تكشف التقديرات الأممية أن حجم الدمار الذي لحق بقطاعات الإسكان والصحة والتعليم والاقتصاد يضع قطاع غزة أمام مسار تعافٍ يمتد عقدًا كاملًا على الأقل، في وقت لا تزال فيه القيود المفروضة على حركة الأفراد والمواد تحول خطط الإعمار المعلنة إلى أطر نظرية أكثر منها برامج تنفيذية قابلة للقياس.
وتسعى هذه الورقة إلى الإجابة عن سؤال محوري: إلى أي حد يمكن فصل الملفين الإنساني والاقتصادي في غزة عن الشرطين السياسي والأمني اللذين يحكمان مسارهما؟ وهل يمكن تحقيق تعافٍ مستدام في ظل استمرار القيود المفروضة وغياب أفق سياسي واضح؟
منهجيًا، تعتمد الورقة على المنهج التحليلي الوصفي القائم على قراءة تقاطعية لتقارير المنظمات الدولية والتغطيات الميدانية الموثقة، بهدف رصد مؤشرات الأزمة الإنسانية والاقتصادية في سياقها التراكمي، بدلًا من الاكتفاء بعرض الوقائع منفصلة عن سياقها العام. أما من حيث الإطار الزمني، فتغطي الدراسة الفترة الممتدة من مطلع عام 2026 حتى نهاية يوليو/تموز من العام نفسه، بوصفها المرحلة التي تبلورت خلالها أبرز التقديرات المتعلقة بكلفة الإعمار ومؤشرات التراجع التنموي، وصولًا إلى أحدث المداولات الأممية بشأن مسار التعافي ومستقبل إدارة القطاع.
أولًا: حجم الكارثة الإنسانية ومؤشرات التراجع التنموي
تشير تقييمات صادرة عن الأمم المتحدة في مطلع عام 2026 إلى أن قطاع غزة يحتاج إلى أكثر من 71 مليار دولار خلال العقد المقبل لإعادة بناء ما دمرته الحرب، في وقت تراجعت فيه مؤشرات التنمية البشرية بما يعادل 77 عامًا، وهو رقم غير مسبوق في تقارير النزاعات المسلحة الحديثة.
وتوضح البيانات أن أكثر من 371 ألف وحدة سكنية دُمرت أو تضررت، وأن أكثر من 60% من سكان القطاع فقدوا منازلهم بالكامل، فيما خرج أكثر من نصف المستشفيات عن الخدمة، وتعرضت غالبية المدارس للتدمير أو لأضرار جسيمة. وتتحمل النساء والأطفال والأشخاص ذوو الإعاقة العبء الأكبر من هذا الواقع، إذ يعتمد أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع على المساعدات الخارجية لتلبية احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والمياه والرعاية الصحية.
وبرغم مرور نحو تسعة أشهر على سريان الهدنة، لا تزال مشاهد النزوح في الخيام قائمة وسط أنقاض المباني، في ظل غياب خطوات فعلية لإزالة الركام أو إدخال مواد البناء بالكميات التي تسمح بانطلاق مشاريع إعمار حقيقية على الأرض.
ويرى مسؤولون أمميون أن استمرار هذا الوضع من دون معالجة جذرية يهدد بتحويل الأزمة الإنسانية إلى حالة بنيوية طويلة الأمد، بدلًا من بقائها مرحلة انتقالية تعقب انتهاء العمليات العسكرية.
ثانياً: الانهيار الاقتصادي ومعوقات التعافي
على الصعيد الاقتصادي، انكمش اقتصاد قطاع غزة بنسبة تقارب 84%، وهي من أعلى معدلات الانكماش المسجلة عالميًا في سياق نزاع مسلح، نتيجة تدمير الأنشطة التجارية والزراعية والصناعية، إلى جانب شبكات الطرق والمياه والصرف الصحي والكهرباء. وفي المقابل، سجل الاقتصاد الفلسطيني ككل نموًا محدودًا بلغ نحو 4% خلال عام 2025، مدفوعًا بتحسن نسبي في الضفة الغربية، وهو ما يعكس تباينًا حادًا بين الإقليمين، ويؤكد أن أي حديث عن تعافٍ اقتصادي فلسطيني شامل يظل منقوصًا ما لم يشمل قطاع غزة على وجه الخصوص.
وتحدد تقارير أممية أربعة شروط أساسية لأي مسار تعافٍ اقتصادي مستدام، تتمثل في: حرية تنقل الأفراد والسلع ومواد الإعمار داخل القطاع وبينه وبين الضفة الغربية، ووجود نظام مالي فعّال وشفاف، وحوكمة واضحة وخاضعة للمساءلة، إلى جانب إزالة الأنقاض، ومعالجة الذخائر غير المنفجرة، وتسوية قضايا الأراضي والملكية.
