في تصريح آخر أكثر حدّة، ومعبرًا عن الأزمة نفسها، وصف الرئيس الألماني «فرانك فالتر شتاينماير» السياسة الأمريكية بأنها تشبه «وكر لصوص». وتكمن خطورة هذا التصريح في دلالاته ورسائله؛ إذ لم يحدث من قبل أن وُصفت السياسة الأمريكية بمثل هذه الأوصاف، التي تخرج بحمولاتها المتفجرة عن مقتضيات الدور البروتوكولي في السياسة الألمانية.
ومع تواتر عبارات مماثلة من مسؤولين أوروبيين كبار، سواء بالمواربة الدبلوماسية أو بالعبارات الغليظة، يكاد التحالف الغربي أن تتقوض أسسه ومؤسساته السياسية والعسكرية، وأن تنهار صورة الولايات المتحدة في أعين الأوروبيين والحلفاء الآخرين.
وبإمعان الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» في الاستهزاء بالحلفاء، دون اكتراث بمخاوفهم، تتبدى الآن إشارات إضافية عن قرب نهاية النظام الدولي والتحالف الغربي وذراعه العسكرية، حلف «الناتو»، دون أن يولد نظام جديد من تحت أنقاضه.
إثر اختطاف «مادورو»، فُتحت ملفات، وتبدّت مخاوف من أن تفلت العلاقات الدولية من أي قواعد قانونية وأخلاقية، حيث يصبح كل شيء ممكنًا ومتاحًا بالقوة المجردة.
في الأيام الأولى، تصدّر المشهد سيدتان قويتان:
الأولى، الرئيسة المؤقتة «ديلسي رودريغيز»، التي وجدت نفسها في مأزق سياسي وإنساني يصعب تجاوزه دون أثمان باهظة. فإذا ما اصطدمت بـ«ترامب»، فقد تُعرّض بلادها لمصاعب إضافية غير محتملة، وإذا ما أذعنت لمطالبه ونواهيه، فإنها تفرّط بإرث بلادها في استقلال القرار الوطني والحفاظ على ثرواتها الطبيعية، تحت كل الضغوط.
والثانية، «سيليا فلوريس»، زوجة «مادورو»، التي ربما تعرّضت لضرب مبرح على الوجه، بحسب صور متداولة على نطاق واسع، من دون الجزم بصحتها. وإذا ما صحت واقعة الاعتداء البدني عليها، فإنها تشكّل شهادة جديدة على طبيعة «العدالة الأمريكية»، تذكّر بما حدث لـ«صدام حسين» بعد احتلال العراق عام (2003).
لم تهتم إدارة «ترامب» بأي عملية سياسية ذات جدوى؛ فكل ما يعنيها هو إدارة النفط والمكاسب التي تجنيها، من دون غطاء سياسي أو قانوني أو أخلاقي.
وُضعت فنزويلا تحت الوصاية: لا انتخابات قريبًا، ولا في أي مدى منظور.
إدارة النفط أولًا وأخيرًا وفق ما تقتضيه المصالح الأمريكية، ولا شيء آخر.
وبتعبير آخر استخدمته المتحدثة باسم البيت الأبيض: «الحد الأقصى من النفوذ».
على الفور، بدأت الإدارة الأمريكية في ترهيب كولومبيا وكوبا؛ الأولى بعملية عسكرية مماثلة إذا لم يستجب رئيسها «غوستافو بيترو» لمطالب «ترامب» وإملاءاته، والثانية بتشديد الحصار عليها حتى تسقط من تلقاء نفسها، أو بإثارة الفوضى داخلها.
وكان احتجاز ناقلة نفط روسية، بذريعة نقلها نفطًا فنزويليًا تصفه واشنطن بأنه غير مشروع، تعبيرًا عن قوة أفلت عقالها؛ فلا قانون دوليًا، ولا خشية من ردع.
وفي خضم هذه الأجواء، أصدر الرئيس الأمريكي قرارًا تنفيذيًا ينص على الانسحاب من (66) منظومة دولية، ووقف تمويلها، بذريعة أنها «لم تعد تخدم المصالح الأمريكية»، وفق نص القرار.
وهذا يعني، بالضبط، التحلل الكامل من أي أدوار صاحبت صعود القوة الأمريكية، كأن القوة المجردة كافية بذاتها!
بدت المساجلات الحادة بين الأمريكيين والأوروبيين حول جزيرة غرينلاند كاشفة بذاتها عن عمق الخلل في بنية العلاقات داخل التحالف الغربي. يطلب «ترامب» الاستيلاء عليها بالشراء أو بالقوة العسكرية، وعينه على ثرواتها من المعادن النفيسة.
لأزمة غرينلاند وجهان: أولهما جيوسياسي، حيث تُستخدم الجزيرة الواقعة في القطب الشمالي لمراقبة التحركات الروسية وتأمين خطوط الملاحة الجديدة، والآخر اقتصادي، بثقل ما تملكه من ثروات.
الأولوية الترامبية القصوى هي نهب ثرواتها، لعلّه يخفف من أزمته الاقتصادية التي تهدد شعبيته.
الدنمارك، صاحبة السيادة على الجزيرة، تقول: «إنها ليست للبيع»، لكنها منفتحة على التعاون الاقتصادي والاستثماري، وتلبية المطالب الأمريكية الاستراتيجية في إطار حلف «الناتو». غير أن واشنطن مصرة تمامًا على الاستيلاء عليها.
الروس مهتمون، لأسباب استراتيجية وعسكرية، بما قد تسفر عنه الأزمة المشتعلة داخل البيت الأطلسي؛ حيث تقف الولايات المتحدة في ناحية، وبقية الحلفاء التقليديين في ناحية أخرى.
الصين، بدورها، تتابع الأزمة وعينها على الفرص الاستثمارية المتاحة.
مستقبل حلف «الناتو» على المحك، والدنمارك، المهددة بالغزو الأمريكي، عضو فيه.
نظريًا، «الناتو» مطالب بالدفاع عنها… عمليًا، هذا مستحيل.
إنها الأزمة الوجودية الأخطر التي تعترضه منذ تأسيسه عام (1949).
تحت أفق عواصف ما بعد اختطاف «مادورو»، تبددت سيناريوهات وافتراضات لتدخلات أمريكية عسكرية في مناطق عديدة من العالم، بذريعة وجود ثروات طبيعية فاتحة لشهية القراصنة الجدد في نيجيريا وليبيا وإيران، غير أن «ترامب» ليس مطلق السراح.
فبقرار مفاجئ من مجلس الشيوخ الأمريكي، جرى منعه من الإقدام على أي عمل عسكري إضافي في فنزويلا من دون تفويض من الكونغرس.
ورغم ادعاء «ترامب» أن القرار «غير دستوري»، فإنه يفرض قيودًا مشددة على حركته السياسية والعسكرية معًا، داخل فنزويلا وخارجها.
ماذا قد يحدث تاليًا؟
بتقدير «ترامب»، موجّهًا حديثه إلى أنصاره الجمهوريين:
«سأُعزل من منصبي إذا لم نفز في الانتخابات النصفية المقبلة».
(*) بالتزامن مع “الشروق“
