إسرائيل على حافة الفاتورة الكبرى.. حربٌ بلا نهاية واقتصادٌ مأزوم

برغم أن الانتخابات الإسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من هذا الشهر، وخلافًا لمعظم دول العالم، تدور بعيدًا عن الاقتصاد ومتطلباته، وتكاد تنحصر في الخلاف حول شخص رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وربما أيضًا حول 7 أكتوبر/تشرين الأول، فإن كثيرين يحذّرون من الآثار الكارثية التي تنتظر إسرائيل في المستقبل القريب.

لا تقتصر التوقعات الاقتصادية الكارثية على التبعات المالية للحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات وتكاليفها الباهظة، ولا حتى على مغزى نظرية الحرب الدائمة التي يؤمن بها بنيامين نتنياهو واليمين والجيش في إسرائيل، وإنما تتعلق أساسًا بترابط ذلك مع تفاقم الفجوة الداخلية في توزيع الأعباء، وكذلك بالمخاطر التي تتعرض لها إسرائيل جرّاء تزايد المقاطعة السياسية والاقتصادية لها.

وكانت وسائل إعلام إسرائيلية مختلفة قد نشرت مؤخرًا تقارير تستند إلى دراسات وتوقعات صادرة عن وزارات حكومية وبنك إسرائيل ومؤسسات اقتصادية و”معهد الديموقراطية” الإسرائيلي، تفيد بأن الاقتصاد الإسرائيلي سيتكبد نفقات وأضرارًا مالية تصل إلى ربع تريليون شيكل (250 مليار شيكل) سنويًا بحلول عام 2050. ويعود ذلك إلى تراجع معدلات النمو في الاقتصاد، ودفع 65 مليار شيكل سنويًا كمعونات ومزايا لليهود الحريديم، والضرر الهائل الذي سيلحق بالاقتصاد نتيجة خدمة مئات الآلاف سنويًا في قوات الاحتياط وغيابهم عن سوق العمل.

وبعد نشر هذه التقارير، أعلن مسؤولون حكوميون أنه إذا لم توضع خطة طوارئ اقتصادية، «سيحدث انهيار وشيك، وسننحدر إلى مستوى دول العالم الثالث من حيث تصنيفها الائتماني». وقال خبراء اقتصاديون إن تخفيض التصنيف الائتماني لإسرائيل سيلحق بها أضرارًا تزيد من تكلفة الدين العام وتفاقم عجز الموازنة. وأعلن مسؤولون في المعارضة الإسرائيلية أن حكومة نتنياهو «تُعرّض الأمن للخطر وتدفع الاقتصاد نحو الهاوية».

وأشار الداعون إلى خطة الطوارئ هذه إلى وجوب الإسراع في بلورتها ووضعها موضع التنفيذ في مصلحة الضرائب والتأمين الوطني، على أساس حرمان المتخلفين عن الخدمة العسكرية لأسباب غير طبية من هذه المزايا.

الاقتراب من نقطة حاسمة

وبحسب صحيفة «يديعوت»، فإنه في ضوء «انخفاض مستويات الدخل في المجتمع الحريدي، إلى جانب انخفاض معدل التوظيف ومعدل المواليد، فإن سيناريو ركود التوظيف في هذا المجتمع سيؤدي إلى انخفاض متوسط مدفوعات الضرائب لكل أسرة بنسبة 24% بحلول عام 2050. وتُقدّر وزارة المالية أنه من أجل تمويل الفجوة الهائلة في المستقبل ومنع انهيار الخدمات العامة (الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية)، ستضطر الدولة إلى إجراء تخفيضات كبيرة في الخدمات العامة، إلى جانب زيادة حادة في معدل ضريبة القيمة المضافة، من 18% على الأقل إلى 22%. وإلى جانب ذلك، سيتعين على الدولة رفع معدلات ضريبة الدخل لجميع أصحاب الدخل، بمن فيهم أصحاب الدخل الأدنى».