غير أن استمرار القيود المفروضة على إدخال مواد البناء والمعدات الثقيلة يجعل هذه الشروط أهدافًا بعيدة المنال في المدى المنظور، فيما تتزايد الضغوط على الاقتصادات الإقليمية المجاورة. فقدّرت مصر خسائر قناة السويس الناجمة عن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر بنحو 10.5 مليارات دولار، وهو ما يعكس امتداد الكلفة الاقتصادية للأزمة إلى ما يتجاوز حدود قطاع غزة نفسه.
ثالثاً: الإعمار بين الشرط السياسي والشرط الأمني
يجمع مسؤولون أمميون على أن استدامة إعادة الإعمار لا يمكن ضمانها في غياب مسار سياسي واضح، وأن العمل الإنساني، مهما اتسع، يبقى عاجزًا عن وضع غزة على طريق التعافي طويل الأمد.
ويشكل ملف الترتيبات الأمنية جوهر هذا الجمود؛ إذ تربط إسرائيل أي تقدم في عملية الإعمار بشرط نزع سلاح حركة حماس، بينما ترفض الحركة هذا الشرط ما لم يقترن بحل سياسي شامل يفضي إلى قيام سلطة فلسطينية قادرة على إدارة القطاع.
ويستند الإطار الدولي في هذا الملف إلى قرار مجلس الأمن رقم 2803 لعام 2025، الذي طالبت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بتنفيذه الكامل، باعتباره شرطًا أساسيًا لإنهاء الصراع، إلى جانب التأكيد على ضرورة إطلاق مسار واضح يقود إلى إقامة الدولة الفلسطينية.
وتلعب أطراف إقليمية عدة دورًا في محاولة كسر هذا الجمود؛ إذ استضافت مصر وفودًا من حركة حماس لبحث آليات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، فيما جددت قطر دعمها للمساعي الرامية إلى احتواء التصعيد والتوصل إلى تسوية شاملة تحفظ الاستقرار الإقليمي.
وفي الوقت نفسه، تحذر تقارير أممية حديثة من أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية، ودخول القوات الإسرائيلية، من دون تنسيق مسبق، إلى منشآت تابعة لوكالة الأونروا، يقوض فرص بناء الثقة اللازمة لأي مسار تفاوضي شامل يربط بين ملفي غزة والضفة الغربية.
وفي تطور لافت يعكس محاولة لتجاوز هذا الجمود، أعلن مجلس السلام، برئاسة مديره التنفيذي نيكولاي ملادينوف، مساء الجمعة 31 يوليو/تموز 2026، خارطة طريق تتضمن خمسة عشر بندًا لاستكمال تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بالتوازي مع تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2803.
وتنص الوثيقة على وقف كامل للعمليات العسكرية من الجانبين، على أن يجري، خلال أربعة عشر يومًا، الاتفاق على جدول زمني وآليات تنفيذ محددة، تسبق تسلم لجنة إدارة مدنية كامل الصلاحيات في قطاع غزة، بما يشمل المؤسسات والخدمات العامة، على أن يتزامن حصر الأسلحة الثقيلة والخفيفة وتخزينها بصورة كاملة مع انسحاب إسرائيلي تدريجي من القطاع.
وشدد المجلس على أن حركة حماس لن يكون لها أي دور إداري، معلن أو غير معلن، في الإدارة الجديدة، فيما أعلنت الحركة موافقتها المبدئية على خارطة الطريق، مؤكدة أنها تعاملت مع مقترحات الوسطاء بمسؤولية وإيجابية.
غير أن هذا التطور لم يحظ حتى الآن بموقف إسرائيلي رسمي موحد؛ إذ رفض وزير الأمن القومي الإسرائيلي ايتمار بن غفير مسودة الاتفاق، داعيًا إلى مواصلة العمليات العسكرية بدلًا من الانسحاب، في حين أكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن خطة نزع سلاح حركة حماس تمثل خطوة بناءة نحو السلام، شريطة تنفيذها بالكامل، وأن الانسحاب الإسرائيلي الكامل يظل استحقاقًا نهائيًا لا غنى عنه.
ويكشف هذا التباين أن مصير خارطة الطريق، وما يرتبط بها من فرص فعلية لانطلاق عملية الإعمار، لا يزال مرهونًا بمدى التزام الحكومة الإسرائيلية بمقتضيات القرار الأممي، لا بمجرد إعلان الوثيقة من طرف واحد.
خاتمة: ترجيحات وسيناريوهات
تشير مجريات الأزمة إلى أن الفصل بين البعدين الإنساني والاقتصادي، من جهة، والبعدَين السياسي والأمني، من جهة أخرى، لم يعد ممكنًا في حالة غزة، بحيث تحولت عملية الإعمار إلى مرآة لموازين القوى الإقليمية والدولية أكثر من كونها مسألة تقنية أو تمويلية بحتة.
