صدر الفيلم في 26 آب/أغسطس 2026، وحصد خلال أسبوعين أكثر من سبعين مليون مشاهدة على منصة يوتيوب، ويتناول الحياة اليومية في أحياء حسيدية تشكّل جزرًا منعزلة في قلب نيويورك، بما فيها أنماط التدين، والأسرة، والتعليم، والقيود المفروضة على استخدام الهاتف والإنترنت ووسائل الإعلام، إضافة إلى مقابلات مع أفراد من المجتمع ومع امرأة غادرته. وقد عرّف تشينيت الجماعة التي ركّز عليها بأنها تنتمي إلى حركة حباد ـ لوبافيتش.
ما يلفت النظر في هذا العالم ليس فقط شدة المحافظة الدينية، ولا الملابس المميزة، ولا الفصل بين الجنسين، ولا السلطة الكبيرة التي يمارسها الحاخام، بل المفارقة الأوسع: كيف يستطيع مجتمع شديد المحافظة أن يعيد إنتاج نفسه داخل واحدة من أكثر المدن رأسمالية وحداثة وتكنولوجية في العالم؟ كيف يستطيع أن يحافظ على قواعده المتعلقة بالأسرة والجنس والملبس والتعليم والعلاقات الاجتماعية، بينما يعيش في قلب اقتصاد السوق، ويستخدم مؤسسات الدولة، ويعمل في السوق، ويتعامل بدرجات مختلفة مع التكنولوجيا الحديثة؟
هذه المفارقة تستحق التوقف، لأنها تضعنا أمام سؤال يتجاوز الحريديم أنفسهم: هل الحداثة الرأسمالية تعني بالضرورة تفكك التقاليد الدينية والاجتماعية السابقة عليها؟ وهل يمكن تفسير استمرار أنماط الحياة المحافظة باعتبارها مجرد بقايا من الماضي لم تلحق بها الحداثة بعد؟
***
المعطيات الاجتماعية المتاحة عن المجتمع الحريدي في نيويورك تجعل الصورة أكثر دلالة. فبحسب دراسة المجتمع اليهودي في نيويورك لعام 2023، يضم المجال المدروس نحو 152 ألف بالغ حريدي ونحو 171 ألف طفل في الأسر الحريدية، ويشكّل الحريديم نحو 14% من البالغين اليهود، لكنهم يمثلون نحو 43% من الأطفال اليهود في الأسر اليهودية. كما يبلغ متوسط حجم الأسرة الحريدية 4.7 أشخاص، مقابل 2.9 لدى اليهود الأرثوذكس غير الحريديم، و2.2 لدى غير الأرثوذكس. وفي المجتمع الحسيدي تحديدًا، تبلغ نسبة الأسر التي لديها أطفال 74%، وفي العديد من الأسر يتخطى عدد الأطفال عشرة.
هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات ديموغرافية. إنها تكشف عن إحدى أهم آليات إعادة إنتاج الجماعة. فالمجتمع لا يبقى حيًا لأنه يملك عقيدة دينية فحسب، بل لأنه يستطيع تحويل العقيدة إلى نمط حياة، ونمط الحياة إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى قدرة على إنتاج أجيال جديدة تحمل القواعد نفسها وتعيد إنتاجها. ولذلك، فإن ارتفاع نسبة الأطفال في المجتمع الحريدي ليس تفصيلًا هامشيًا، بل أحد الشروط المادية لاستمراره كجماعة متميزة.
ومن هنا يصبح من الضروري البحث في كيفية إعادة إنتاج هذا الإيمان الديني اجتماعيًا. فالمعتقد الديني لا يعيش في الرأس وحده؛ إنه يتحول إلى ممارسة يومية، والممارسة تتحول إلى عادة اجتماعية، والعادة تكتسب معنى رمزيًا، ثم تتحول إلى قاعدة أو طقس، وتترسخ داخل مؤسسات، قبل أن تصبح جزءًا من هوية الجماعة. وفي المقابل، تعود هذه الهوية لتؤثر في السلوك والعلاقات الاجتماعية وشروط الحياة المادية نفسها.
