الحكومة اللبنانية تذهب أبعد من التمديد: التدقيق بدفاتر “سوليدير”

أصدر مجلس الوزراء اللبناني قراراً ملتبساً بشأن مستقبل شركة "سوليدير". ليس هو قراراً بالموافقة على تمديد مدة عمل الشركة لمدة 25 عاماً (من 2026 حتى 2051)، وذلك استباقاً لتاريخ انتهاء ولايتها في العام 2029، ولا هو قرار برفض التمديد. إنّه قرار بإعادة فتح الملف برمّته قبل بلوغ الاستحقاق القانوني بعد ثلاث سنوات.

ينقل قرار الحكومة اللبنانية النقاش من طلب شركة تجارية تمديد حياتها القانونية إلى مراجعة علاقة نشأت في ظروف استثنائية، وأُنشئت في العام 1994 بموجب إطار تشريعي خاص لإعادة إعمار قلب بيروت، واستندت طوال أكثر من ثلاثة عقود إلى مجموعة واسعة من الحقوق والتسهيلات والمنافع التي منحتها الدولة. ولذلك، فإن السؤال الذي تطرحه الحكومة اليوم يتجاوز: “كم سنة إضافية لسوليدير؟” إلى سؤال أكثر عمقاً ومسؤولية: ما الذي تبقى من الالتزامات الأصلية، وما القيمة التي عادت إلى الدولة والمجتمع مقابل القيمة التي تراكمت للشركة؟

من هذه الزاوية، تبدو الإشارة الحكومية إلى القانون رقم 117 تاريخ 1991 والمراسيم التنظيمية ذات الصلة ذات دلالة خاصة. فالتمديد، وفق المنطق الذي يعتمده القرار، هو إجراء تحكمه أصول قانونية محددة، ويحتاج إلى طلب من الجمعية العمومية للشركة قبل أن يصبح موضوعاً لإجراءات الدولة. وهذا يعني أن الحكومة تضع منذ البداية حداً فاصلاً بين الرغبة التجارية في استمرار النشاط وبين المسار القانوني الذي يتيح للدولة الموافقة على هذا الاستمرار. ومن هنا أيضاً تأتي مطالبتها ببراءة ذمة ضريبية، وبمستندات الشركة، وبقرار جمعيتها العمومية، وبالتدقيق المستقل في حساباتها وأصولها ورصيدها العقاري.

والتدقيق المستقل هو، ربما، أكثر البنود حساسية في القرار، لأنه يلامس جوهر المعادلة الاقتصادية. فالدولة لا تطلب معرفة أرباح الشركة وخسائرها فقط، بل تريد، كما يُفهم من النص، صورة متكاملة عن أصولها ووضعها العقاري وقيمتها الاقتصادية. وهذا أمر بالغ الأهمية في شركة ارتبطت منذ نشأتها بمنطقة ذات قيمة عقارية استثنائية، واستفادت من عمليات نقل ملكية، وحقوق ردم، وتسهيلات، وإعفاءات. وفي أي تفاوض جدي على تمديد جديد، لا يمكن تحديد المقابل العادل للتمديد من دون معرفة حجم الأصول التي تديرها الشركة، وقيمتها، وطبيعة العقارات المطورة وغير المطورة، والعوائد التي يمكن أن تنتجها.

وهنا يبرز البعد المالي الأهم في القرار؛ فالحكومة تعيد طرح مبدأ المقابل الاقتصادي للمنافع العامة التي استفادت منها الشركة. وهي لا تقول إن المنافع التي حصلت عليها سوليدير كانت غير مشروعة، بل تطرح سؤالاً مختلفاً: هل أنتجت هذه المنافع قيمة عامة مماثلة أو كافية؟ والفارق بين السؤالين كبير. الأول سؤال قانوني عن مشروعية الامتيازات، أما الثاني فهو سؤال اقتصادي وسياسي عن جدوى النموذج بأكمله.