ويأتي إعلان مجلس السلام عن خارطة الطريق التفصيلية، في نهاية يوليو/تموز 2026، ليؤكد هذا الترابط؛ إذ ربطت الوثيقة صراحة بين حصر سلاح حركة حماس وتخزينه من جهة، والانسحاب الإسرائيلي التدريجي وتسليم الإدارة المدنية للقطاع من جهة أخرى، بما يجعل أي تقدم ملموس في عملية الإعمار مشروطًا بتزامن هذين المسارين، لا بتحقق أحدهما دون الآخر.
وفي ضوء ذلك، يمكن ترجيح ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل هذا الملف:
السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب، يتمثل في تنفيذ متعثر وبطيء لبنود خارطة الطريق، بحيث تُنجز خطوات جزئية في ملف حصر السلاح والانتقال إلى الإدارة المدنية، في ظل استمرار الخلافات داخل إسرائيل بشأن حدود الانسحاب، الأمر الذي يُبقي عملية الإعمار في حدودها الدنيا، ويحول دون تحولها إلى مسار تنموي شامل.
السيناريو الثاني يتمثل في تعطل خارطة الطريق بالكامل نتيجة رفض إسرائيلي رسمي يتجاوز تحفظات وزير الأمن القومي، بما قد يؤدي إلى انهيار الهدنة القائمة، وتقويض ما تحقق من مكاسب إنسانية محدودة، وإعادة الأزمة إلى نقطة الصفر.
السيناريو الثالث، وهو الأكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية، وإن كان الأقل ترجيحًا في الظروف الراهنة، فيقوم على تنفيذ متزامن وكامل لبنود خارطة الطريق، بما يفتح الباب أمام إطلاق عملية إعمار حقيقية، مقترنة بأفق سياسي واضح يقود إلى إقامة الدولة الفلسطينية، وبما ينسجم مع متطلبات قرار مجلس الأمن رقم 2803.
وأيًا يكن السيناريو الذي سيتحقق، فإن الفجوة القائمة بين حجم الاحتياجات الإنسانية من جهة، وهشاشة التوافق السياسي والأمني بشأن مستقبل قطاع غزة من جهة أخرى، ستظل العقبة الرئيسية أمام أي تعافٍ مستدام.
وتكشف هذه المعطيات أن إعادة إعمار غزة لم تعد مجرد مشروع لإصلاح ما دمرته الحرب، بل أصبحت اختبارًا لقدرة النظامين الإقليمي والدولي على إنتاج تسوية قابلة للحياة. فكلما طال أمد التعثر السياسي، ارتفعت الكلفة الإنسانية والاقتصادية، وتراجعت فرص الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجتها. ومن ثم، فإن مستقبل الإعمار لن تحدده الموارد المالية وحدها، بل قدرة الأطراف المعنية على بناء إطار سياسي وأمني مستقر يجعل من إعادة البناء عملية تراكمية، لا مجرد استجابة مؤقتة لجولة جديدة من الصراع.
قائمة المصادر والمراجع:
-الأمم المتحدة، “إعادة إعمار غزة تتطلب أكثر من 71 مليار دولار خلال العقد المقبل، والتنمية البشرية تتراجع 77 عاماً”، أخبار الأمم المتحدة، نيسان/أبريل 2026.
-فرانس 24، “غزة بعد 9 أشهر من الهدنة.. خطط إعادة الإعمار وإدارة القطاع تواجه تحديات أمنية وتمويلية كبيرة”، 11 تموز/يوليو 2026.
-شبكة فلسطين للحوار/ أخبار الأمم المتحدة، إحاطة نائب المنسق الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط أمام مجلس الأمن، 28 تموز/يوليو 2026.
-عمرو درّاج، “غزة بعد الحرب.. الصراع على إعادة الإعمار وإعادة تشكيل القطاع”، المعهد المصري للدراسات، 19 تموز/يوليو 2026.
-الجزيرة نت، “طوابير التكايا وغياب الإعمار.. ملامح الوضع الإنساني في غزة بعد 1000 يوم من الحرب”، 3 تموز/يوليو 2026.
-جريدة الأمة الإلكترونية، “تفاقم الأزمة الإنسانية في غزة وآفاق التعافي المبكر”، 29 أيار/مايو 2026.
-يورونيوز عربي، “نشر بنود خارطة طريق لاستكمال تنفيذ اتفاق وقف الحرب في غزة.. وبن غفير يدعو لاستمرار عمليات الاغتيال”، 31 تموز/يوليو 2026.
-تليجراف مصر، “اتفاق جديد يمهد الطريق لإعمار غزة”، 31 تموز/يوليو 2026.
