
سبق لستيفن سبيلبرغ أن أثار اهتماماً واسعاً في مقاربته للكائنات الفضائية من خلال ثلاثية دشّنها فيلمه الأول “لقاءات قريبة من النوع الثالث” (Close Encounters of the Third Kind) عام 1977 ثم فيلمه الثاني (E.T) في العام 1982 ورسالته الضمنية “أن هذه الكائنات لطيفة وفضولية وتريد فقط أن تدخل إلى كوكبنا”.. وأخيراً في فيلمه الجديد “يوم الكشف” (Disclosure Day).
يتقاطع سبيلبرغ في مقاربته الجديدة، مع الرئيس دونالد ترامب الذي أنشأ في العام 2019 “القوة الفضائية” (Space Force)، علماً أنه أول رئيس أميركي يُصرّح أن “هناك أشياء في الفضاء لا أحد يتحدث عنها”، ما اعتبر في واشنطن رسالة مفادها أن الكائنات الفضائية تمثل ملفاً للأمن القومي الأميركي.
أما نقطة الاختلاف الأساسية بين الرئيس الأميركي ومؤلف “يوم الكشف” (Disclosure Day)، أن سبيلبرغ يُنبّه الجمهور قائلاً “إذا جاؤوا.. علينا (نحنُ البشر) أن نُرحّب بهم”، في حين أن ترامب يقول للمسؤولين في وزارة الحرب (البنتاغون) بطريقته البراغماتية “إذا جاؤوا.. علينا أن نسأل أولاً إذا كانوا أصدقاء أم أعداء”، أي أن المخرج يُقدّم المعادلة الإنسانية (الكائنات) على ما عداها، فيما يذهب الرئيس إلى محاولة تصنيف أي آخر خارج الكرة الأرضية بأنه يحتمل أن يكون صديقاً وربما عدواً.
وكانت وزارة الحرب الأميركية قد نشرت في أيار/مايو وثائق سرية تتعلق بأكثر من 200 حالة رصد لأجسام طائرة مجهولة في الولايات المتحدة خلال العامين 1947 – 1948. وتظهر هذه الوثائق مشاهد لأجسام وصفت بأنها “صحون طائرة”. ومنذ صدور هذه الدفعة الأولى من الملفات (فيديوهات، وثائق، برقيات إلخ) حول “الظواهر الجوية غير المحددة”، في خطوة جاءت بعد أسابيع من تعهد ترامب بالكشف عن وثائق “مثيرة جدا” بشأن هذا الملف، يواجه الخبراء الأميركيون معضلة مفهومية تتطلب إظهار المعطيات على الملأ بعيداً عن الخوف أو الاندهاش.
والطريف في هذا الموضوع، أن الكائنات الفضائية التي يجري البحث في وجودها وطبيعتها، صارت اليوم تقيم جسراً موضوعياً بين ترامب وسبيلبرغ، ولم يبق سوى إيجاد الوسيلة التي يمكن أن تنقل الجمهور من قاعة السينما إلى البيت الأبيض في واشنطن!
على أن فكرة “يوم الكشف” (2026)، تدور في العمق حول كيفية تصرف 7 مليارات من البشر عندما يسقط فجأة الدليل القاطع على أن الكائنات القادمة من الفضاء مثل (E.T) موجودة أو تعيش بينهم.
ويعتقد سبيلبرغ أن الصناديق الخاصة أو “مقاولي الدولة العميقة” هم الذين يخفون الحقيقة في شأن العوالم المحيطة بسكان الأرض والتي تتألف من مليارات الكواكب. وهو استند في بناء قصة فيلمه الجديد إلى تقرير صادر في الـ”نيويورك تايمز” في العام 2017 حول الطيارين الأميركيين الذين كانوا يشاهدون مخلوقات فضائية أثناء تأدية مهماتهم، ليخلص إلى أن المسألة “أقرب إلى الحقيقة منها إلى الخيال”، بل يصر على أن “هذا الفيلم سوف يجيب عن الأسئلة”.
ردود الفعل الأولى، اعتبرت أنه فيلم سبيلبرغ الأفضل منذ “ميونيخ”، فيما أوصت صحيفة “لوموند” بضرورة مشاهدته.