ونقلت «يديعوت» عن البروفيسور دان بن ديفيد، رئيس معهد شورش للأبحاث الاجتماعية والاقتصادية وأستاذ الاقتصاد في جامعة تل أبيب، قوله: «سيحدث تغيير جذري في السنوات القادمة. من المستحيل الاستمرار على المنوال الاقتصادي والاجتماعي والديموغرافي نفسه لعقود، وبالتالي يصعب التعامل مع التوقعات طويلة الأجل كما لو كان هذا مسارًا يمكن أن يستمر من دون تغيير».

ووفقًا لدان بن ديفيد، «يُساهم 20% من السكان اليوم في تمويل 93% من إيرادات ضريبة الدخل للدولة، بينما تبلغ مساهمة نصف العاملين صفرًا. وتقترب إسرائيل من نقطة حاسمة تتطلب اتخاذ قرار: إما أن تُعيد الدولة النظر في أولوياتها الوطنية، طالما أنها قادرة على تشكيل أغلبية في الكنيست، أو ستخسر المزيد من الأشخاص الذين هي في أمسّ الحاجة إليهم لتمويل نفقاتها وحماية حدودها».

وقال رئيس حزب الديموقراطيين، يائير غولان «إن التوقعات الاقتصادية المروعة هي علامة تحذير أخرى. حكومة نتنياهو–غولدكنوف–سموتريتش تُعرّض أمن إسرائيل للخطر وتدفع اقتصادها إلى الهاوية. إننا ندفع ثمن التهرب الجماعي اليوم بدماء جنودنا، وتآكل قوات الاحتياط، وعبء لا يُطاق على كاهل المواطنين العاملين».

عبء الأسرة الحريدية

ووفقًا لبيانات “معهد الديموقراطية” الإسرائيلي، بلغ عدد الحريديم في إسرائيل بنهاية عام 2025 نحو 1,452,350 نسمة، أي ما يعادل 14.3% من السكان، ما يعني أن واحدًا من كل سبعة إسرائيليين اليوم هو حريدي. ومن المتوقع أن ترتفع نسبتهم بحلول عام 2030 ارتفاعًا طفيفًا إلى نحو 16%.

وبحسب دراسة نشرها الدكتور جلعاد مالاخ والدكتورة لي كانر، سيبلغ عدد الحريديم دون سن العشرين هذا العام نحو مليون نسمة، وستشكّل نسبتهم 25% من إجمالي السكان في هذه الفئة العمرية.

وبحسب ما نُشر في «يديعوت»، فإن تحليلات معهد دراسات الأمن القومي (INSS) تُقدّر الضرر المالي التراكمي، على المدى المتوسط وحده، للأعوام 2035–2045، بنحو 240 مليار شيكل إسرائيلي. ويتكوّن هذا الضرر من 60 مليار شيكل من الناتج المحلي الإجمالي المفقود، و140 مليار شيكل من مدفوعات التحويلات التأمينية الوطنية، و40 مليار شيكل من تكاليف الدفاع الزائدة على الوضع الراهن.

ولذلك، لا تستطيع الدولة العبرية الاستمرار في تحمّل المدفوعات الثابتة التي تتلقاها الأسرة الحريدية المتوسطة. فحتى اليوم، وقبل تشكيل الحكومة المقبلة، تعتمد الأسرة الحريدية المتوسطة على الدعم الحكومي المباشر وغير المباشر، كالتحويلات المالية، والخصومات الكبيرة على الضرائب البلدية، والإعانات والمنح، والتي تُقدّر بآلاف الشواكل شهريًا. أما بالنسبة إلى الأسر التي يزيد عدد أفرادها على عشرة، فتُقدّر التكلفة بأكثر من 10,000 شيكل إسرائيلي جديد شهريًا.

ولا تقتصر المشكلة على الحريديم، بل هناك أيضًا مشكلة تتعلق بواقع العرب في إسرائيل، الذين يشكّلون نحو 21% من السكان. ويتسم المجتمع العربي بارتفاع نسبة المتعلمين والأكاديميين ودورهم الاقتصادي، الذي يواجه مصاعب بسبب التمييز العنصري ضدهم، ومن آخر مظاهره تحويل مليارات الشواكل من الميزانية المخصصة للمجتمع العربي إلى ميزانية الدفاع.

