الخطوط الحمر تتهاوى.. وهرمز يتقدم في استراتيجية إيران

قبل ثلاث سنوات فقط، كان ممكنًا للمرء الوقوف عند الجهة اللبنانية من الحدود مع إسرائيل، في قرية مروحين، وإذا كان الطقس صافيًا، فإنّه يرى حديقة البهائيين في جبل الكرمل المطل على مدينة حيفا. حينذاك، كانت الجغرافيا تتخادم وتقدّم جرعة قوةٍ لخطاب الدخول إلى الجليل، وتحرير فلسطين، والتفوق الاستراتيجي لإيران ومحورها في الإقليم. كان لبنان، بسبب الجغرافيا، رأس الحربة المنتظر على باب المرمى. لكن، فجأة، وقع السابع من أكتوبر.

لعلّه من غير المنصف تاريخيًا القول إن السابع من أكتوبر وقع فجأة. فهو نتيجة طبيعية لمسارين: الأول إسرائيليّ توسعيّ، واستيطاني، وهجومي، وعدوانيّ. أما المسار الثاني، فمصدره المحور الذي تقوده إيران، «محور المقاومة»، الذي رسمت خطابات قادته مسارًا واضحًا خلال السنوات الماضية، يوصل إلى عمل عسكري يقلب الميمنة على الميسرة، ويخوض حربًا إقليمية لا تبقي ولا تذر.

بالنسبة إلى إيران، كان هذا خط الدفاع الأول في استراتيجيتها الكبرى بمواجهة إسرائيل وأميركا، بينما تمثّل الخط الثاني بالترسانة الصاروخية البالستيّة والمسيّرات، فيما يقوم الثالث على ضخامة الجغرافيا كنقطة تفوق عبر المساحات الشاسعة والتضاريس الجبلية، والأهم: مضيق هرمز بما يعنيه للتجارة العالمية. لكن الأخير لم يكن قد جُرّب في مثل هذه الظروف. لذا، بقيت إيران متحسّبة لإمكانية عدم نجاح استخدامه، حتى باتت أمام لحظة الحقيقة التي كانت تسعى جاهدة لإبعادها منذ السابع من أكتوبر.

استخدام ورقة مضيق هرمز حصل بعد أربع حروب متتالية: حرب غزة التي أراقت دماء ما يزيد على السبعين ألفًا من الفلسطينيين، وحرب لبنان التي أوقعت آلاف الشهداء اللبنانيين، وخسائر جسيمة بقدرات حزب الله وهيكله وقياداته، وحربا إيران في ٢٠٢٥ و٢٠٢٦، وما تخللهما من اغتيال الصف الأول السياسي، والعسكري، والأمني في الجمهورية الإسلامية. تزامن ذلك مع سيطرة إسرائيل على أكثر من 70% من قطاع غزة وأكثر من ستمئة كيلومتر مربّع من أراضي جنوب لبنان. ما حصل على امتداد ثلاث سنوات مكثفة هو أن توازن الردع الذي كان قائمًا لسنوات سقط. لم تعد قلاع المحور الأمامية حامية لقلبه، ولم يعد ممكنًا إبعاد الحرب عن حدود إيران وقلبها. ولذلك، فإن هذا التحول، بالتوازي مع صعود سلاح إيراني غير مستخدم من قبل، هو مضيق هرمز، أعاد ترتيب الأولويات.

الحرب الحاسمة

ما كشفته حرب هرمز هو أنها دخلت زمنًا آخر يستوجب إعادة إيران التفكير في استراتيجيتها الكبرى للمواجهة والبقاء. ليس لأنها تتطور، بل لأن خصومها غيّروا استراتيجياتهم، وباتوا أكثر فتكًا بلا خطوط حمراء. قبل الحرب في العام ٢٠٢٣، كانت المساحات الرمادية لا تزال تغطي الصراع بما لا يدع مكانًا للمواجهة المباشرة. وكانت إيران بدورها حريصة على إبقاء الظروف المحيطة مستقرة إلى حد ما، بما يحافظ على استمرارية نظامها. لكن، وفي غمرة الدماء، ذاب الرمادي، وكُسرت المحرمات التي كانت تحكم علاقات إيران وأميركا وإسرائيل. لقد وقعت الحرب الحاسمة.

