أميركا أنهت حقبة ترامب.. هل ينتقم من إيران؟

بعد أدائه اليمين الدستوري في 20 كانون الثاني/يناير 2025، رئيساً لولاية ثانية، وعد دونالد ترامب، الجمهوريين، على دوي تصفيق حاد، بأنهم "سيتعبون من الفوز" من الآن فصاعداً. بعد أقل من سنتين على هذا الوعد، قاد ترامب حزبه الجمهوري إلى هزيمة مدوية في الانتخابات النصفية، سيتردد صداها، لا محالة، في الانتخابات الرئاسية في 2028.

لنبدأ من قراءة النتائج داخلياً، وهنا تتبدى ملامح الخسارة السياسية الفادحة التي مُني بها ترامب الذي يتحكم بكل مفاصل الحزب الجمهوري منذ عام 2016. لقد حافظ الديموقراطيون على مقاعدهم في مجلس الشيوخ واخترقوا معاقل للجمهوريين لم تكن في عداد الولايات المتأرجحة. وعلى سبيل المثال، انتزع الديموقراطيون مقعد مجلس الشيوخ ومنصب حاكم ولاية تكساس للمرة الأولى منذ عام 1994. وفازوا بمقعد مجلس الشيوخ في كارولينا الجنوبية وبمنصب حاكمية جورجيا للمرة الأولى منذ 1998. وأحدثت تكساس المفاجأة الأكبر، بإرسالها ديموقراطياً ليمثلها في مجلس الشيوخ للمرة الأولى منذ عام 1932. هذا المد الأزرق لم يحدث منذ عام 1974، عندما هيمنت فضيحة “ووترغيت” على الانتخابات النصفية، والتي أرغمت الرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون على التنحي. وفي ميشيغان، هزم الديموقراطي عبد الرحمن السيّد (عبدول) عضو مجلس النواب السابق الجمهوري مايك روجرز، المرشح الذي اختاره ترامب. وسيكون السيّد أول مسلم يشغل مقعداً في مجلس الشيوخ. وبدا أن التلاعب بالدوائر الانتخابية في العامين الماضيين، قد باء بالفشل أيضاً، مثلما فشل الرهان بأن يصب الخلاف بين أجنحة الديموقراطيين في هذه الولاية لمصلحة الجمهوريين.

هذه الملاحظات ضرورية للتدليل على كيف نجح الديموقراطيون في التمدّد ديموغرافياً وجغرافياً. وحتى ظهيرة الأربعاء، حصدوا 54 مقعداً في مجلس الشيوخ مقابل 44 مقعداً للجمهوريين، و231 مقعداً في مجلس النواب مقابل 144.

حرب إيران

في معرض تبريره الهزيمة القاسية، إعترف ترامب بأن حرب إيران لعبت دوراً في ذلك. لكنه أضاف إلى ذلك سبباً آخر، وهو عدم وجود اسمه على لوائح المرشحين. إلا أن صحيفة “النيويورك تايمز” أحصت 47 مرة ردّد فيها ترامب “تخيلوا أن أسمي على اللائحة”. النتيجة كانت أن كل المرشحين الذين اختارهم ترامب قد هُزموا. وبعض المحللين يعزون الأداء السيىء للجمهوريين إلى دخول الرئيس القوي على خط التجمعات الانتخابية في الشهر الأخير، في وقت كانت شعبيته في أدنى مسوياتها منذ 2016، إذ بلغت 31 في المائة.
وليست إيران، هي العنوان الوحيد لسخط الناخبين على ترامب والجمهوريين. مشاعر الاستياء بدأت بالتبلور منذ الحروب الجمركية التي شنّها ترامب منذ يومه الأول في ولايته الثانية، وأتت حرب إيران في 28 شباط/فبراير الماضي، لتتسبب بارتفاع غير مسبوق منذ عقود في أسعار الوقود والأسمدة الزراعية والمواد الغذائية. ولم تجد كل الإجراءات التي اتخذها ترامب في خفض سعر غالون الديزل عن 6 دولارات وفي بعض الولايات بلغ أكثر من 8 دولارات، بينما غالون البنزين بقي فوق الـ4 دولارات. ولم يقتنع الناخبون بوعد ترامب المتكرر بأن الأسعار ستنخفض بقوة فور الانتهاء من حرب إيران، كما أنهم لم يأخذوا على محمل الجد فرضيته، بأن الثمن الزائد الذي يدفعونه، لا يقارن بما سيكون عليه الوضع لو امتلكت إيران سلاحاً نووياً.