فالملكية العقارية، في الحالة اللبنانية، ليست أصولاً ثابتة فقط؛ إنها مصدر محتمل للدخل والضرائب والاستثمار والنشاط الاقتصادي. وإذا بقيت مساحات واسعة من نطاق الوسط غير مطورة، أو بقيت عقارات مطورة غير مستغلة، فإن الكلفة لا تقع على الشركة وحدها، بل على المدينة التي تفقد جزءاً من قدرتها على توليد النشاط. ولذلك، فإن مطالبة الحكومة بآلية تحد من الاحتفاظ بالعقارات الشاغرة يمكن قراءتها باعتبارها محاولة لتحويل العقار من أصل ساكن إلى أصل منتج، ومن قيمة دفترية إلى قيمة اقتصادية واجتماعية فعلية.

وفي المقابل، فإن إدخال ضريبة الدخل على الشركات، ورسوم التسجيل العقاري، وسائر القواعد المالية والضريبية المطبقة في البلاد على المشاريع المستقبلية، يفتح باباً بالغ الأهمية في أي تفاوض مقبل. فالسؤال لم يعد فقط ما إذا كانت سوليدير ستستمر، بل وفق أي نظام ضريبي ستعمل في المرحلة الجديدة. ومن المنطقي، من منظور المالية العامة، أن يكون أي امتداد طويل الأجل مصحوباً بإعادة تقييم الامتيازات المالية التي نشأت في مرحلة إعادة الإعمار، خصوصاً إذا كانت طبيعة المرحلة الاقتصادية قد تغيّرت جذرياً منذ التسعينيات حتى يومنا هذا.

لكن المفارقة أن الحكومة، في الوقت نفسه، لا تتعامل مع سوليدير باعتبارها فشلاً ينبغي إنهاؤه، بل تعترف صراحة بمساهمتها في إعادة إعمار وسط بيروت، وبجودة التصميم العمراني الذي تحقق في أجزاء منه. وهذا الاعتراف مهم سياسياً وقانونياً، لأنه يمنع تحويل القرار إلى خطاب تصادمي مع الشركة. فالحكومة تقول عملياً إن الماضي يُحتسب، لكن المستقبل لا يمكن أن يُبنى على الماضي وحده.

ومن هنا يأتي اقتراح التمديد المرحلي: ثماني سنوات أولى، ثم ست سنوات إضافية مشروطة بتقييم الأداء. وهذه الصيغة تحمل تحولاً جوهرياً في فلسفة التمديد، إذ بدلاً من منح الشركة مدة طويلة مقابل التزامات عامة يصعب التحقق منها لاحقاً، يصبح الزمن نفسه أداة رقابة. فإذا أنجزت الشركة ما تعهدت به، استحقت الانتقال إلى المرحلة التالية؛ وإذا أخفقت، تكون للدولة أدوات مالية وقانونية للحد من آثار الإخفاق. وإدخال الغرامات على التأخير أو الإخلال الجوهري يذهب أبعد من ذلك، لأنه يحاول تحويل الالتزامات العمرانية من تعهدات عامة إلى التزامات قابلة للقياس والمساءلة.

غير أن نجاح هذا النموذج يتوقف على كيفية صياغة مؤشرات الأداء نفسها. فالـ KPIs في مشروع عمراني بهذا الحجم لا ينبغي أن تكون عدد أبنية أو أمتار مربعة منفذة، بل يجب أن تقيس أيضاً نسبة إنجاز المشاريع العامة، وتفعيل الأصول غير المستغلة، وتوفير المساحات العامة، وتحقيق الترابط المروري والمشاة، واستعادة الوظيفة الثقافية للوسط، وحجم النشاط الاقتصادي والاجتماعي الذي يولده الاستثمار. وإلا تحولت مؤشرات الأداء إلى أرقام هندسية لا تقيس ما إذا كانت بيروت قد استعادت وسطها فعلاً.

إقرأ على موقع 180  ممدوح سلامة لـ180بوست: التسوية الأوكرانية خلال أشهر.. وبوتين جدي نووياً!

وهذا، تحديداً، ما يجعل قائمة المشاريع التي وضعتها الحكومة في صلب التفاوض ذات أهمية استثنائية. فالحديقة البحرية، وساحة الشهداء، والمتحف، والمواقع الأثرية، والمسرح الكبير، وحديقة الغفران، والحوض الشرقي، والمواقف العامة ليست كلها مشاريع تحقق بالضرورة أعلى عائد تجاري مباشر، لكنها تحقق عائداً عاماً. وهنا تعيد الحكومة تعريف وظيفة الشركة؛ أي إن المطلوب في المرحلة المقبلة ليس فقط تطوير العقار القابل للبيع أو التأجير، بل إنتاج المدينة نفسها.

