يتمثل التحول الأول في المعركة المفتوحة بين ما يسمى جناح المعتدلين والجناح التقدمي، علماً أن الحزب الديموقراطي يتمحور حول ثلاثة تيارات خصوصاً في السياسة الخارجية:
1- “الإستابلشمنت” المعتدل الموروث من مرحلة جو بايدن/ بيل كلينتون، والذي يلتصق بالنظام الدولي الليبرالي، والدفاع عن أوكرانيا وإسرائيل. ويبدو أن صوت هذا التيار لم يعد يُسمع بقوة اليوم.
2- اليسار التقدمي الذي يقوده السيناتور الديموقراطي بيرني ساندرز ويعطي الأولوية للقوة الشرائية للمواطنين الأميركيين، والصحة العامة، ويوجه في الوقت نفسه انتقادات شديدة إلى الحكومة الإسرائيلية الحالية بقيادة بنيامين نتنياهو. ولعل العلامة المُميّزة لهذا التيار هي معارضة أصحاب المليارات والاقتصاد الحرّ والدعوة إلى إعادة التصنيع في الولايات المتحدة.
3- البراغماتيون المحليون من نوع آبيغيل سبانبرغر وميكي شيريل وهما حاكمان منتخبان عن ولايتي فيرجينيا ونيوجرسي.
ومن الطبيعي أن يُنتج الصراع بين هذه التيارات توتراً ظهر بوضوح في الانتخابات التمهيدية في ولاية ميشيغان حيث تغلب التقدمي عبد الرحمن السيّد بفارق ضئيل على “المعتدلة” هايلي ستيفنس المدعومة من “الإستابلشمنت” و”الإيباك” (دعمها هذا اللوبي بنحو 30 مليون دولار). وفي ولايات كولورادو فازت ميلات كيروس المدعومة من بيرني ساندرز على منافسة منتخبة منذ العام 1997.
التحول الثاني يشار إليه بـ”اليسار الجديد” الراديكالي، بدفع من حملات المرشح بيرني ساندرز في انتخابات 2016 و2020، ثم حديثاً في حملة المناضل الاشتراكي زهران ممداني الذي فاز بمنصب رئيس بلدية نيويورك في 2025 على أساس برنامج يُطالب بتجميد الإيجارات وتعميم حضانات الأطفال.
مغادرة ساحة الوسطية
بعد انتخابات العام 2024 راح الحزب الديموقراطي يسعى إلى عقد اجتماعي جديد، مطلقاً زمن التحول الثالث المرتبط بتغيير البرنامج واللهجة السياسية. وهكذا ركز الفائزون الثلاثة (ممداني وآبيغيل سبانبرغر وميكي شيريل) على كلفة المعيشة فتراجع الاهتمام بمسائل الهوية لينصبّ أكثر على “الإفقار الاقتصادي”. وأصبحت إسرائيل في السياسة الخارجية هي “اختبار النقاوة” بالنسبة إلى اليسار، إضافة إلى رفض الانعزالية الجديدة والنزعة الحربجية للرئيس الجمهوري دونالد ترامب الذي سمح تراجع شعبيته في 2025 ثم في 2026 بتهدئة التوترات بين تيارات الحزب الديموقراطي.
وترتدي الانتخابات النصفية للكونغرس في الخريف المقبل أهمية لجهة مجلس النواب: الناخبون في كاليفورنيا سمحوا بإعادة ترسيم الدوائر الانتخابية وهو الأمر الذي قد يمنح الديموقراطيين خمسة مقاعد نيابية، في حين أن الديموقراطيين في فيرجينيا يريدون إنشاء أربعة مقاعد. أما الجمهوريون فإنهم يريدون جعل ممداني “صورة الديموقراطيين” المخيفة في الانتخابات النصفية وذلك لإبعاد الناخبين الوسطيين عن الحزب الديموقراطي.
وبات واضحاً أن الحزب الديموقراطي يغادر ساحة التسوية الوسطية التي اعتمدها خلال سنوات ولاية الرئيس جو بايدن (2021-2025)، مندفعاً نحو مطارحة رأسية من شأنها أن تفضي إلى مصالحة بين تيارات الحزب حول مشروع اقتصادي واضح، أو تساهم في تفاقم الانقسام قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في العام 2028.
التناقض بين الجناحين
لنحاول الآن الإحاطة أكثر بالتناقض حول رؤيتين للسياسة الخارجية الديموقراطية بين بيرني ساندرز والجناح اليساري من جهة، وحكيم جيفرس و”الإستابلشمنت” من جهة أخرى. الأول؛ يرى الأولوية في تلبية حاجات الأميركيين المعيشية في الداخل والتقليل من التدخلات الخارجية، ويبدي انتقاداً شديداً للحكومة الإسرائيلية، مطالباً بربط المساعدات العسكرية لها بوقف دائم لإطلاق النار في غزة ولبنان وتبني خيار حل الدولتين على أرض فلسطين. في المقابل، يركز الجناح الثاني في الحزب الديموقراطي على “النظام الدولي الليبرالي”، والدور الأخلاقي للولايات المتحدة في العالم، مشدداً على أهمية التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل وتوفير المساعدات لها من دون شروط أساسية. ويعوّل الجناح اليساري على تأييد الشباب والعرب الأميركيين والتقدميين والجامعيين، في حين يكتفي الجناح الآخر بدعم المشرّعين التاريخيين والمانحين والناخبين اليهود المعتدلين والضواحي.