في هذه الحرب سقطت الخطوط الحمراء، وتغيرت الوظائف. كان الخط الأحمر المحرم لدى طهران هو أن تصل الحرب إلى حدودها، وقد جرى تخطيه. ثم أن تقصف العاصفة طهران، وقد حصل، وأن تستهدف المفاعلات النووية، وقد فعلتها أميركا وإسرائيل معًا. وأن يُقتل القائد الأعلى ومسؤولو الصف الأول. كان اغتيال علي خامنئي آخر المحرمات الكبرى التي سقطت. كان بمثابة هجوم نووي على هيكل النظام. لكنّ النظام أفلح في النجاة. غير أنّ ما لم ينجُ كان استراتيجية إيران السابقة، القائمة على الاحتواء والصبر الاستراتيجي. منذ 28 شباط/فبراير 2026 صارت هذه الاستراتيجية من الماضي.

ولذلك، ومع تغيّر الاستراتيجيّات تحت وقع الضربات الضخمة، كان المؤلم بالنسبة إلى إيران هو اضطرارها إلى تبديل الأدوار بينها وبين حلفائها. نضع جانبًا الأهداف الكبرى الأيديولوجية، ونتعامل مع الأهداف الآنية التكتيكية. بدل أن تمنع هذه الفصائل الحرب من الوصول إلى إيران، كما هي الخطة، هرعت إيران للدفاع عن الفصائل كلما لزم الأمر.

هكذا تحول حزب الله في لحظة، من رأس حربة في الصراع، إلى تنظيم تحت الضغط، مقطوع الإمداد بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، ومحاصر من قبل الدولة اللبنانية التي تتفاوض مع إسرائيل. وبينما يسعى الحزب للحفاظ على وجوده، تقوم إيران بما يلزم لحمايته عسكريًّا ودبلوماسيًّا، بأكلافٍ عاليةٍ عليهما. هذا التحول العميق في قراءة الوظيفة انعكس بدوره على ترتيب أدوات القوة في الاستراتيجية الإيرانية. حزب الله الذي كان عشية “طوفان الأقصى” لم يعد هو الذي كان. أهدافه السابقة المعلنة لم تعد قائمة. بل إن الدور الذي لعبه على مستوى المنطقة، من العراق إلى سوريا واليمن، وقبل ذلك بعقود في البوسنة والهرسك، لم يعد ممكنًا. أعادت الحرب وسقوط بشار الأسد في سوريا حزب الله إلى مساحته اللبنانية، وهذا ما غيّر من وظيفته بالنسبة إلى المحور بشكل كامل، ولطهران بشكل خاص. بات الحزب مدافعًا دائمًا.

سلاح المضيق

وبرغم ذلك، دفع هذا التحوّل إيران إلى تلمّس قوتها الكامنة، في المواجهة التي بقيت لسنوات تتحدث عنها. بدت الحرب تحديًّا وفرصة في آن، لدولة لم توفر منذ نحو نصف قرن فرصة للإعلان عن عدائها لأميركا وإسرائيل. الدولة الوحيدة في العالم التي ترفع شعار “الموت لأميركا” و”الموت لإسرائيل”. وقد جاءت، لكنها وجدت نفسها في لحظة الحقيقة شبه وحيدة. صحيح أن حزب الله تدخل من لبنان بعد يومين من اغتيال القائد الأعلى خامنئي، وبدأ بإطلاق الصواريخ على إسرائيل، وصحيح أن الفصائل العراقية دخلت الحرب في مساحة استهداف الجماعات الكرديّة الإيرانية في إقليم كردستان العراق، وبعض الأهداف في دول الخليج العربية، بينما بقيت حركة أنصار الله اليمنية خارج المعادلة بشكل عملي. صحيح أن كل هذا قد حدث، لكن إيران كانت تختبر قتالها وحيدة في الساحة، في مواجهة دولتين نوويتين، ولديهما سلاحُ جو يُعد الأكثر تقدمًا في العالم، ونظام إنذار متقدم، ومنظومة دفاعات جوية متعددة الطبقات.

ما قالته هذه التجربة لإيران هو أنها تستطيع تقديم هذه الطبقة إلى الأمام في طبقات الدفاع. أما تفعيل مضيق هرمز، فقد أعطى الإيرانيين ورقة غير مسبوقة في الصراع، توازي في حجم تأثيرها العملياتي وجود ردع نووي. لقد حمل هرمز على ظهره نصف الحرب، بما لديه من ثقل في مساحة الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة. يكفي أن التفاوض المتوقف حاليًا هو تفاوض، بالدرجة الأولى، يتمحور حول فتح المضيق، بينما الأهداف الأخرى للحرب، التي كان يجب أن تناقش على طاولة التفاوض، بما في ذلك الملفان الصاروخي والنووي، ليسا أولوية الآن.

