الأحلام التوسعيَّة عند الأتراك والإسرائيليين ليست خافيةً ولا تحتاج إلى برهان. النظرة “الأتارتوكية” إلى العرب لم تتغيَّرْ منذ كمال أتاتورك حتى حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان. كلُّ ما في المسألة أنَّ هذا الأخير أضاف إليها “العَثْمنةَ المشرقية”، لأنه هو نفسه يدرك جيّداً استحالة التمدُّد التركي إلى أوروبا واستعادة الأدوار كما كانت منذ السلطان مراد إلى السلطان سليمان القانوني بين القرنين الـ14 والـ16، فالظروف تغيَّرتْ. ولهذا يتبنَّى أردوغان فكرة التوسع نحو المشرق العربي والبحر المتوسط، ويعرفُ راضياَ أنه يدير التنافس مع الكيان الإسرائيلي، ويحتاج إلى أوراق عربية – إسلامية لخدمة هذا الهدف. الأمر الذي دفعه إلى تفعيل الشعار الإسلامي- الإخواني كي “يُلطِّفَ” – بحسب ظنِّه – صورةَ “العَثْمنة المشرقية” لتدليس الأهداف الجيو- سياسية والجيو-اقتصادية. عند هذه النقاط التقاطعيَّة التركية – الإسرائيلية حصل الانتقال شبه الإستراتيجي. تحوَّلت العلاقة بين أنقرة وتل أبيب من حلفٍ متماهٍ إلى تنافس. كلٌّ منهما أدَّى دوراً واسعاً في إسقاط نظام الأسد. وبعد الإسقاط أصبحا يتنافسان على اقتسام الكعكة في الساحة السورية، فانفتحت الأبواب عندئذٍ أمام تنافس أوسع يتجاوز الجغرافيا السوريَّة إلى النفوذ في سواحل المتوسط وبعض الدول العربية، بل إلى التنافس على رسم خرائط جديدة لـ”الشرق الأوسط”، وعلى تحديد مناطق النفوذ ومن يقود سوق الطاقة والتجارة في المنطقة.
الانتقال من الحلف التكاملي بين تركيا وإسرائيل تحت المظلَّة الأميركية، إلى التنافس المصلحيِّ تحت المظلة نفسها، لا يعني أبدا دخول الجانبين في حالة عداء وحربٍ. الأمر ليس مطروحاً بهذه الصيغة. وليست أنقرة في وارد وضع إستراتيجيةٍ صراعية مع الكيان الصهيوني بالرغم من كل تصريحات أردوغان المؤيدة للشعب الفلسطيني. هي تريد مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية، فلا تُغضبُ أميركا، ولا تتخلَّى عن “حلف الناتو”، ولا تزعج روسيا قبالتها على البحر الأسود، ولم تعُدْ متحمِّسةً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي المتهالك، ولا تتردَّد في الوقت نفسه عن مواصلة سعْيِها إلى الاشتراك الفعلي في إدارة الشرق الأوسط، خصوصاً من بوَّابة سوريا والعراق ولبنان.
هكذا تبدو الصورة التركية – الإسرائيلية معقَّدةً، وشديدة التركيب، وتحمل مفاجآتٍ مستقبلية.تركيا تطمح إلى توسيع نفوذها بما يضمن مصالحها التجارية والطاقويَّة، في مواجهة الحلف التنافسي الإسرائيلي اليوناني القبرصي في البحر المتوسط، وتخشى في الوقت نفسه من أن تتمكَّن إسرائيل من الإمساك بالساحة السورية. أمَّا الكيان الصهيوني فلا يرغب أبداً بوجود قوة إقليميَّةٍ كبيرة بالقرب منه في سوريا، سواء تركيا السنّيَّة أو إيران الشيعيَّة، ولا يتردَّد في ضرب الانتشار التركي في سوريا، ولا يستسيغ أن تترسَّخ أنقرة في سوريا بعد انسحاب طهران منها، ولا يتخلَّى عن مطامعه في أن يكون هو بوَّابة التجارة إلى أوروبا.
النزعة النفوذيّة التركيّة تتضح عملياً يوما بعد يوم. أنقرة الآن في شمال سوريا ووسطها، والكيان الإسرائيلي في جنوبها على بعد بضعة كيلومترات من دمشق. سوريا-الدولة انتهت، وتحوَّلت إلى سوريا-الساحة مع أحمد الشرع المفتوحة خطوطه على الجانبين التركي والإسرائيلي برعاية واشنطن. هذه المعادلة تؤثر في الوضع اللبناني الراهن. وإذا كان الكيان الإسرائيلي يضغط من جنوب لبنان بممارساته الاحتلاليَّة، فإنَّ تركيا تسعى عبر سوريا إلى الضغط من شمال لبنان. ولا شكَّ في أنَّ الامتداد التركي إلى لبنان عبر الشمال ومدينة طرابلس سيتخذ شكل التعبيرات الطائفيّة، ما يؤدِّي إلى انقساماتٍ جديدةٍ.
لبنان المشرذم وطنيَّاً وطائفيَّاً، والمنهك اقتصادياً، يمثِّلُ فرصةً أمام تركيا للحصول على دورٍ فيه، ومن خلاله في الشرق الأوسط. ليس صدفةً على الإطلاق أن يتصاعد الاهتمام التركي بشمال لبنان، ففي النظرة التركية أنَّ الشمال اللبناني هو الجسر الجغرافي مع الشمال السوري، وأنَّ مرفأ طرابلس هو مرفأ تريد تركيا عثْمنتَهُ من جديدٍ كي يكون أساسيَّاً بالنسبة إليها في المستقبل، إضافةً إلى أنَّها ترى الشمال اللبناني كلَّه موطىءَ قدم لها يُوازنها في التنافس مع “إسرائيل”، ويفتح لها الباب لتوسيع علاقاتها مع المجتمع السنِّيِّ. لقد بات واضحاً أنَّ أنقرة التي باتت ترى نفسها قوَّةً لها مؤيِّدون في لبنان تسعى حثيثاً نحو التحوُّلِ إلى قوةٍ لها وظيفةٌ إستراتيجيَّة.
الخطورة في هذا التقاطع التنافسي التركي–الإسرائيلي هو أنَّه يؤثِّرُ في لبنان وسوريا والعراق، لكن لبنان حالياً هو الملفُّ الساخن بعد أن أصبح ساحةً مثل سوريا. ولا سيَّما أن السلطة فيه لا تملك أيَّ إستراتيجيّةٍ للإنقاذ. ولمَّا كانت واشنطن حاضرةً في رعاية الدوريْن الإسرائيلي والتركي فإنَّ الخوف على وحدة لبنان يزداد بسرعةٍ. وأخشى ما نخشاه في هذه المعمعة، هو أن يصل لبنان إلى لحظةٍ تنتقلُ فيها ساحات الارتهان إلى أنْ تترجم نفسها كيانات طائفية من ضمن إعادة تشكيل الشرق الأوسط.