وهنا تكمن أهمية الأسرة. فالأسرة في المجتمع الحريدي ليست مجرد وحدة عاطفية خاصة، بل مؤسسة مركزية في إعادة إنتاج الجماعة. وحين تكون الأسرة كبيرة، ويكون الزواج مبكرًا نسبيًا، ويكون الإنجاب ذا قيمة دينية واجتماعية عالية، فإن النتيجة لا تكون ديموغرافية فقط، بل بنيوية أيضًا: يتشكل مجتمع شاب، كثيف، مترابط، وقادر على إنتاج مؤسساته الخاصة وتعويض الأفراد الذين يخرجون منه.
وتكشف الدراسات التاريخية الحديثة أن الزواج في بعض الأوساط الحسيدية لم يكن مجرد علاقة بين فردين، بل كان أيضًا جزءًا من شبكات القرابة والسلطة واستمرار السلالات الدينية. فقد درس باحثون من عدة جامعات 2375 حالة زواج مرتبطة بقيادات السلالات الحسيدية، وخلصوا إلى وجود شبكات زواج وتحالفات عائلية وأنماط من الزواج الداخلي بين السلالات، لعبت دورًا في استمرار البنية القيادية الحسيدية عبر أجيال متعاقبة.
ولا يعني ذلك أن كل زواج حسيدي هو زواج مفروض، أو أن كل امرأة حسيدية تعيش التجربة نفسها، أو أن أفراد هذه الجماعات مجرد أدوات في نظام اجتماعي مغلق. فالتجارب الفردية متعددة، وبعض النساء قد يجدن في بعض هذه الممارسات معنى دينيًا أو جماعيًا، أو حتى شعورًا بالانتماء والقوة، بينما تعاني أخريات من قيود حقيقية على خياراتهن. وهذا التمييز ضروري حتى لا يتحول التحليل الاجتماعي إلى صورة نمطية جديدة.
لكن المهم هو أن نلاحظ كيف تتحول قواعد الحشمة والملبس وفصل الجنسين إلى منظومة اجتماعية كاملة. فالجسد هنا لا يكون مجرد جسد فردي، وإنما يصبح مجالًا لتنظيم العلاقات الاجتماعية وتشكيل الحدود بين الداخل والخارج، وبين أفراد الجماعة وغيرهم. ومن ثم، فإن اللباس ليس مجرد قطعة قماش، تمامًا كما أن الحجاب ليس مجرد قطعة قماش. كلاهما يمكن أن يكون جزءًا من منظومة أوسع من القواعد والرموز والمؤسسات.
***
-إذا كان ظهور امرأة حسيدية بملابس شديدة الاحتشام، أو في بعض الجماعات بغطاء شعر خاص أو بملابس تحدد شكل الجسد، لا يكفي وحده لإثبات أن اليهودية دين «متخلف»، فلماذا يتحول الحجاب الإسلامي، بمجرد ظهوره، إلى دليل على «تخلف الإسلام»؟
-إذا كان الفصل بين الرجال والنساء في بعض الأوساط اليهودية الأرثوذكسية يُفسَّر في الخطاب الغربي باعتباره «خصوصية دينية» أو «نمط حياة محافظًا»، فلماذا يُقدَّم الفصل نفسه، عندما يظهر في مجتمع مسلم، باعتباره دليلًا على جوهر الإسلام الرجعي؟
-إذا كانت السلطة الدينية للحاخام أو للربّي تُدرس باعتبارها جزءًا من بنية اجتماعية وتاريخية محددة، فلماذا يجري أحيانًا اختزال السلطة الدينية لدى المسلمين إلى «طبيعة الإسلام» المتخلف؟
المشكلة هنا ليست في نقد الحجاب، ولا في الدفاع عنه. ومن الممكن، بل من الضروري، نقد أي ممارسة تحدّ من حرية المرأة أو تفرض عليها لباسًا أو زواجًا أو سلوكًا ضد إرادتها، سواء كانت هذه الممارسة يهودية أو مسيحية أو إسلامية أو تنتمي إلى أي تقليد آخر. لكن المعيار النقدي ينبغي أن يكون واحدًا. فلا يجوز أن ننتقل من نقد ممارسة اجتماعية محددة إلى إدانة دين بأكمله، ثم نمتنع عن تطبيق المنطق نفسه على دين آخر.