لماذا؟ لأن أحدًا لم يستطع تخطي المضيق. ولأن إغلاقه أثبت نجاعته على نطاق واسع، بدأت إيران ضمنًا بالتلويح بمضيق باب المندب، وهنا رأينا كيف دخل الحوثيون (حركة أنصار الله) في المعادلة في توقيت ما بعد الحرب، وإن بالتدرج البطيء.

هكذا، وبين ما تقوم به طهران في المضيق، وجولات القصف بالطائرات المسيّرة والصواريخ لدول الخليج والأردن، وحركة الحوثيين، وإطلاق فصائل عراقية المسيّرات على الجماعات الكردية، وصمت حزب الله وتجهيزه للحرب المقبلة، تبدو إيران كمن أعاد ترتيب أولوياته دون التضحية بأي طبقة من طبقات دفاعها. لكنها، مع ذلك، تخاطر بكثرة الاعتماد على المضيق، لأن ذلك قد يؤدي بالآخرين، وقد أدى حكمًا، إلى البحث عن البدائل الجغرافية التي ينقلون مواردهم عبرها من دون الاستماع إلى رسائل بحرية الحرس الثوري أو الاحتكاك بألغامها وصواريخها.

القيادة الإيرانية الجديدة

ما يبدو جليًّا خلال هذه الفترة هو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يرغب في تطبيع الوضع أكثر من رغبته في خوض حرب طويلة مع إيران. وهذا ما تشي به جولات القصف المتبادلة على مدى الأسابيع الماضية. فما يريده ترامب هو حصار تحت السيطرة، وضغط كافٍ لتقويض ورقة إيران في المضيق، من دون الذهاب إلى الحرب الشاملة من جديد. لذا، كلما بقيت إيران حبيسة موقع رد الفعل، ضعفت أوراق تفاوضها أكثر، ويمكن توقع المزيد من الجولات العسكرية كهذه. هدف واشنطن ليس فقط تأمين الملاحة في مضيق هرمز، بل تطبيع النظام الإقليمي الأوسع، بالنسبة إلى دول الخليج وما وراءها. وما دامت إيران تلتزم بقواعد الاشتباك التي تضعها واشنطن، فإنّ خياراتها ستبقى ضيقة. هذا ما يشبه معادلة «لا حرب – لا سلم»، وقد تستمر إلى ما بعد الانتخابات النصفية الأميركية المقررة في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وتمتد إلى العام المقبل. عمومًا، لا يجدر البناء كثيرًا على مسألة الانتخابات النصفيّة كمؤشر أوحد على مسار الحرب ومصيرها.

إقرأ على موقع 180  "هآرتس": أيام أخيرة لحرب غزة.. ونتنياهو يزيد تمارين التضليل!

فما يجعل من هذا الأمر معقدًّا، وربما غير متوقع المآلات، هو الفريق الذي يتولى القيادة في إيران.

هذا الفريق الذي كان نتاج الهدف الرابع غير الصريح للحرب. ففي الأيام الأولى وحتى اليوم، ظل الكلام عن إزالة التهديد النووي الإيراني، وتدمير البنية الصاروخية، وتفكيك شبكة إيران الإقليمية. وعلى الهامش، ذكر ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أنهما يرغبان في إسقاط النظام. ثم، بعد اغتيال خامنئي الأب، ردّد ترامب في أكثر من مناسبة أن النظام قد سقط. ثم، في آخر مناسبة له، جدّد نتنياهو ثقته في القدرة على إسقاط النظام الإيرانيّ لمرّة واحدة وإلى الأبد، وفق قوله.

الحقيقة أن هذه القيادة الجديدة في طهران هي نتاج الهدف الرابع للحرب: تغيير النظام. عمليًّا، نعم، جرى تغيير النظام، لكن في اتجاه مغاير لما أرادته الولايات المتحدة وإسرائيل. التغيير الذي جرى قدّم نظامًا أكثر تصلّبًا وانسجامًا من الذي سبقه، حتى وإن ظهرت تباينات لا تبدو، حتى الآن، أنها ترقى إلى مستوى يمكن له أن يقسم البلاد بين اتجاهين. وإذا اقتربت بأي شكل من التحوّل إلى تهديد، فإن التغيير يسبق تطور التهديد بالانقسام على الأرجح.