الانفاق الدفاعي على حساب من؟

ويُضاف إلى ذلك التمييز الداخلي في المجتمع العربي بين الذكور والإناث، خصوصًا لجهة نسبة التشغيل. وفي كل الأحوال، يقلّص هذا الواقع عائدات الضرائب من عمل العرب، ولا يقلّل نسبة مستحقاتهم من التأمين الوطني.

ومعنى ما سبق هو زيادة العبء الاقتصادي على الدولة، ما قد يقود إلى إفلاسها، أو على الأقل تراجع مكانتها كقوة اقتصادية متقدمة، وإنهاء ما يُعرف بدولة الرفاه الاجتماعي، التي تُعدّ شرطًا من شروط بقاء الإسرائيليين وعدم هجرتهم إلى الخارج.

إقرأ على موقع 180  السوداني من "الدفرسوار العراقي".. إلى البيت الأبيض! 

ويتفاقم هذا العبء مع إقرار بنيامين نتنياهو رسميًا «رؤية الأمن القومي» الجديدة لإسرائيل، التي تؤكد التحول نحو استراتيجية هجومية استباقية تهدف إلى إزالة خطر التهديد النووي الإيراني وتحطيم طوق الخنق الإقليمي، مع رصد مليارات الشواكل لتعزيز الاستقلال العسكري والتكنولوجي والصناعي. وتعزّز هذه الرؤية تطلعات نتنياهو إلى إنشاء «إسبرطة الحديثة».

وبحسب صحيفة «معاريف»، فإن ميزانية الحرب وتكاليفها تلتهم، على المدى القصير، الميزانية العامة، بعد أن قررت الحكومة إجراء خفض شامل في ميزانيات الوزارات الحكومية بنسبة 4.9%، بهدف تحويل 2.6 مليار شيكل إلى ميزانية الدفاع.

وذكرت الصحيفة أن هذا الخفض، الذي يصل إلى مئات الملايين من الشواكل في الوزارات المدنية الكبرى، بما فيها التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، سيلحق ضررًا بالبرامج والخدمات المقدمة إلى الجمهور.

وصرّح مسؤولون ماليون لصحيفة «معاريف» بأن قرار خفض ميزانيات جميع الوزارات بالتساوي كان قرارًا حكوميًا، على الرغم من تحذير وزارة المالية من أن «الزيادات الهائلة في ميزانية الدفاع ستكون على حساب المواطنين».

أكلاف المقاطعة

غير أن إسرائيل تواجه، إلى جانب الحرب والإنفاق العسكري، مشكلة تتفاقم في علاقاتها الدولية، ليس فقط على الصعيد السياسي، وإنما أيضًا على الصعيد الاقتصادي. فقد بدأت دول عديدة بمقاطعة المنتجات العسكرية الإسرائيلية، كما أقرّت دول أوروبية مقاطعة منتجات المستوطنات.

وقد حذّر ستون خبيرًا اقتصاديًا إسرائيليًا من أن «العقوبات على المستوطنات ستضر بالاقتصاد برمّته».

ونشر موقع «والا» رسالة تحذيرية وقّعها أكثر من 60 خبيرًا اقتصاديًا وأكاديميًا وموظفًا حكوميًا سابقًا رفيع المستوى، ضمن “منتدى الاقتصاديين”، حذّروا فيها من أن الإجراءات الدولية ضد المستوطنات تمثّل إشارة تحذير للاقتصاد الإسرائيلي برمّته.

ووفقًا للخبراء الاقتصاديين، فإن العنف والإرهاب اليهودي ضد الفلسطينيين سيؤديان إلى ثمن اقتصادي باهظ يدفعه جميع سكان البلاد. وقد تؤدي الإجراءات الدولية ضد المستوطنات إلى أضرار اقتصادية كلية جسيمة، وتزيد من غلاء المعيشة لجميع المواطنين الإسرائيليين. ويحذّر منتدى الاقتصاديين: «يجب علينا منع الضرر الآن».

وأشار الموقعون على الرسالة إلى إعلان بريطانيا نيتها حظر الواردات من المستوطنات، ودراسة فرض عقوبات على الشركات والأفراد الذين يساهمون في توسيعها، إلى جانب خطوات مماثلة في هولندا ودول أخرى، ولا سيما فرنسا وكندا.