إن الفرق بين النقد المادي والنقد الثقافوي يظهر هنا بوضوح. فالتفسير الثقافوي يقول: هؤلاء يفعلون ذلك لأن «ثقافتهم» هكذا. لكنه لا يفسر كيف نشأت الثقافة، ولا لماذا استمرت، ولا كيف استطاعت أن تتكيف مع ظروف اجتماعية جديدة. أما التحليل المادي فيبحث في العلاقات الاجتماعية التي أنتجت الممارسة، وفي المؤسسات التي حافظت عليها، وفي المصالح والشروط التي تسمح بإعادة إنتاجها.
فالممارسة أو العلاقة المادية تنتج عادة اجتماعية، وتكتسب هذه العادة معنى رمزيًا، ثم تتحول إلى قاعدة أو طقس، وتترسخ داخل مؤسسة أو هوية، قبل أن تعود فتؤثر في الواقع المادي الذي أنتجها. وهكذا لا تعود الثقافة مجرد سبب غامض يفسر كل شيء، بل تصبح لحظة من لحظات عملية اجتماعية مادية متبادلة.
ومن هذه الزاوية، تصبح ظاهرة الحريديم أكثر إثارة للاهتمام، لأن وجودهم لا يقع خارج الرأسمالية الحديثة، بل داخلها. فالمعطيات نفسها تُظهر أن الحريديم ليسوا مجتمعًا منقطعًا عن سوق العمل. تبلغ المشاركة في قوة العمل لدى البالغين الحريديم في منطقة الدراسة نحو 78%، مقابل 66% لدى البالغين في الأسر اليهودية عمومًا، بينما يبلغ معدل البطالة بين الحريديم المشاركين في قوة العمل نحو 5%. لكن هذا الاندماج الاقتصادي يترافق مع تفاوت تعليمي واضح؛ فنحو 52% من البالغين الحريديم لديهم شهادة ثانوية أو أقل، وترتفع النسبة بين الحسيديين إلى 69%.
وهنا تظهر مفارقة أخرى مهمة: الفقر لا يختفي بمجرد ارتفاع المشاركة في العمل. أكثر من نصف الأسر الحريدية، أي 53%، تقع في فئة الفقر أو ما يقارب الفقر وفق مقياس الدراسة، وترتفع النسبة إلى 70% في الأسر الحسيدية، وإلى 66% في أسر حباد. وفي الوقت نفسه، فإن نحو 80% من البالغين في الأسر الحريدية الفقيرة أو القريبة من الفقر يعملون.
هذه الأرقام تفكك صورة أخرى شائعة: صورة المجتمع المحافظ بوصفه مجتمعًا يعيش خارج الاقتصاد الحديث. فهو يعيش داخله، ويعمل في سوقه، ويستهلك منتجاته، ويستفيد من مؤسساته، لكنه يعيد تنظيم جزء من موارده وعلاقاته بما يخدم إعادة إنتاج الجماعة. بل إن نسبة الأطفال المرتفعة، وكبر حجم الأسرة، وانخفاض مستويات التعليم العلماني في بعض الجماعات، كلها عوامل تدخل في علاقة مركبة مع الدخل والعمل والفقر والدعم الاجتماعي.
***
من المهم، في هذا السياق، ألّا نقع في خطأ آخر، هو الادعاء بأن الدولة الأميركية تمنح الحريديم تحديدًا مبلغًا ثابتًا أو امتيازات خاصة مقابل إنجاب الأطفال. لا تقدم البيانات المتاحة أساسًا لهذا الاستنتاج. لكن ما تكشفه بوضوح هو أن المجتمع الحريدي يعيش في علاقة معقدة مع مؤسسات الدولة والسوق، وأن الفقر يتركز بدرجة كبيرة في هذه الجماعة؛ إذ إن 81% من الأطفال الذين يعيشون في أسر يهودية فقيرة أو قريبة من الفقر يعيشون في أسر حريدية.
