“كورونا” يخنق سوق النفط… والشركات الأميركية أولى الضحايا

لن تستعيد سوق النفط توازنها كما كان مأمولاً بعد الاتفاق على خفض الإنتاج بين منتجي النفط من داخل منظمة "أوبك" ومن خارجها. الاتفاق الذي وُصف بالتاريخي نصّ على خفض قدره 9.7 ملايين برميل يومياً وهو الأكبر منذ تأسيس "أوبك"، تُضاف إليه تخفيضات تعهدت بها الولايات المتحدة وكندا وبعض الدول الأعضاء في مجموعة العشرين ليصل مجموع الخفض إلى عشرين مليوناً. لكن يبدو أن حسابات الحقل لم تطابق حسابات البيدر وخابت محاولات المنتجين لرفع السعر العالمي لبرميل النفط بسبب انهيار الطلب بالتوازي مع تعطل النشاط الاقتصادي الذي فرضته جائحة كوفيد-19. 

إنهيار الطلب على النفط 

 

أكدت منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” انهيارَ الطلب العالمي على النفط خلال عام 2020 بسبب الشلل الاقتصادي الناجم عن جائحة كوفيد-19، وتوقعت في تقريرها الشهري أن يصل الاستهلاك العالمي إلى 92.82 مليون برميل يومياً هذا العام، مسجلاً انخفاضاً “غير مسبوق” بنحو 6.85 ملايين برميل يومياً مقارنة بعام 2019.

وكانت وكالة الطاقة الدولية قد حذرت من أن خفض إنتاج النفط عالمياً لن يعوّض بالكامل خسائر الطّلب في السوق في الأجَل القريب، وتوقعت أن ينخفض الطلب على النفط عام 2020 بمعدل 9.3 ملايين برميل يوميا مع الإشارة إلى أن شهر نيسان/ابريل الحالي ربما يكون الأسوأ على الإطلاق.

الوكالة الدولية أضافت أن انهيار الطلب في الربع الثاني من العام، حتى مع انخفاض العرض، سيؤدي الى زيادة المخزونات بمقدار 17.4 مليون برميل يومياً، ما يعني أن جهود “أوبك+” لن تكفي لتحقيق الاستقرار الفوري في السوق.

إذاً، تبدو حسابات منتجي النفط ضمن مجموعة “أبك+” موضع شك في سوق النفط رغم تعهدها بخفضٍ يمثل نحو 20% من الطلب العالمي قبيل الأزمة، علماً بأن وكالة الطاقة الدولية شككت في إمكانية تنفيذ الخفض المُقرر، وقالت إنها تنتظر مزيدا من التفاصيل المتعلقة بالتزام كل دولة بتخفيضات الإنتاج المزمعة، كما تنتظر المقترحات المتعلقة بزيادة المخزون الاستراتيجي لدى كل دولة.

وأوضحت وكالة الطاقة أن تحويل كميات من النفط إلى المخزونات الاستراتيجية قد يعادل سحب نحو مليوني برميل يوميا من السوق،  لكن هذا لا يصل إلى إجمالي العشرين مليون برميل المزمعة.

برغم تفاعل المستثمرين مع القرار الصادر عن “أوبك+” وارتفاع الأسعار قليلاً في ردة الفعل الأولية في السوق، يتذبذب سعر برميل “برنت” وهو خام القياس المرجعي، كما يتذبذب سعر خام “غرب تكساس” بسبب الضبابية التي تلف مستقبل أسواق النفط، مع صعوبة تحديد الأمد الزمني للأزمة التي سبّبها الفيروس المستجد من فصيلة كورونا، إضافة إلى كون الصين وهي أكبر مستورد للنفط في العالم، ستسغرق وقتاً قبل أن تستعيد كامل طاقتها الإنتاجية وتعود إلى شراء النفط واستهلاكه كسابق عهدها، مع العلم بأنّ ثلث مشتريات النفط في الصين يأتيها من دول منظمة “أوبك” ومن روسيا.

جهود “أوبك+” لن تكفي لتحقيق الاستقرار الفوري في السوق.

وكانت مجموعة “أوبك+” التي تضم 23 دولة مصدرة للنفط، منها 13 دولة عضوا في منظمة “أوبك”، قد اتفقت على خفض قدره 9.7 ملايين برميل يوميا في شهري أيار/مايو وحزيران/يونيو المقبلين مع إعفاء كل من إيران وليبيا وفنزويلا من الخفض، على أن تتقلص هذه التخفيضات إلى 8 ملايين برميل يوميا حتى نهاية 2020، ثم إلى 6 ملايين برميل حتى نيسان أبريل 2022.

قد يبدو انهيار اسعار النفط نتيجة طبيعيّة لتوقّف الدول عن الشراء في ظل توقف نشاط المصانع وحركة النقل الجوي والبري والبحري ومختلف الأنشطة الاقتصادية بسبب جائحة كوفيد-19، غير أن الجائحة تزامنت مع “حرب” غير معلنة بين روسيا والسعودية سلاحُها زيادة العرض البترولي في الأسواق المتخمة أصلاً، حيث كانت السعودية تنوي ضح 12 مليون برميل يومياً. ومع لجوء غالبية دول العالم إلى الحجر أو العزل للحد من انتشار الفيروس المستجد، وخصوصاً في الصين، أكبر مشترٍ للنفط في العالم، تفاقمت الاضطرابات في السوق وتضررت كبرى شركات النفط العالمية وعلى رأسها الشركات الأميركية التي اضطرت إلى وقف أنشطتها أو إلى تقليص ميزانياتها.