لقد بدأ التصدع في قاعدة ترامب الانتخابية المعروفة بتيار “ماغا” منذ اتخاذه قرار الحرب في 28 شباط/فبراير الماضي، على أساس أن تستمر أربعة أسابيع كـ”نزهة قصيرة”، فإذا بها تمر الآن بشهرها التاسع، من دون أن يلوح مخرج منها. ناشطو “ماغا” أيدوا ترامب على أساس دعوته منذ ولايته الأولى، إلى انهاء الحروب الأبدية للولايات المتحدة في الخارج، وتبني سياسة “أميركا أولاً”.

التورط في إيران، هوى بشعبية ترامب. وقال 60 في المائة من الناخبين إنهم غير راضين على أدائه. وصوتت نسبة 81 في المائة من هؤلاء للديموقراطيين، في وقت تدنت فيه نسبة إقبال الجمهوريين على الاقتراع، على عكس ما حصل في الانتخابات النصفية في 2022.

إبستين والمهاجرون والفساد

وانفضت أعداد كبيرة من الناخبين عن ترامب بسبب سياساته الداخلية، خصوصاً قراراته المتعلقة بالترحيل الجماعي للمهاجرين، ما أغضب الأميركيين من أصول لاتينية. وجاءت التغطية على ملفات الجرائم الجنسية التي ارتكبها جيفري إبستين، لتثير استياء الكثيرين.

كما أن الفساد الحكومي احتل حيزاً رئيسياً في اهتمامات الناخبين. ولفتت مجلة “الأتلانتيك” الأميركية النظر إلى أن أصدق مثال على ذلك أن بارون، الإبن الأصغر لترامب والبالغ من العمر 20 عاماً، وهو طالب جامعي، تقدر ثروته الصافية بنحو 150 مليون دولار، معظمها من شركة العملات الرقمية العائلية. أما ثروة الرئيس نفسه، فتشير التقديرات إلى أنها نمت بنحو 2.7 مليار دولار منذ بداية ولايته الثانية، لتصل إلى نحو 7 مليارات دولار. وفوق هذا وذاك، يوظف ترامب القضاء للانتقام من خصومه على غرار ما يحصل مع المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيديرالي “إف بي آي” جيمس كومي، الذي سبق أن تولى التحقيق في شبهة “التدخل الروسي” في انتخابات 2016. ولا يقل عن كل ذلك، شغف ترامب بإطلاق اسمه على كل المعالم البارزة في الولايات المتحدة، بدءاً من مركز كينيدي الثقافي.

إقرأ على موقع 180  من فنزويلا إلى غرينلاند.. أزمة التحالف الغربي في زمن ترامب

ولاحظت مجلة “الإيكونوميست” البريطانية، أن “ترامب بدل أن يقدم دفاعاً متماسكاً عن سجله، فإن خطابه تضمن ادعاءات زائفة بأن الدكتور عبد الرحمن السيّد الملقب بـ”عبدول”.. “جهادي”، وتفاخر بأنابيب جديدة في بركة المياه العاكسة في واشنطن العاصمة، وبقوس النصر الضخم الذي سيبنيه، وبقاعة الرقص في الجناح الشرقي من البيت الأبيض.

ماذا بعد الهزيمة؟

الآن، يشبه ترامب الساحر الذي لم يعد في قبعته مزيداً من الأرانب لإطلاقها.

ومع أنه أقر بالإخفاق ومد يده إلى الديموقراطيين، الذين كان يصفهم بالأمس بالشيوعيين، فإن طبيعته التي ترفض الهزيمة قد تحمله على اتخاذ قرارات كبرى خصوصاً في الملفات الخارجية وفي مقدمها إيران. لم يكن من قبيل الصدفة أن يحذر الإعلامي المشهور تاكر كارلسون الذي كان يوماً من أشد المؤيدين لترامب، من أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعى هذه الأيام إلى اقناع ترامب بقصف “جبل الفأس” في إيران بقنبلة نووية تكتيكية، نظراً إلى أن القنابل التقليدية، لن تكون قادرة على الوصول إلى أعماق هذا الموقع، الذي يزعم نتنياهو أن إيران استأنفت أنشطتها النووية داخله.

ومهما يكن من أمر، فإن الهزيمة لا بد وأن تدفع الحزب الجمهوري إلى اعادة النظر في هيمنة ترامب على الحزب. وتقع الآن على عاتق نائب الرئيس جي. دي. فانس مسؤولية عقلنة الحزب وانقاذه من السياسات العشوائية التي أقحم ترامب الحزب فيها. فهل يستطيع؟

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  هل تآمر أقرب حلفاء الأردن للإطاحة بملكه؟