وهذا يقودنا إلى نقطة أساسية: الرأسمالية لا تعمل دائمًا بالطريقة التي يتخيلها بعض أنصار الحداثة الليبرالية. فهي تفكك بعض العلاقات الاجتماعية السابقة عليها، لكنها لا تلغي بالضرورة التقاليد؛ بل تستطيع أن تستوعبها، وأن تعيد تنظيمها، بل وأن توفر لها بعض الشروط المادية لإعادة إنتاج نفسها.
فالرأسمالية لا تشترط أن يصبح الإنسان فردًا علمانيًا ليشارك في السوق. ولا تشترط أن تتخلى الأسرة المحافظة عن معتقداتها لكي تنتج وتستهلك وتعمل وتستفيد من التكنولوجيا. ولهذا يمكن أن نجد، في قلب نيويورك، جماعات شديدة المحافظة دينيًا تستخدم بعض أدوات الحداثة بكفاءة، وتتعامل مع الدولة، وتشارك في الاقتصاد، وتبني مؤسسات تعليمية واجتماعية خاصة بها، وفي الوقت نفسه تحافظ على حدود ثقافية ودينية صارمة.
هذه الحقيقة وحدها كافية لتفنيد المعادلة البسيطة التي تربط بين التكنولوجيا والحداثة الاجتماعية. فامتلاك الهاتف الذكي، أو استخدام الإنترنت، أو العمل في اقتصاد متطور، أو العيش في مدينة حديثة، لا يعني بالضرورة التحرر من الأشكال التقليدية للسلطة والعائلة والجندر والدين.
ومن هنا أيضًا ينبغي تفكيك الصورة الشائعة عن إسرائيل بوصفها «جزيرة الحداثة» في محيط عربي «متخلف». لا شك في أن إسرائيل تمتلك دولة حديثة ومؤسسات قوية واقتصادًا متطورًا وقطاعًا تكنولوجيًا متقدمًا. لكن الدولة الحديثة لا تعني بالضرورة مجتمعًا علمانيًا متجانسًا، والتقدم التكنولوجي لا يعني تلقائيًا التحرر الاجتماعي، كما أن الرأسمالية لا تعني بالضرورة تفكك البنى الدينية المحافظة.
فداخل إسرائيل نفسها تيارات علمانية وليبرالية ودينية وأرثوذكسية وحريدية متباينة، وتعيش هذه التيارات ضمن الدولة الحديثة نفسها. وبالتالي، لا يمكن استخدام «حداثة الدولة» لإخفاء وجود أشكال اجتماعية شديدة المحافظة داخل المجتمع الإسرائيلي، كما لا يمكن استخدام وجود هذه الأشكال لنفي الحداثة المؤسسية والتكنولوجية للدولة.
ولعل التطور السياسي الإسرائيلي في السنوات الأخيرة يقدم مثالًا أكثر وضوحًا على هذا التعايش بين الحداثة التكنولوجية والمحافظة الدينية المتشددة. فصعود تيار الصهيونية الدينية والقومية المتطرفة، ممثلًا خصوصًا ببتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، يبيّن أن امتلاك دولة متقدمة تكنولوجيًا، واقتصاد حديث، ومؤسسات سياسية متطورة، لا يؤدي بالضرورة إلى تراجع التعصب الديني أو القومية الإثنية.
فسموتريتش، الذي يتولى حقيبة المالية ويرتبط مباشرة بملف الاستيطان، وبن غفير، وزير الأمن القومي، ينتميان إلى تيار ديني قومي متشدد يجمع بين الخطاب الديني القومي والمواقف المتطرفة تجاه الفلسطينيين، بما في ذلك الدعوة إلى قتل الفلسطينيين وتوسيع الاستيطان وضم أجزاء من الضفة الغربية وإخراج الفلسطينيين من غزة. وقد أصبح هذا التيار جزءًا مؤثرًا من بنية السلطة، لا ظاهرة هامشية خارجها. وتشير التطورات الراهنة إلى استمرار ارتباط سياسات الاستيطان والتوسع في الضفة الغربية بهذا التيار، فيما يصف سموتريتش استراتيجية الاستيطان بأنها وسيلة لفرض «سيادة عملية» على الأرض وتقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية.