“المقاتل” محسن رضائي

هذا ما بدا واضحًا في التغيير الأخير الذي طاول منصب أمين مجلس الأمن القومي أوائل شهر آب/أغسطس الماضي. فمحمد باقر ذو القدر، الذي تولى الموقع خلفًا لعلي لاريجاني الذي قُتل خلال الحرب، تباين في المواقف مع القيادة حول كيفية التعامل مع السفن التي تمر في المضيق من خارج الترتيبات المتفق عليها مع إيران بموجب وثيقة التفاهم مع واشنطن. ثم هدد بالاستقالة بعدما استهدف الحرس الثوري هذه السفن. كان ذلك كافيًا لتحوله إلى مستشار للقائد الأعلى مجتبى خامنئي، الذي لا يزال يحكم من خلف الستار. وفي مكان ذي القدر، حلَّ قائد الحرس الثوري الأسبق محسن رضائي، وتزامن تعيينه مع تعيينات لاحقة شملت معظم القيادات العسكرية الشاغرة في البلاد.

ما حمله تعيين رضائي كان رسالة في أكثر من اتجاه. واحدة ترتبط بالشخص ومواقفه، وثانية ترتبط بما سيقوله لاحقًا، وهو الذي كان قد أمضى الربيع والصيف يجادل بأنّه لا يمكن التفاوض والقتال في آن، وهذا موقف كان خامنئي الابن قد أبلغه إلى المسؤولين في حزيران/يونيو، كما روى لي مصدر إيراني مسؤول رفض الكشف عن اسمه.

لكن رضائي قد يكون أيضًا قد أحكم إغلاق الدائرة على الاستراتيجية الإيرانية المطوّرة التي شهدت تبدلات في طبقات الأولوية الدفاعية. أواخر آب/أغسطس، ذهب رضائي إلى ما هو أبعد مما ذهب إليه أي مسؤول إيراني رفيع منذ سنوات. شكّك في المنطق الكامل الذي تقوم عليه معاهدة حظر الانتشار النووي، مجادلًا بأن العضوية فيها لم تمنع الولايات المتحدة وإسرائيل من قصف المواقع النووية الإيرانية على أي حال، وسأل على الهواء في مقابلة تلفزيونية: «لماذا لا نسعى نحن أيضًا إلى امتلاك أسلحة نووية؟». فصّل رضائي كثيرًا في القضية النووية، كما لم يفعل أمين مجلس أمن قومي من قبل. كان هذا بينما كان البرلمان الإيراني يناقش الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار، وبينما القائد الجديد لم يؤكد بعد التزامه بفتوى والده التي تحرّم السلاح النووي، استخدامًا، وتصنيعًا، وتخزينًا، وشراءً، لكنه أيضًا لم يعلن ما هو مخالف لذلك حتى الآن. هذا المشهد يترك هذه القضية مفتوحة أمام كل الخيارات، ولا سيما أنّ إيران، في مناسبات عديدة قبل الحربين الأولى والثانية، كانت قد لوّحت على لسان عدة مسؤولين بأنها ستراجع عقيدتها النووية في حال استهدافها.

الطبقات الدفاعية

يعيدنا النووي مجددًا إلى الاستراتيجية الدفاعية الإيرانية. إن جمعنا كل العناصر التي ذكرناها سابقًا، وترتيب أولوياتها، سنجد أن إيران لم تعمد إلى تغييرها بل إلى إعادة تشكيلها. شبكة الحلفاء لا تزال موجودة برغم إصاباتها البليغة، ولا تزال طهران تستفيد من وجودها بأشكال مختلفة. حزب الله منهك بعد حربين صعبتين مع إسرائيل، لكنه يتجهّز. الفصائل العراقية الحليفة تواجه الضغط في وقت يتنامى فيه النفوذ الأميركي مجددًا على السياسة العراقية، فيما اختفى الممر السوري بسقوط نظام الأسد. لكنّ الحوثيين، مثلًا، لا يزالون قادرين على الضغط على السعودية التي أمضت عامين وهي تحاول تجنّب هذا النوع بالذات من الحروب، عبر باب المندب، من دون تفعيل تلك الجبهة بشكل كامل. وما يلفت في أداء الحوثيين أيضًا هو تفعيلهم حالة الاشتباك الداخلي مع خصومهم المدعومين من السعودية، وهو ما لا يبدو موجودًا حتى اليوم في لبنان والعراق، إذ تستمر حالة الستاتيكو الأمني حاضرةً بين حلفاء إيران وخصومهم، رغم أن الأزمة السياسية فيما بينهم وصلت إلى ما لم تصله من السوء في يوم من الأيام.

