من ناحية، انتخبت مدينة نيويورك زهران ممداني أول عمدة مسلم لها، وانتخبت ولاية فيرجينيا السيدة غزالة هاشمي أول امرأة مسلمة تتولى منصب نائب حاكم الولاية، وهي المرة الأولى التي يُنتخب فيها مسلم على مستوى الولاية. وفي ميشيغان، قد يصبح عبد الله السيد (عبدول) أول سيناتور أميركي مسلم. ومن ناحية أخرى، أصبحت الساحة السياسية والإعلامية الأكثر عدائية في سياساتها وخطابها المتعلق بالإسلام والمسلمين، مع ارتفاع حوادث وحالات الإسلاموفوبيا، خاصة مع اقتراب حسم انتخابات الكونغرس في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر.
***
تبنّى الرئيس دونالد ترامب سياسات عدائية منذ وصوله الأول إلى الحكم، وبدأها بالدعوة إلى حظر كامل لدخول مواطني عدة دول إسلامية إلى الأراضي الأميركية. ثم عمل ترامب على استقطاب الناخبين العرب والمسلمين في ولايات مهمة كميشيغان وبنسلفانيا، مستغلاً إحباطهم من إدارة جو بايدن بشأن الإبادة الجماعية في قطاع غزة. وعادى ترامب النائبتين المسلمتين في مجلس النواب، إلهان عمر ورشيدة طليب، وهما مواطنتان أميركيتان، وطالب بعودتهما من حيث أتتا. ولا يتوقف ترامب عن مهاجمة المرشح عبدول، ويصفه بالجهادي والمتطرف والإرهابي، وبالانتماء إلى جماعات إرهابية. وفي مؤتمر انتخابي حاشد في ولاية جورجيا الأسبوع الماضي، قال ترامب إنه إذا لم تكن متأكداً من اسم شخص من الشرق الأوسط، فعليك أن تخمّن «محمد»، وذكر ذلك بصورة ساخرة. ولا تتردد إدارة ترامب في دفع إدارة الهجرة الفيدرالية إلى استهداف الصوماليين الأميركيين، خاصة في ولاية مينيسوتا، في الوقت الذي تُعامل فيه أصحاب الخطاب المؤيد للفلسطينيين كتهديد أمني، مما أدى إلى اعتقال العديد من الطلاب والنشطاء، ومن أهمهم طالب جامعة كولومبيا محمود خليل.
ومع اشتداد حدة الخطاب الانتخابي لانتخابات الكونغرس، حذّرت إعلانات الجمهوريين التلفزيونية في عدة ولايات من «الإسلام المتطرف» و«فرض الشريعة الإسلامية». ورصد “مركز دراسة الكراهية المنظمة” أكثر من 1,100 منشور لـ46 مرشحاً جمهورياً تستهدف المسلمين الأميركيين بالتمييز أو بنظريات المؤامرة. وبسبب وصوله إلى خط النهاية في انتخابات مجلس الشيوخ، أصبح عبد الرحمن السيد محور الهجمات الجمهورية؛ إذ وصفه نائب الرئيس جي دي فانس بأنه «شرير جداً»، واتهمه بالدفاع عن الإرهاب، في حين صنّفت ولايتا تكساس وفلوريدا مؤسسة «كير» (مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية)، وهي منظمة حقوقية تدافع عن حقوق مسلمي أميركا، منظمةً إرهابية.
***
من ناحية أخرى، تشهد أميركا تحولاً إيجابياً مستمراً منذ أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. فقد أفاد معهد «غالوب» بأنه، ولأول مرة منذ أن بدأ إجراء الاستطلاعات عام 2001 حول نسب تعاطف الأميركيين مع الفلسطينيين والإسرائيليين، عبّرت نسبة أكبر من الأميركيين عن تعاطفها مع الفلسطينيين (41%) مقارنة بالإسرائيليين (36%). وقبل ثلاث سنوات، كانت النسب مختلفة تماماً، حيث كان الإسرائيليون متقدمين بأكثر من 20 نقطة. كما وصل الدعم لإنشاء دولة فلسطينية مستقلة إلى 57%، وهو أعلى مستوى في تاريخ هذا الاستطلاع، في حين أن الأميركيين فوق سن الـ55 لا يزالون أكثر تعاطفاً مع الإسرائيليين، والتعاطف مع الفلسطينيين لا يُترجم بالضرورة إلى عداء لإسرائيل.
وبالنسبة إلى العديد من المسلمين الأميركيين، الذين شعروا منذ زمن طويل بأن قلقهم على غزة وضعهم على هامش الثقافة السياسية الأميركية، تُعدّ هذه الأرقام دليلاً على تغيّر مجتمعي مهم، وإن كان لم يصل بعد إلى مستوى السياسات الرسمية. وهذا تطور لافت للنظر؛ إذ يساعد هذا التحول في تفسير كلٍّ من تزايد ثقة المسلمين السياسية من ناحية، وعدائية ردود الفعل السلبية ضدهم من ناحية أخرى. وعندما تنتقل المشاعر المؤيدة للفلسطينيين من احتجاجات الحرم الجامعي إلى أوساط الناخبين، يصبح المرشحون المسلمون الذين يعبّرون عنها أكثر قابلية للفوز، وبالنسبة إلى خصومهم أكثر تهديداً.
***
أن تكون مسلماً أميركياً في عام 2026 يعني أن تتوقع واقعين: الأول مظلم، يتمثل في القلق من سلوك عنصري أو إهانة عابرة، أو أن تشاهد أنت وأولادك إعلاناً تلفزيونياً يشيطن عقيدتك ويشكك في وطنيتك وأميركيتك، أو أن تستهدفك أجهزة إنفاذ القانون بسبب مواقفك السياسية. والواقع الثاني مشرق؛ فمع وصول مرشح إلى عتبة مجلس الشيوخ، واقتراب 7 مرشحين من عضوية مجلس النواب، وعشرات المرشحين من تولّي مناصب في العديد من الولايات، لم يعد المسلمون الأميركيون مجرد متفرجين؛ بل هم مواطنون وناخبون ومنظّمون ومرشحون، وبشكل متزايد، أصبحوا جزءاً من الجدل العام حول من هو الأميركي.
***
قبل ربع قرن، لم يتخيّل أحدٌ من أبناء مسلمي أميركا أن يُعيد يوم 11 سبتمبر تشكيل حياتهم السياسية والاجتماعية والأمنية لعقود قادمة. فبين ليلة وضحاها، تحوّل مسلمو أميركا من أفراد عاديين يمارسون حياتهم كأي أميركيين آخرين، إلى موضع شك واتهام جماعي لم يسبق له مثيل في التاريخ الأميركي الحديث. واليوم، بعد خمسة وعشرين عاماً، تبدو المفارقة صارخة: فالجالية نفسها التي وُضعت تحت المراقبة وشبكة من الشكوك، تقف الآن أمام أكبر فترة صعود سياسي في تاريخها.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
