في سوريا.. «مَن يُحرّر يُقرّر» أم مَن يَتحرر يُقرّر؟

يظهر المشهد السياسي السوري، منذ سقوط النظام في كانون الأول/ديسمبر 2024، توتراً واضحاً بين الخطاب الرسمي الداعي إلى الوحدة الوطنية ومبدأ «مَن يحرر يقرر» الذي تتمسك به بعض قيادات السلطة.

في 29 كانون الثاني/يناير 2025، ألقى الرئيس السوري أحمد الشرع “خطاب النصر” خلال «مؤتمر إعلان انتصار الثورة السورية» في قصر الشعب بدمشق، وأكد أن ما تحتاجه سوريا اليوم هو العزم على بنائها وتطويرها، مشيراً إلى أن مهمة المنتصرين صعبة ومسؤوليتهم عظيمة. وشدد على أن أولويات المرحلة الانتقالية تتمثل في ملء فراغ السلطة بطريقة شرعية وقانونية، والحفاظ على السلم الأهلي عبر العدالة الانتقالية ومنع مظاهر الانتقام، وبناء مؤسسات الدولة على أسس الكفاءة، باعتبار أن حفظ أمن السوريين أولوية قصوى، والعمل على إعادة الإعمار وتنشيط الاقتصاد. ودعا إلى بناء دولة لكل السوريين قائمة على المواطنة والمشاركة الشعبية، واعتبر أن نصر سوريا تحقق مكللاً بالرحمة والعدل والإحسان، داعياً إلى توحيد الطاقات للانطلاق نحو مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية.

لم تكن الثورة السورية صراعاً من أجل استبدال سلطة بسلطة، ولا من أجل أن ينتقل حق الأمر والنهي من يد إلى أخرى. كان جوهرها استعادة السوري حقه في أن يكون مواطناً حراً في وطنه، لا يخاف من رأي يقوله، ولا من سؤال يطرحه، ولا يحتاج إلى إذن كي يعترض على من يحكمه.

ولهذا، فإن السؤال الأهم في سوريا الحرة هو: هل انتصرت الحرية التي خرج السوريون من أجلها، أم انتصر فريق سياسي أو عسكري ليصبح هو صاحب الحق في تحديد حدود الحرية للآخرين؟

إحدى أهم الرسائل التي حملها “خطاب النصر” هي أن ما تحقق ليس ملكاً لفئة أو جماعة، بل بداية مرحلة تعيد الدولة إلى السوريين والسوريين إلى دولتهم. وجاء الإعلان الدستوري ليضع إطاراً يحكم المرحلة الانتقالية بمنطق المؤسسات والقانون والحقوق، وهذا هو الفارق بين منطق الثورة ومنطق الدولة.

في زمن الثورة، تفرض الضرورة قيادةً وميداناً وأولوياتٍ استثنائية. أما عندما تبدأ الدولة، فإن الشرعية لا يمكن أن تبقى شرعية المنتصر وحده، بل يجب أن تتحول إلى شرعية القانون والمؤسسات والمواطنة.

فالمنتصر الحقيقي ليس من يحتفظ بالسلطة التي منحته إياها لحظة الانتصار، بل من يستطيع تحويل انتصاره إلى دولة لا يحتاج السوريون فيها إلى معرفة اسم المنتصر كي يعرفوا حقوقهم.

الحرية ليست حقاً حصرياً

«متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟» عبارة تُنسب إلى الخليفة عمر بن الخطاب، تختصر فلسفة الحكم التي تحتاجها سوريا اليوم. الحرية ليست هبة ولا مكافأة ولا امتيازاً، بل حق للسوريين. من هنا تصبح عبارة «العدل أساس المُلك» برنامجاً لبناء سوريا؛ فالعدل لا يعني أن يكون الحاكم عادلاً حين يشاء، بل أن توجد مؤسسات تمنع الظلم.

السوري حر، ووظيفة الدولة أن تحمي حريته. وهذا المبدأ يجب أن يكون أساس العلاقة الجديدة بين المواطن السوري والدولة، بعد عقود طويلة اختلطت فيها الدولة بالسلطة، والسلطة بالحزب، والحزب بالأجهزة الأمنية، وأصبح الاعتراض على مسؤول يُعامل وكأنه اعتراض على الوطن نفسه.

في هذا السياق، يُردّد بعض مؤيدي السلطة مقولة «مَن يُحرّر يُقرّر»، بمعنى أن من دفع الثمن وانتصر يملك الحق في تحديد شكل الدولة، وعلى الآخرين القبول بما يقرره. لكن في هذه العبارة تناقضاً عميقاً: فإذا كان السوريون قد تحرروا فعلاً، فإن أول نتيجة للتحرير هي أنهم أصبحوا أحراراً في أن يوافقوا وأن يعترضوا، وأن ينتخبوا وأن يحاسبوا، وأن يقولوا للسلطة «نعم» حين تصيب و«لا» حين تخطئ.

أما إذا كان عليهم أن يطيعوا المنتصر لأنه حررهم، فنكون قد غيّرنا صاحب القرار، لكننا لم نغيّر فلسفة الحكم. لا يمكن أن نقول للسوري: «لقد حررتك، ولذلك عليك أن تطيعني»، لأن معنى تحريره، تحديداً، أنه لم يعد ملكاً لأحد.

من قدّم التضحيات من أجل تحرير سوريا يستحق احترام السوريين وامتنانهم؛ فالتضحية تمنح صاحبها مكانة أخلاقية وتاريخية عظيمة، لكنها لا تمنحه الحق في الوصاية عليهم. من حرّر السوريين لم يحررهم كي يستعبدهم؛ بل حرّرهم كي يصبحوا أحراراً.