وهكذا، فإن الحداثة ليست منظومة متجانسة تؤدي بالضرورة إلى العلمانية والتحرر. يمكن للمجتمع أن يكون حديثًا جدًا من حيث التكنولوجيا والإنتاج والدولة، ومحافظًا أو رجعيًا في بعض علاقاته الاجتماعية والسياسية في الوقت نفسه. بل إن الرأسمالية الحديثة نفسها قادرة على استيعاب هذه التناقضات وإعادة إنتاجها ضمن مؤسسات الدولة والسوق، بدل أن تلغيها بالضرورة.
***
لكن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا حين ننتقل من المستوى الداخلي إلى موقع إسرائيل والدول العربية داخل النظام الرأسمالي العالمي. فهنا لا يمكن وضع إسرائيل والدول العربية في نقطة انطلاق تاريخية واحدة، ثم مقارنة النتائج وكأن الفروق ناجمة ببساطة عن «الثقافة». لقد نشأت إسرائيل في سياق تاريخي وجيوسياسي مختلف، وارتبط تطورها السياسي والعسكري والاقتصادي بعلاقات وثيقة مع القوى الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة. وفي المقابل، دخلت معظم البلدان العربية النظام العالمي الحديث من خلال الاستعمار المباشر أو الهيمنة الإمبريالية، ثم وجدت نفسها بعد الاستقلال ضمن علاقات متفاوتة من التبعية الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية.
ولا يعني ذلك أن إسرائيل «حديثة فقط بسبب الإمبريالية»، أو أن المجتمعات العربية «متخلفة فقط بسبب الاستعمار». مثل هذه الصياغة الاختزالية لا تقل سوءًا عن التفسير الثقافوي. فالصراعات الطبقية، وبنية الدولة، والسياسات الاقتصادية، وتكوين النخب، وطبيعة المشاريع الوطنية، ومستويات التعليم، والخيارات السياسية الداخلية، كلها عوامل حقيقية. لكن موقع المجتمع داخل تقسيم العمل العالمي وعلاقات القوة الدولية يبقى عنصرًا ماديًا أساسيًا لا يجوز إسقاطه من التحليل.
ولهذا، فإن المقارنة بين إسرائيل والعالم العربي لا تكون علمية عندما تبدأ من النتيجة: «إسرائيل حديثة لأن اليهود أكثر تقدمًا، والعرب متخلفون بسبب ثقافتهم الإسلامية». فهذا ليس تفسيرًا، بل إعادة إنتاج أيديولوجي للنتيجة نفسها.
السؤال المادي هو: ما الظروف التاريخية التي سمحت بتكوين هذه الدولة وهذا الاقتصاد وهذه المؤسسات؟ ما موقعها في النظام الرأسمالي العالمي؟ ما علاقاتها بمراكز القوة الإمبريالية؟ كيف توزعت الموارد؟ كيف تشكلت الطبقات؟ وكيف أثرت هذه البنية في قدرة المجتمع على إنتاج التكنولوجيا والمؤسسات والتعليم والدولة؟
وعندها نكتشف أن «الحداثة» ليست جوهرًا ثقافيًا يسكن شعبًا دون آخر، بل نتيجة تاريخية لصراعات وعلاقات وقوى مادية محددة.
وهنا تصبح ظاهرة الحريديم، للمفارقة، أكثر دلالة مما تبدو عليه في البداية. فالمجتمع الذي قد يُنظر إليه من الخارج بوصفه نقيض الحداثة يعيش داخل أحد أكثر مراكز الرأسمالية تطورًا، ويشارك بدرجات متفاوتة في سوق العمل، ويستخدم الدولة، ويستفيد من البنية التكنولوجية، لكنه يحافظ على منظومته الدينية والاجتماعية ويعيد إنتاجها عبر الأسرة والتعليم والمؤسسات والسلطة الدينية.