البرنامج الصاروخي والطائرات المسيّرة أصبحت لهما أولوية أكبر، ولا سيما مع الاعتماد الإيرانيّ الكبير عليهما. ويبدو، من خلال ما مرّ من أشهر، أن إيران تستثمر بشكل كبير في عملية تطوير هذه الصواريخ والمسيّرات، بما يزيد من فعاليتها، ومن الضغط الذي يمكن أن تشكله في أي مواجهة قادمة.

أما هرمز، الطبقة الثالثة، الجغرافيا التي من الصعب احتواء تأثيرها، فهذه الورقة التي دفعتها طهران بقوة إلى الواجهة منذ وقف إطلاق النار، وباتت تستخدمها بأساليب مختلفة بينما تحاول تثبيت واقع قانوني لها. يبقى السؤال الذي لا توجد عليه إجابة حتى الآن: ما إذا كانت طبقة رابعة، نووية هذه المرة، ستنضم إلى الطبقات الثلاث.

من إيران نعود مجددًا إلى جنوب لبنان، حيث تتضاءل المساحات التي يمكن لصحفي مثلي أن يراها من آخر نقطة من دون احتلال. لم نعد قادرين على الوقوف في مروحين لرؤية حيفا، ولا حتى في الناقورة المحتلة من إسرائيل. أجد نفسي أقف في الحنّية، وأنا أراقب من هناك المنصوري وبعض المنحدرات المتصلة بالبحر التي تؤدي إلى الناقورة.

هذه المعادلة الجديدة التي فرضتها إسرائيل على لبنان كانت نتاج معركة أكبر على مستوى المنطقة بأسرها. هي ذات المعركة التي قدّمت مضيق هرمز إلى الأمام في معادلة معاكسة تمامًا. معادلة تريد إيران فيها تثبيت أمر واقع جديد في المنطقة، لا ترى فيه أصولًا أميركية أمامها.

إعادة بناء الداخل

أمام الواقع الجديد، لم تعد إيران بحاجة إلى رؤية حيفا من مروحين، فذلك الطموح، وجبهة لبنان التي بُنيت لخدمته، جرى تأجيلهما بفعل الوقائع العسكريّة الأخيرة إلى مرتبة أدنى من الأولويات. لكن إسرائيل، في المقابل، لا تزال تريد رؤية طهران، وهذا التناقض يفسر لماذا لن تتنازل إيران عن حلفها ونفوذها في جنوبي لبنان، مهما زاد الضغط عليها، ومهما ضعفت قبضتها هناك، ولعلّ مشهد السيطرة الإسرائيلية على تلة علي الطاهر يوضح ذلك.

في الحد الأدنى، تحتفظ إيران بموقع إنذار مبكر، عيون وآذان قريبة بما يكفي من إسرائيل لرصد الحرب المقبلة قبل وقوعها. حضور يُعاد بناؤه بأي شكل يبقى ممكنًا، حتى لو لم يكن الشكل القديم نفسه. لكن، في المحصلة، ما يتصدر القائمة الآن هو ما تضخ فيه طهران معظم جهدها لإعادة البناء في الداخل: برنامج الصواريخ البالستية والمسيّرات الذي تحمّل العبء الأكبر من القتال الفعلي خلال الحرب، والذي تسابق البلاد الزمن لتوسيعه، متقدمًا على الشبكة التي كانت تقف يومًا في الواجهة. خط المواجهة المتقدم القديم عبر الجنوب اللبنانيّ لن يعود كما كان، على الأقل في المستقبل المتوسط، لكن ما يحل محله يبدأ من داخل الحدود الإيرانية نفسها، وهكذا يبدو موقع لبنان في المعركة أشبه بسلك تفجير مبكر، أو ضغط موازٍ، لا كرأس حربة.

(*) بالتزامن مع موقع “الجادة

Print Friendly, PDF & Email
علي هاشم

صحافي وكاتب لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  البوسعيدي: أميركا تحتاج لمن يُخرجها من حربٍ غير شرعية