ويذهب بيرني ساندرز إلى أن كل دولار يُمنح لإسرائيل هو دولار أقل في موازنة الصحة والمدارس. أما جيفرس فإنه يعتبر أن التخلي عن إسرائيل، يعني الابتعاد عن الدفاع عن الديموقراطية في العالم.
وتقدم ولاية ميشيغان حالة ملموسة للاشتباك بين الرؤيتين بعدما أصبحت المحور المركزي لهذه الحرب الداخلية في الحزب الديموقراطي. ذلك أن ديربورن تضم التجمع الأكبر للعرب الأميركيين والمسلمين في الولايات المتحدة. وتتميز هذه الكتلة الناخبة بأنها في حالة تعبئة تأييداً لغزة منذ خريف العام 2023، وكثيرون منهم لم يعطوا أصواتهم لبايدن والديموقراطيين في انتخابات 2024 احتجاجاً على تأييد الحزب للسياسة الإسرائيلية في قطاع غزة، ما جعل دونالد ترامب يستفيد من هذه المفارقة.
ويلاحظ أن نتائج الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ جاءت أخيراً لمصلحة التقدمي عبد الرحمن السيد المدعوم من ساندرز والجناح اليساري، والذي فاز بفارق قليل على هايلي ستيفنس التي كانت تحظى بدعم نانسي بيلوسي وتشاك شومر من “الإستابلشمنت” الديموقراطي. وهذا يعني أن خط انتقاد إسرائيل والتركيز على الاقتصاد يتغلب في ولاية ميشيغان المحورية على خط التأييد غير المشروط لدولة إسرائيل، ما يدفع الاستراتيجيين في الحزب الديموقراطي إلى التنبيه من مغبة خسارة الناخبين بسبب إسرائيل.
إسرائيل في قلب المناظرة
ويبقى السؤال لماذا تنفجر مسألة إسرائيل الآن؟
الإجابة عن هذا السؤال تعيدنا إلى عهد جو بايدن حيث تسببت مساندة إسرائيل خلال حرب الإبادة على غزة بقطيعة مع القاعدة الشابة للحزب الديموقراطي والقاعدة العربية الأميركية. ويبدو أن العديد من هؤلاء لم يعودوا للتصويت في العام 2024. ومنذ كانون الثاني/يناير 2025، فقد الديموقراطيون المبادرة إزاء توجه ترامب “الإمبريالي” النازع نحو النهب والحروب، وصار مشروعهم المضاد يقوم على الاعتراض، فضلاً عن أن قادة الجيل الجديد عاصروا انتفاضتين في فلسطين وحرب الإبادة في قطاع غزة، وما عادوا ينظرون إلى إسرائيل باعتبارها “الحليف الثابت”.
ويُظهر استطلاع للرأي أجرته صحيفة “واشنطن بوست” بالتعاون مع مؤسسة ‘إبسوس’ لاستطلاعات الرأي أن غالبية الأميركيين يريدون تقليص أو إنهاء الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل، وبينهم نحو ثلاثة أرباع الناخبين الديموقراطيين.
والحصيلة الآن أن مسألة مساندة أو معارضة إسرائيل، صارت مطروحة في كل جولة من الانتخابات التمهيدية، وأن تيار اليسار يضع هذه المسألة في المقدمة، الأمر الذي يُنتج حزباً يُسمِع ثلاثة خطابات مختلفة. وإذ يعمل الديموقراطيون على إعداد مشروعهم للسياسة الخارجية للعام 2028، فإن إسرائيل ستكون في قلب المناظرة: الاستمرار في الانحياز لها كما فعل جو بايدن أو قطيعة يسارية؟
في أي حال، مات الإجماع الحزبي المؤيد لإسرائيل عند الديموقراطيين بعدما عاش 50 عاماً.. والسؤال لم يعد “تأييد” أو “امتناع” بل “كيف نُؤيد وبأية شروط”، وينعكس هذا الأمر قلقاً إسرائيلياً من أن يكون هذا التحول غير قابل للرجوع عنه؛ وعليه، فإن المعركة الدائرة داخل الحزب الديموقراطي تتجاوز الخلاف التقليدي بين يسار ووسط، لتلامس إعادة تعريف الحزب نفسه بعد مرحلة بايدن. فصعود خطاب كلفة المعيشة، والتمرد على نفوذ كبار المانحين، واتساع المسافة مع إسرائيل، ليست ظواهر منفصلة، بل ملامح لتحول اجتماعي وسياسي وجيلي يجري تحت ضغط هزيمة 2024 والاستعداد لمعركتي 2026 و2028.
وقد تكون ميشيغان المختبر الأكثر وضوحاً لهذا التحول، لكنها لن تكون بالضرورة الاستثناء. فإذا استطاع التقدميون تحويل انتصاراتهم في الانتخابات التمهيدية إلى قدرة على الفوز في الولايات المتأرجحة، سيكون بمقدورهم الانتقال من موقع الاعتراض داخل الحزب إلى المنافسة على قيادته. أما إذا أخفقوا، فسوف يجد «الإستابلشمنت» في ذلك حجته لاستعادة زمام المبادرة.
لكن أمراً واحداً يبدو أصعب على التراجع: الإجماع الديموقراطي القديم حول إسرائيل تصدّع. ولذلك قد لا يكون السؤال الذي سيواجه الحزب في 2028 مَن هو مرشحه للرئاسة فحسب، بل أي حزب ديموقراطي سيخوض تلك الانتخابات، وبأي عقد اجتماعي، وبأية رؤية لموقع أميركا في العالم وإسرائيل في سياستها الخارجية؟
