شيفرة زيارة ظريف لسوريا… بين غارة اسرائيل وهجوم “داعش”

لم يكن من السهل ابتداءً أن تُفكّ شيفرة الزيارة التي قام بها وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف إلى دمشق وسط جائحة "كورونا" وقراءة خلفياتها وأهدافها الحقيقية، حتى جاء الاعتداء الاسرائيلي على منطقة البادية السورية بالتزامن مع الزيارة، لكي يرفع من سقف التكهنات ويضع الزيارة في خانة مغايرة لما جرى الإعلان عنه حتى الآن.

لم تطرأ على الملف السوري أية تطورات بارزة تبرر إقدام وزير الخارجية الايراني في هذا التوقيت (يوم الاثنين) على الوفاء بزيارته لدمشق المستحقة أساساً منذ منتصف شهر آذار/مارس، والتي تم تأجيلها بسبب جائحة كورونا. وبما أن الخارجية الايرانية كانت قد أعلنت في وقت سابق أن زيارات ظريف في هذه المرحلة ستقتصر (بسبب كورونا) على “الرحلات المصيرية والمهمة” فقد بدا أن وصول رئيس الدبلوماسية الايرانية مدججاً بوسائل الوقاية الصحية من الفيروس التاجيّ إلى العاصمة السورية يحمل في طياته ما هو أبعد بكثير مما جرى الإعلان عنه في وسائل الإعلام.

وباستثناء الإعلان المتزامن مع الزيارة عن تحديد موعد لعقد اجتماع “عن بعد” لوزراء خارجية الدول الضامنة لمسار أستانا – إيران وروسيا وتركيا – بعد غدٍ الاربعاء، لم يرشح عن لقاءات ظريف مع الرئيس السوري بشار الأسد من جهة ووزير الخارجية وليد المعلم من جهة أخرى، ما يكفي لإضفاء البعد المصيري من أجل تفسير توقيت الزيارة.

ولا يبدو أن تحديد موعد اجتماع أستانا الوزاري قادرٌ لوحده على تجسيد مهمة “المفسِّر” خاصة أن الاجتماع بحد ذاته سيعقد عن بعد في العالم الافتراضي، ما يعني أن التحضير له كان يمكن أن يجري عبر القنوات نفسها من دون أن يتجشم رأس الدبلوماسية الايرانية مشقة السفر وسط التهديدات الصحية التي باتت شغل العالم الشاغل.

وأكدت الوكالة السورية للأنباء “سانا” أن لقاء ظريف – الأسد تناول آخر مستجدات المسار السياسي ومن بينها اللجنة الدستورية وعملية استانا وتطورات الأوضاع في الشمال السوري في ظل التعدي المستمر من قبل تركيا على سيادة وأرض الجمهورية العربية السورية سواء باحتلالها المباشر للأرض أو من خلال زيادة عدد ما تسميه نقاطا للمراقبة والتي هي ليست سوى قواعد عسكرية فعليا. ونقلت عن الرئيس الأسد تأكيده أن تصرفات تركيا على الأرض تفضح حقيقة النوايا التركية من خلال عدم التزامها بالاتفاقات التي أبرمتها سواء في استانا أو في سوتشي والتي تنص جميعها على الاعتراف بسيادة ووحدة الأراضي السورية.

ويبدو أن حالة التفاؤل التي أحدثها اتفاق موسكو لوقف إطلاق النار في إدلب في الخامس من شهر آذار/مارس، قد انتهت صلاحيتها مع بروز دلائل على إخفاق الجهود التركية في إيجاد صيغة مناسبة لتنفيذ البند المتعلق بفصل “المتطرفين” عن “المعتدلين”، وهو ما عكسته تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي عاد إلى لهجة الوعيد والتهديد ضد قوات الجيش السوري في حال أقدمت على خرق اتفاق وقف إطلاق النار.

وتأتي تصريحات أردوغان للتغطية على الجهة الحقيقية التي تعرقل تنفيذ اتفاق موسكو لا سيما البند المتعلق بفتح الطريق الدولي M4 الذي لم يعد خافياً أن “هيئة تحرير الشام” وفصائل أخرى مثل “حراس الدين” هي التي تقف وراءه.

وقد شكّلت زيارة ظريف في هذا التوقيت ما يشبه اللغز السياسي الذي لا يبدو أن فك شيفرته سيكون من السهولة بمكان. ودفع ذلك كثيرين إلى محاولة الاصطياد في المياه العكرة مشيرين إلى وجود تغيير في الاستراتيجية الروسية تجاه الملف السوري، استناداً إلى بعض المقالات واستطلاعات الرأي التي ظهرت في وسائل إعلام روسية، وفيها انتقاد صريح للقيادة السورية، وأن طهران أرادت من وراء إرسال ظريف إلى دمشق وسط هذه “الحملة الإعلامية” –إن صحت تسميتها بذلك- إظهار دعمها للرئيس السوري ووقوفها إلى جانبه، وذلك في رفض صريح لما تروج له بعض وسائل الإعلام الروسية.

