تمّ إحراق الكثير من الوثائق وسُرِق الكثير منها، من دار سلطان الأطرش في القريّا، خلال حملة العقيد أديب الشيشكلي على جبل العرب في شتاء العام 1954، إذ إن الأوامر أُعطيت للجيش السوري آنذاك باقتحام الدار وسرقة ما يحلو لبعض أصحاب النفوس الضعيفة وتفجير القنابل في مضافته التاريخية وتكسير وتخريب المكتبة والأثاث وبيت المؤونة، برغم أن سلطان الأطرش رفض مواجهة الجيش السوري بالسلاح، قائلاً:
“هؤلاء أبنائي، وأنا لا أقف في مواجهتهم”!
وفضّل سلطان الأطرش الذهاب إلى الأردن في ذلك الوقت، سيراً على الأقدام في عز موسم الثلوج، على مواجهة “أبنائه” بالسلاح، وهو الخيار الأمرّ! وبرغم وضعه الصعب ومَنْ معه، آنذاك، فقد رفض دخول الأراضي الأردنية في سيارة يرفرف عليها العَلَم البريطاني، ما اضطرّ المسؤولين في شرقي الأردن إلى إرسال سيارة ثانية عليها العَلَم الأردني. لقد كان ذلك درساً وطنياً لكلّ أبناء جبل العرب، خاصةً، وسورية، عامةً، في ألا نرفع السلاح بوجه بعضنا بعضاً وألا نلجأ إلى الأجنبي مهما كانت ظروفنا صعبة.
وبعد عودته إلى سورية، بعد تخلّي أديب الشيشكلي عن الحُكم، ومن ثم، بعد مقتل الشيشكلي في البرازيل، جاهر سلطان الأطرش بمقولته الشهيرة:
“أنا لم يعد لي علاقة بالشيشكلي مذ تخلّى عن الحكم وأنا لا أحبّذ الثأر ويجب علينا جميعاً ألا نشمت في الموت”.
ومن الإنصاف هنا أن أذكر أن عدداً لا بأس به من الجنود السوريين رفضوا تنفيذ الأوامر بالدخول إلى دار سلطان الأطرش ليعيثوا فيها فساداً، ولم يساهموا في هذه الجريمة النكراء.
أما عدد الشهداء المدنيين العُزّل حينئذٍ، فوصل إلى أكثر من مئة شهيد، أي ما يعادل نسبة (500/1) من سكان جبل العرب!
جبل العرب جزء من بلاد الشام، وعدوّه الأول هي الصهيونية[1]
في إحدى هذه الوثائق، ورقمها 770[2]، كتب سلطان الأطرش خواطر في العام 1961:
“قالوا إننا قطفنا ثمرة جهادنا، ثمرة تلك الشجرة التي جدلنا ترابها بدمانا. كلا، إنّ هذه الثمرة لم تعقد بعدُ؛ إنّ جهادنا لا يزال في دور الزهرة ولم يصبح بعدُ ثمرة، لأننا لا نريد قطفها ونحن مشتركون كلّنا كعرب[3]. أبناء الثورة وصغار الصحراء، هكذا نذرنا أنفسنا لنكون قرابين تضحّي على مذبح العروبة.
لن تثمر ما دامت أغصانها متلبّسة بالحشرات الفتّاكة… لن تثمر حتى يتعالى صوت فلسطين بالحرية وأنْ يزول شبح المطامع عن العراق ومصر وشرقي الأردن. فبعد ذا، يا حبذا ثمراً ناضجاً شهيّاً، رمزاً لأجيال حملوا مشعل الحضارة، ولن يخبو نوره بعد الآن”.
أمام هذا الكلام المعبّر، آليتُ على نفسي في كلّ حياتي، أنا حفيدته، ألّا أُقدِم على أمر لا يرضى عنه؛ لذلك، فلن أستطيع هنا أن أكون حيادية… فأنا أولاً مع المقاومة ضد الاستعمار بكلّ أشكاله… وأنا مع فلسطين حتى النخاع، وضد المعسكر الذي يقف مع الكيان الصهيوني.
بقيَ سلطان الأطرش لآخر يوم في حياته حاملاً همّ الوطن وفلسطين والجولان، ساخطاً على العرب، الذين بدا أنهم قد قرّروا التفريط بالحقوق العربية المغتصبة… كان أميناً، مُحِبّاً، مفعماً بروح الثورة والمبادرة.
معاهدة 1936
في العام 1936، حكمت الجبهة الشعبية فرنسا، فتمّ تعديل العلاقات الاستعمارية، فوجِدَتْ معاهدة العام 1936 بين سورية وفرنسا. في هذا السياق، سأستشهد بما كتبه الكاتب جورج اللاذقاني بالفرنسية، في كتابه المُعَنوَن: (لماذا دُفِنَت في باريس المعاهدة الفرنسية السورية والمعاهدة الفرنسية اللبنانية) وقد عرّبه الدكتور حافظ الجمالي (نُشرَ في دمشق، دار اسكندرون، 2004). ويبدو أن السيد جورج اللاذقاني كان مترجِماً للوفد السوري الذي فاوض الفرنسيين آنذاك حول معاهدة 1936: يقول السيد اللاذقاني في كتابه (الصفحة 49)، إن فرنسا عرضت على أعضاء الوفد السوري، برئاسة هاشم الأتاسي، الموافقة على بند يبقى سرّياً ويُفضي إلى تأمين حق لليهود في تأسيس دولة لهم في فلسطين. لكنّ الوفد السوري رفض هذا البند، وهو ما حدا بالبرلمان الفرنسي إلى عدم الموافقة على المصادقة على معاهدة 1936.
فهل من معتَبِر، الآن وهنا؟
[1] انظر مقالتي المنشورة في 29 نيسان/أبريل 2021: “حفيدة قائد الثورة السورية الكبرى تردّ على محمود محارب: سلطان الأطرش رفض دويلة الدروز وآمن بسوريا والعروبة وفلسطين”، في، جريدة “الأخبار” اللبنانية https://al-akhbar.com/Opinion/305121
[2] الوثيقة رقم 770، في، المذكرات الحقيقية لِـ سلطان باشا الأطرش القائد العام للثورة السورية الكبرى: وثائق من أوراقه: من 1910 إلى 1989، تحقيق د. ريم منصور سلطان الأطرش، بيروت، دار أبعاد، 2021، خمسة أجزاء.
[3] ليس كلّ العرب يؤمنون بوحدة النضال العربي مثل سلطان الأطرش؛ وهو هنا يتأسّف على حال هؤلاء.
(*) راجع الجزء الأول من مقال الكاتبة بعنوان: بعضٌ مِن عِبَر التاريخ السوري.. المقاوم سلطان باشا الأطرش (1)، راجع الجزء الثاني بعنوان: بعضٌ مِن عِبَر التاريخ السوري.. صمود سلطان باشا الأطرش ورفاقه في المنفى (2)