لقد عاش السوريون طويلاً تحت معادلة قاسية: من يعارض السلطة يعارض الدولة، ومن يعارض الدولة يعارض الوطن. ولا ينبغي لسوريا الحرة أن تعيد إنتاج المعادلة نفسها بأسماء وشعارات جديدة. من ينتقد وزيراً ليس عدواً للدولة، ومن يعترض على قانون ليس متآمراً على الوطن، ومن يطالب بالتحقيق في تجاوز أمني لا يسيء إلى الحكومة، ومن يدافع عن حقوق متهم لا يدافع، بالضرورة، عن جريمته.

سوريا الحرة تحمي حق معارضيها قبل حق مؤيديها. لهذا، فإن المقياس الحقيقي لحرية سوريا لن يكون مقدار الحرية التي يتمتع بها أنصار السلطة، بل مقدار الحرية التي يتمتع بها من يخالفونها في الرأي، وهم مطمئنون إلى أن القانون يحميهم.

المصالحة بين النسيان والعدالة

إقرأ على موقع 180  لماذا تراجع الدور العربي في السياسات الإقليمية والدولية؟

إن تكرار حالات الاعتقال التعسفي، وضيق مساحة النقد السياسي وحرية الإعلام، والقلق بشأن حقوق المكونات الدينية والإثنية المختلفة، والمخاطر التي يواجهها المعارضون السابقون والمنتقدون السياسيون، كلها أمور تشير إلى أن هامش التعبير الحر لم يتسع بالقدر الذي وعد به التغيير، بل ظل مشروطاً بحدود غير معلنة يقررها الجهاز الأمني نفسه، لا القانون. وحين تُبنى الشرعية على مقولة «مَن يحرر يقرر»، فإن الخطر الكامن في هذا الشعار هو أنه يمنح من يقرر موقعاً فوق المساءلة، بدلاً من أن يُخضعه لعقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية.

لكن الدفاع عن الحرية يجب ألا يتحول إلى ذريعة لنسيان الجرائم أو إنكار حقوق الضحايا. هناك آلاف العائلات السورية التي تنتظر معرفة مصير أبنائها، وآلاف المعتقلين والمفقودين، وجرائم قتل وتعذيب وتهجير ونهب لا يجوز أن تُدفن تحت شعار «فتح صفحة جديدة». المصالحة التي تقوم على النسيان ليست مصالحة، بل تأجيل لانفجار جديد. وهنا يأتي دور العدالة الانتقالية.

لا يجوز أن يُعاقب السوري لأنه ينتمي إلى طائفة أو منطقة أو عائلة، أو لأنه كان موظفاً في مؤسسة من مؤسسات الدولة. وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن يحتمي مرتكب جريمة خلف جماعته أو تحت شعار السلم الأهلي. المسؤولية يجب أن تكون فردية، والقضاء مستقلاً، والأدلة هي الفيصل. وبهذا وحده تتحول العدالة من وسيلة للثأر إلى وسيلة للمصالحة.

تستطيع الحكومة أن تفرض الهدوء بالقوة، لكنها لا تستطيع أن تصنع السلم الأهلي بالخوف. وحين يشعر السوريون أن كرامتهم مصونة، وأن منازلهم لا تُقتحم من دون سند قانوني، وأن حريتهم لا تُسلب من دون قضاء، وأن صوتهم لا يجعلهم موضع اشتباه، يشعرون بأن الدولة دولتهم. الحكومة التي تخاف من مقالة أو مظاهرة سلمية أو رأي مخالف ليست قوية، مهما امتلكت من أجهزة، ولو كانت قد انتصرت في معركة إسقاط نظام الاستبداد. وعليها أن تعرف أن السوريين دفعوا كل هذه الدماء لكي تنتهي ثقافة الخوف ذاتها.

هذه أهم معركة تواجه سوريا الحرة؛ لأن إعادة بناء الطرق والمطارات والمصانع يمكن تمويلها بالمليارات، لكن إعادة بناء الثقة بين السوريين والدولة لا يمكن شراؤها بالمال، لأنها تُبنى بالعدل.

السوريون يريدون دولة يستطيع فيها أبناء دمشق وحلب وحمص وحماة واللاذقية وطرطوس وإدلب ودير الزور والرقة والحسكة والقنيطرة ودرعا والسويداء أن يختلفوا في السياسة، وأن يتنافسوا في الانتخابات، وأن ينتقدوا الحكومة، ثم يعودوا جميعاً إلى بيوتهم مواطنين متساوين يحميهم القانون نفسه.

لقد دفع السوريون ثمناً يفوق قدرة الكلمات على وصفه كي يصلوا إلى هذه اللحظة. وليس من الوفاء لتلك التضحيات أن نبني دولة يُطلب فيها من السوري أن يصمت. فالانتصار الأكبر ليس أن يسقط المستبد، بل أن تسقط فكرة الاستبداد.

حين يصبح القانون أقوى من الحاكم، والعدالة أقوى من الانتقام، والمواطنة أقوى من الطائفة، وحرية الإنسان أقوى من خوفه، يمكننا أن نقول إن الثورة أكملت رسالتها.

فسوريا لم تتحرر لكي يقرر بعض السوريين نيابةً عن بعض، بل لكي يصبح السوريون جميعاً أحراراً. وهذه ليست منّةً من سلطة، ولا مكافأة من منتصر. إنها حقهم لأنهم وُلدوا أحراراً.

Print Friendly, PDF & Email
ياسر علي أسعد

مهندس، ناشط سياسي، سوريا

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  درعا... من ينفخ في رماد الحرب؟