ويرى خبراء اقتصاديون أن الدافع المباشر لهذه الخطوات هو البناء في منطقة E1 والإرهاب اليهودي في الضفة الغربية، الذي يُنظر إليه على أنه مدعوم من الحكومة، بالإضافة إلى سياسة الحكومة في غزة.

كما أشارت الرسالة إلى وجود نحو 100 عقوبة مفروضة بالفعل من أكثر من 50 دولة. ويحذّر المنتدى من أن هذه العقوبات ستؤدي إلى ارتفاع كبير في تكلفة المعيشة، وهو نمط مألوف في التجارب الدولية.

ويأتي هذا التدهور في ظل بيانات نُشرت مؤخرًا تشير إلى ارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية، حيث بلغ معدل الزيادة في أسعار سلة الغذاء خلال السنوات الأربع الماضية ما يقارب خمسة أضعاف ما كان عليه في السنوات الأربع التي سبقتها.

وفي مقابلة مع موقع «زمان إسرائيل»، حذّرت إيلا القلعي، رئيسة مجلس إدارة صناديق IBI الاستثمارية، من أن العقوبات المفروضة على المستوطنات في الضفة الغربية قد تشلّ النظام المصرفي بأسره. وأضافت: «مقارنةً بذلك، فإن حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) تُعدّ لعب أطفال، فهي مخاطرة اقتصادية لم نشهد مثلها من قبل».

واعتبرت القلعي أن العقوبات الدولية التي بدأتها 12 دولة أوروبية هي «سيناريو كارثي» لا يأخذه المستثمرون في الحسبان، وأن على النظام المصرفي في إسرائيل الاستعداد بالفعل لاحتمال أن تحظر التشريعات في بريطانيا ودول أخرى على المؤسسات المالية تقديم خدمات تمويلية لمشاريع تقع خارج الخط الأخضر.

ومن وجهة نظر القلعي، تُجسّد العقوبات الشخصية آلية قطع الخدمات المالية. أما القلق الأكبر، فيتمثّل فيما سيحدث إذا امتدّت هذه الآلية لتشمل الشركات والمورّدين والجهات التي تموّلهم.

تجدر الإشارة إلى أن أكثر من 200 ألف إسرائيلي تركوا إسرائيل في السنوات الأربع الماضية، واختارت نحو 70% من الشركات الناشئة تأسيس شركاتها في الخارج.

وكان الدافع الرئيسي وراء هذه العمليات هو تآكل استقلالية المحاكم المدنية وتوسّع صلاحيات المحاكم الحاخامية. ومن المتوقع أن تكون المقاطعة الدولية محفزًا قويًا بالقدر نفسه لمثل هذا التوجّه.

التفوق العسكري.. أكلافه عالية

في المحصلة، لا يبدو أن التحدي الذي يواجه إسرائيل اقتصاديًا يقتصر على تمويل حرب أو احتواء عجز في الموازنة، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بقدرة الدولة على التوفيق بين طموحاتها العسكرية وبنيتها الاجتماعية والاقتصادية. فالحروب المتواصلة تستنزف الموارد البشرية والمالية، والاختلال المتفاقم في توزيع أعباء العمل والخدمة العسكرية والضرائب يهدد العقد الاجتماعي، فيما تنذر المقاطعة الدولية بتحويل السياسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني إلى كلفة اقتصادية متزايدة.

والمفارقة أن إسرائيل، التي تسعى إلى تعزيز تفوقها العسكري والتكنولوجي، تجد نفسها أمام معادلة قد يصبح فيها الحفاظ على هذا التفوق عاملًا في إضعاف الأسس الاقتصادية والاجتماعية التي يستند إليها. وإذا كانت التحذيرات الإسرائيلية تتحدث عن فاتورة قد تبلغ ربع تريليون شيكل سنويًا بحلول منتصف القرن، فإن السؤال الأهم ليس حجم هذه الفاتورة وحده، بل من سيدفعها، ومن سيبقى قادرًا على تحمّلها؟

Print Friendly, PDF & Email
حلمي موسى

كاتب متخصص في الشؤون الاسرائيلية

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  لبنان يا "كعك الهوا"!