الشركات الأميركية تتنفس

 

الشركات الأميركية تبدو الحلقة الأضعف في حرب الأسعار بسبب ارتفاع تكاليف إنتاج النفط الصخري الأميركي. بعد الإعلان عن قرار خفض الإنتاج تنفست الشركات الأميركية الصعداء وسارع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى شكر كلٍّ من روسيا والسعودية في سلسلة تغريدات عبر “تويتر” قال فيها إن الاتفاق سينقذ مئات الآلاف من الوظائف في قطاع الطاقة الأميركي وإن صناعة الطاقة ستكون قوية مرة أخرى.

وأضاف “بحكم انخراطنا في المفاوضات، الرقم الذي تتطلع أوبك+ لبلوغه، هو خفض الإنتاج بواقع 20 مليون برميل يومياً وليس 10 ملايين”.

ترامب الذي لم يشارك في اجتماع “أوبك+” رغم انعقاده بتقنية الفيديو كونفرانس، لن يتوقف عن الدفع باتجاه إجراء المزيد من التخفيضات في الإنتاج بعدما مارس ضغوطاً على السعودية وصلت إلى حدّ التهديد كي تقوم بما يلزم من أجل رفع الأسعار التي انخفضت إلى أدنى مستوياتها في 18 عاماً ولامست 20 دولاراً للبرميل، ما أفقد الشركات الأميركية أيّة جدوى من استخراج النفط الصخري الذي قد تصل كلفة استخراجه إلى 75 دولاراً في بعض الأحيان.

ولعلً ترامب هو أول رئيس أميركي يتبنى الدفاع عن أسعار النفط المرتفعة ويقدم تنازلات في سوق النفط. كيف لا، وقطاع الطاقة الأميركي كان من أكبر المتبرّعين لحملاته الانتخابية وللحزب الجمهوري.

وكانت وكالة “بلومبيرغ”  أكدت أن واشنطن زادت الضغط على المسؤولين السعوديين من أجل الإسراع في إبرام اتفاق لخفض إنتاج النفط العالمي. وقالت الوكالة إن أعضاء جمهوريين من مجلس الشيوخ تحدثوا إلى وزير النفط السعودي عبر الفيديو، وهددوا بقطع المساعدات عن السعودية إذا لم تخفض إنتاجها وتنهي حرب الأسعار التي بدأتها الشهر الماضي.

بدورها كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن أن السعودية تعرضت لضغوط أميركية لتقديم تنازلات لصالح المكسيك، بعدما نشب خلاف بينهما أثناء المحادثات كاد يطيح الاتفاق، وساهمت الولايات المتحدة في حل الخلاف عندما ارتضت أن تضيف إلى الخفض المطلوب منها، 250 ألف برميل في اليوم، لتعويض الخفض المطلوب من المكسيك التي قررت الاكتفاء بخفض 100 ألف برميل يوميا.

 

مستقبل أسواق النفط

توقعت دراسة نشرها مركز “كارنيغي” أن يكون مستقبل أسواق النفط قاتماً حتى نهاية العام الحالي وأن الاقتصاد العالمي والطلب على النفط سيحتاجان إلى بعض الوقت للتعافي من آثار جائحة كوفيد-19 التي تمثل واحداً من أكبر الأسئلة الغامضة في عام 2020، وفق ما ورد في الدراسة. وشددت على أن مصلحة الأسواق لا تكمن في كون الأسعار مرتفعة أو منخفضة بل في الاستقرار ووضوح الرؤية، وهو أمر لن يتحقق هذا العام.

إذا صحّت هذه التوقعات فإن منتجي النفط الصخري الأميركي لن يتمكنوا من مواصلة الإنتاج، وقد تكرّ سُبحة إفلاسات الشركات في استعادةٍ لسيناريو حرب الأسعار بين عامي 2014 و2016 حين عجز منتجو النفط الصخري عن الصمود في وجه انخفاض الأسعار.

ولن يقتصر الضرر على المنتجين الأميركيين إذ يتوقع أن يواجه المنتجون الصغار من خارج مجموعة “أوبك+” صعوبات جدية في متابعة نشاطات التنقيب والحفر والاستخراج على الرغم من التطور التقني والخفض النسبي للتكاليف.

قد تكرّ سُبحة إفلاسات الشركات في استعادةٍ لسيناريو حرب الأسعار بين عامي 2014 و2016.

أما كبرى الدول المصدِّرة للنفط، فستشهد تراجعاً ملحوظاً في مداخيلها ولا سيما إذا كانت تعوّل على عائدات النفط في ميزانيتها، أو إذا كانت قد بنت موزانة السنة المالية الحالية على أساس سعر مرتفع لبرميل النفط، وبالتالي فإن احتساب السعر الأدنى المقبول لديها لا يكون بناء على تكلفة الاستخراج بل على الموازنة الحكومية.

وتكشف نظرةٌ شاملة على موازنات الدول المصدّرة للنفط ولا سيما في الخليج أنه لا يناسبها انخفاض سعر البرميل إلى ما دون 45 دولارا.

مهما يكن من أمر، فإن الأسعار المنخفضة تكون مفيدة للمستهلكين وبإمكان الصين والهند وغيرها من الدول المستهلِكة، الاستفادة من الفرصة لملء مخزوناتها الاحتياطية بأسعار رخيصة، إلى حين انجلاء الأزمة التي يسببها “التواطؤ” بين الفيروس المستجد والفائض المستمر في الأسواق العالمية.

اليسار كرم

صحافية لبنانية متخصصة في الاقتصاد

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
online free course