وهذا لا يعني أن هذا النموذج مرغوب فيه، ولا أنه خالٍ من التناقضات أو من أشكال القمع. بل يعني أن علينا أن نفهمه قبل أن نحكم عليه، وأن نبحث عن شروط استمراره بدل الاكتفاء بوصفه «تخلفًا».
والأمر نفسه ينطبق على المجتمعات الإسلامية. يمكن أن ننتقد الحجاب القسري، أو التمييز ضد النساء، أو الزواج القسري، أو أشكال السلطة الدينية التي تحد من حرية الفرد. لكن ينبغي أن نبحث في الشروط التاريخية والاجتماعية التي أنتجت هذه الممارسات، وفي الطبقات والمؤسسات والدول التي تعيد إنتاجها، بدل أن نحولها إلى دليل على جوهر ثابت اسمه «الإسلام».
وبالمثل، حين ننتقد الممارسات المحافظة لدى الحريديم، ينبغي أن يكون نقدنا نقدًا اجتماعيًا حقيقيًا، لا مجرد وسيلة لإدانة اليهودية. فالمطلوب ليس استبدال تحيز بتحيز، بل تطبيق معيار نقدي واحد على الجميع.
***
إن المشكلة الجوهرية في الخطاب الذي يربط التقدم بدين والتخلف بدين آخر ليست فقط أنه غير عادل، بل إنه غير علمي؛ لأنه يحول التاريخ إلى ثقافة، والثقافة إلى جوهر، والجوهر إلى قدر. وفي هذه العملية تختفي العلاقات المادية التي صنعت الظاهرة، ويختفي معها السؤال الأهم: من يملك الموارد؟ من يملك السلطة؟ كيف تُنظَّم الأسرة؟ كيف يُعاد إنتاج العمل؟ كيف تتشكل الدولة؟ كيف تعمل السوق؟ وما موقع هذه الجماعة أو تلك داخل النظام العالمي؟
إن مشاهدة مجتمع حسيدي شديد المحافظة في نيويورك تكشف لنا، من حيث لا تقصد ربما، حدود التصور البسيط للحداثة. فالحداثة ليست طريقًا مستقيمًا يبدأ بالتكنولوجيا وينتهي بالعلمانية، والرأسمالية ليست آلة آلية لتحرير الإنسان من كل أشكال التقليد. إنها نظام اجتماعي قادر على تفكيك بعض العلاقات القديمة، لكنه قادر أيضًا على إعادة تركيبها داخل شروط جديدة.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: أي دين أكثر حداثة؟ ولا: لماذا المسلمون متخلفون بينما اليهود الإسرائيليون متقدمون؟ بل: ما الشروط الاجتماعية والتاريخية والمادية التي تجعل نمطًا معينًا من العلاقات قادرًا على الاستمرار وإعادة إنتاج نفسه؟
عندها فقط نستطيع أن نفهم لماذا يمكن للحجاب أن يوجد في مجتمع حديث، ولماذا يمكن لامرأة حسيدية أن تعيش وفق قواعد دينية صارمة في قلب نيويورك، ولماذا يمكن لمجتمع شديد المحافظة أن يستخدم أدوات الرأسمالية الحديثة من دون أن يتخلى عن هويته، ولماذا يمكن للتكنولوجيا أن تتقدم أسرع بكثير من تحرر الإنسان الاجتماعي.
فالتاريخ لا يسير في خط مستقيم من «الموروث الديني» إلى «الحداثة». إنه أكثر تعقيدًا: علاقات مادية تنتج ممارسات، والممارسات تنتج معاني، والمعاني تتحول إلى قواعد ومؤسسات وهويات، ثم تعود هذه المؤسسات والهويات فتؤثر في الواقع المادي نفسه. ومن هنا لا يعود السؤال: من هو «المتخلف»؟ بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: من يملك حق تعريف الحداثة، ومن يملك سلطة إطلاق صفة «التخلف» على الآخرين؟