والأكثر دلالة هو اقتراح نقل ملكية المواقع الثقافية والتراثية إلى القطاع العام بعد استكمال تطويرها. فهذا البند يؤسس عملياً للفصل بين “التطوير” و”الملكية النهائية”. أي إن الشركة يمكن أن تضطلع بدور استثماري أو تطويري ضمن إطار محدد، لكن الأصول التي تحمل وظيفة عامة دائمة ينبغي أن تستقر، في نهاية المطاف، في الملكية العامة، حيث تتولى الدولة أو البلدية تشغيلها وإدارتها وفق غاياتها الثقافية والتراثية.

غير أن القرار لا يكتفي بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة وسوليدير، بل يحاول إعادة تعريف علاقة وسط بيروت بالمدينة نفسها. فالمطالبة بربط الوسط بالجميزة ومار مخايل ومنطقة المرفأ، وتشجيع الطبقة الوسطى والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وإنشاء منطقة للفنون والحرف والتصميم والأزياء، تعكس إدراكاً لمشكلة عميقة رافقت نموذج وسط بيروت، وهي أن القيمة العقارية وحدها لا تصنع مدينة. فالمدينة تحتاج إلى سكان، وأعمال، وثقافة، ومشاة، ونقل عام، ومساحات عامة، وتنوع اجتماعي واقتصادي.

ولعل هذا هو الاختبار الأكبر لأي تمديد مقبل. فالمعادلة لا ينبغي أن تكون بين الدولة وسوليدير فقط، بل بين سوليدير وبيروت. فالشركة تحتاج إلى إطار قانوني واقتصادي مستقر يسمح لها بالاستثمار وتحقيق عائد مشروع، والدولة تحتاج إلى ضمان أن هذا الاستثمار لا يتم على حساب المصلحة العامة أو على حساب تعطيل أصول المدينة. وبين الطرفين تقع بيروت، التي لا يمكن اختزال وسطها في محفظة عقارية، كما لا يمكن تحميل شركة واحدة وحدها مسؤولية كل ما أصاب المدينة من أزمات.

لذلك، فإن القرار الحكومي، إذا جرى تنفيذه بالصرامة نفسها التي صيغ بها، يمكن أن يشكل نقطة تحول في ملف ظل طويلاً أسير الانقسام السياسي والانطباعات المتعارضة. فهو يفتح، للمرة الأولى، بصورة واضحة، دفتر الحساب القانوني والمالي والعمراني قبل فتح باب التمديد. لكن الخطر يكمن في أن يتحول هذا الدفتر إلى ورقة تفاوضية مؤقتة، ثم تعود الدولة إلى منطق التسويات غير المشروطة.

المطلوب، في المرحلة المقبلة، ليس معركة مع سوليدير، ولا تجديداً آلياً لولايتها، بل عقداً جديداً واضحاً بين الشركة والدولة والمدينة، يحدد ما للشركة وما عليها، ويقيّم ما تحقق وما لم يتحقق، ويضع قيمة اقتصادية واضحة للمنافع العامة، ويجعل أي تمديد مرتبطاً بإنجاز يمكن قياسه ومراجعته ومحاسبة المسؤول عنه. عندها فقط يصبح عام 2029 موعداً لإطلاق مرحلة جديدة، لا تاريخاً لتجديد مرحلة قديمة.

فالمسألة، في النهاية، ليست كم سنة إضافية تحتاجها سوليدير، بل كم سنة تحتاجها بيروت كي تستعيد وسطها. وإذا كان التمديد هو الأداة، فإن المعيار الحقيقي لنجاحه يجب أن يكون شيئاً آخر تماماً، وهو أن يتحول وسط المدينة من قيمة عقارية عالية إلى قيمة حضرية واقتصادية وثقافية عالية أيضاً، وأن تصبح المنافع التي منحتها الدولة في الماضي جزءاً من رصيد عام قابل للقياس، لا امتيازات تاريخية يصعب إغلاق حساباتها.

 

Print Friendly, PDF & Email
داود رمال

كاتب وباحث لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  "ثرثرة فوق النيل".. سمّارة على التيك توك وعزّوز وزيراً ونائباً في البرلمان