ورأت “لوموند” أن سبيلبرغ لم يصنع طوال حياته أفلاماً عن الكائنات الفضائية، بل صنع أفلاماً عن الإنسان نفسه، مستخدماً الفضائيين مرآةً لقلقه ومخاوفه وآماله وأسئلته الوجودية، وبالتالي ليس اهتمام سبيلبرغ بالفضائيين تعبيراً عن هوس بالخيال العلمي، بل هو مشروع فكري وإنساني طويل يربط بين الطفولة، الإيمان، الوحدة، والتواصل مع “الآخر” بوصفه طريقاً لفهم الذات، وهي مسيرة اشتغل عليها هذا المؤلف طوال نصف قرن من الزمن.
وتتوقع “لوموند” أن يعود سبيلبرغ مجدداً إلى الأسئلة نفسها:
-هل نحن وحدنا في الكون؟
-ماذا يعني أن نلتقي حضارة أخرى؟
-هل سيكون هذا اللقاء تهديداً أم خلاصاً؟
ويذهب العديد من النقاد السينمائيين إلى أن الشيء الجميل عند سبيلبرغ أنه يتجنب التوجه إلى “الكبار” مفضلاً التحدث إلى الصغار الذين يفتحون عيونهم على الدنيا. ومن هؤلاء إليوت في فيلم (E.T). أما نموذج الكائنات الصغيرة في وجه البنيات الكبرى، فهو (Roy Neary) في “لقاءات من النمط الثالث” وكان هذا عامل كهرباء عادية، واليوم (Emily Blunt) في “يوم الكشف” وهي مذيعة أخبار الطقس في إحدى الولايات الأميركية.
وفي هذا السياق، ليس من المستغرب أن يتموضع ترامب في قلب الحدث مدعياً أنه هو الذي أمر برفع السرية عن الوثائق الاستخبارية لسلاح الطيران، وأنه تحدث شخصياً إلى الطيارين وشاهد الفيديوهات!
بعبارة أخرى، يضع ترامب نفسه في مواجهة “الدولة العميقة” (المجمع العسكري الصناعي) إعتقاداً منه أنها تمارس الكذب على المواطنين الأميركيين وتخفي معنى أن تكون “أميركا أولاً” حاضرة أيضاً في الفضاء.
والمعروف عن ترامب أنه يعشق المواضيع التي تُصوّره “الرجل الذي كان يعرف” وفي آنٍ معاً “البطل المنقذ”، ولذلك فإن قضية الكائنات الفضائية أو الـ”Ovni” التي تشغل الآن عقول العديد من الأميركيين، هي موضوع جامع للإعجاز وأسرار الدولة والجيش، ولا يهدد من يتعامل مع هذا الموضوع المثير بالوقوع في مجازفة سياسية.
ولا شيء يمنع ترامب من تشكيل لجنة خاصة في البيت الأبيض بقيادته أو بقيادة أحد المقربين منه، والدفع نحو جلسات استماع في الكونغرس تحت أضواء التلفزيون، فضلاً عن الدعوة إلى ضرورة “رفع السريّة” عن بقية الوثائق لإظهار الشفافية، واغتنام هذه الفرصة لمهاجمة منافسيه الديموقراطيين بذريعة أنهم حجبوا الحقيقة طويلاً وأنه قد يكون لديهم المزيد لإخفائه عن الرأي العام الأميركي.
ولم يكن أمام سبيلبرغ سوى انتظار فتح الملف رسمياً، لكشف هيكلية سفينته الفضائية وكيف تعمل بدفع الطاقة الأزلية، وتقديم الدليل الفلسفي على أننا لسنا وحدنا في هذا الكون العظيم.
ومثلما يُخبىء لنا “الذكاء الإصطناعي” مفاجآت، خصوصاً إذا تمكن من مغادرة الغرف الرقمية المظلمة إلى برامج وأنظمة أخرى مقفلة بوجهه، وصولاً إلى التحكم بالزر النووي، علينا أن نُتابع ملف الكائنات الغريبة بفصوله المقبلة التي يُمكن أن تميط اللثام عن أحداث مضت وتُسلّط الضوء على أحداث آتية. من وجهة نظر سبيلبرغ ليس الفضائيون شياطين أو غزاة أو أعداء أو “الشر المطلق” على الطريقة الترامبية. هم كائنات تدعو إلى التواصل والحوار والتفاهم، ولهذا يُمكن القول إن سينما سبيلبرغ هي سينما إنسانية أكثر منها علمية.
