها للمواطن سياسات تكامل إقليمي خلال الأجل القصير.

وهذا العجز رافقته أيضًا حرب دموية شنتها الولايات المتحدة على العراق، وأعقبتها بتوسع في إنشاء وتعزيز، ثم “محاربة”، حركات متطرفة ومسلحة تعمل في معظم أرجاء المنطقة العربية، تشغل بها انتباه الحكومات العربية بعيدًا عن التفكير في تنفيذ مشروعات تكاملية أو مستقبلية.

***

تبقى لنا حقيقة أن الخيارات التكاملية الممكنة والمتاحة نظريًا أمام الجماعة السياسية العربية خلال العقود القليلة القادمة لن تخرج عن الخيارات الخمسة التالية:

(1) المشروع الإسلامي بروافده الراديكالي، أي الإيراني، والمحافظ، أي السعودي، والتجريبي، أي التركي العثماني.

(2) المشروع الإبراهيمي بروافده المتعددة.

(3) المشروع القومي على النمط الأوروبي.

(4) المشروع التكاملي انطلاقًا من أسس قومية وحدوية تقرها القمة العربية.

(5) المشروع الوظيفي، وتنفذه بالفعل طبقة “المطورين العرب” باستخدام فوائض الثروة العربية.

يبقى لنا أيضًا الأمل في أن ينتبه المسؤولون العرب، قبل فوات الأوان، إلى حقيقة أنه من دون سياسة تكامل إقليمي، وعقول تكاملية عربية، لن نتمكن من تحقيق الإنجاز المنشود في مجال الذكاء الاصطناعي، والثورة الملحقة به، والمستقبل الناطق باسمه.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

 

Print Friendly, PDF & Email
جميل مطر

دبلوماسي مصري سابق، كاتب متخصص في القضايا الدولية

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  هكذا تكلّم اللواء ناصيف.. من إغتال الحريري؟