نشرُ مقالات تحمل نبرة مختلفة عن مواقف القيادة الروسية في بعض الصحف والمواقع الروسية ليس أمراً جديداً، بل هو أمر مستمر منذ بداية الأزمة السورية.

ويدحض ذلك أن نشر مقالات “غير مرضي عنها” وتحمل في طياتها نبرة مختلفة عن مواقف القيادة الروسية ووزارتي الخارجية والدفاع في بعض الصحف والمواقع الروسية ليس أمراً جديداً، بل هو أمر مستمر منذ بداية الأزمة السورية وطالما شكل ثغرة أمام بعض الجهات لمحاولة دق أسفين في علاقات البلدين.

بيد أن الواقع أثبت مراراً وتكراراً أن علاقات موسكو ودمشق أعمق مما يظن البعض. وقد تجاوز البلدان من المطبات الدولية والاقليمية التي تستهدف إحداث شرخ بينهما، ما تبدو معه تلك المساعي الإعلامية مجرد زوبعة في فنجان لا تقدم ولا تؤخر. ومما له دلالته في هذا السياق أن توقيت نشر المقالات الناقدة للقيادة السورية في بعض المواقع الروسية جاء وسط انشغال موسكو بالدفاع عن دمشق ضد تهمة استخدام غاز السارين والكلور في بلدة اللطامنة بريف حماة عام 2017 التي صدرت عن منظمة حظر الأسلحة الكيمائية في تقريرها الأخير.

وسط هذا الغموض، دخلت تل أبيب على خط زيارة ظريف إلى دمشق عبر غارة استهدفت بعض المواقع في البادية السورية بالقرب من مدينة السخنة. ولم يقتصر الأمر على التزامن الوقتي بين الغارة والزيارة، إذ بات من شبه المحسوم أن الغارات الاسرائيلية تنجذب تلقائياً نحو مواقع انتشار القوات المدعومة من قبل إيران في سوريا.

وكانت الدفاعات الجوية السورية مساء الاثنين لعدوان إسرائيلي في سماء تدمر، بحسب ما افادت وكالة الأنباء السورية “سانا” التي أضافت أن الوسائط الجوية تمكنت من إسقاط عدد من الصواريخ المعادية.

دخلت تل أبيب على خط زيارة ظريف إلى دمشق عبر غارة استهدفت بعض المواقع في البادية السورية بالقرب من مدينة السخنة

بدورها نقلت “روسيا اليوم” عن مصدر عسكري قوله ان “طيراناً مجهولاً استهدف نقاطا للجيش السوري في السخنة والعامرية والتليلة في بادية تدمر..”.

وقد ذكرت “شبكة البادية 24” المعارضة، وهي شبكة محلية مختصة بنقل أخبار البادية السورية،  أن القصف استهدف مواقع للميليشيات الإيرانية في منطقة “تدمر” وبالقرب من مدينة “السخنة” بريف حمص الشرقي.

وأوضحت الشبكة، أن الاهداف التي طالتها عملية القصف تضم مركز قيادة يشرف عليه حزب الله اللبناني قرب السخنة يعنى بمتابعة العمليات بالبادية و معسكر تدريبات خاص بالحرس الثوري الايراني يقع بمنطقة التليلة قرب تدمر بالإضافة للقاعدة الايرانية المتموضعة ضمن مطار تدمر العسكري ومواقع اخرى.

ورغم أن الاعتداءات الاسرائيلية أصبحت جزءاً من المشهد السوري المعقد، وهي تتكرر باستمرار وسط قناعة متزايدة بأن الولايات المتحدة فوضت إلى تل أبيب أمر مواجهة النفوذ الايراني في المنطقة والاشتباك معه عسكرياً، فإنه من النادر أن تتزامن إحدى الغارات الاسرائيلية مع زيارة مسؤول إيراني رفيع إلى دمشق من وزن وزير الخارجية محمد جواد ظريف، لذلك من الصعب التغاضي عن توقيت الغارة الاسرائيلية ونوعية الأهداف التي قصفتها، وما يستبطنه كل ذلك من رسائل مباشرة وغير مباشرة قد تكون تل أبيب أرادت استباق الوقت من أجل إيصالها إلى المعنيين في سوريا وإيران قبل أن يُفضّ الاجتماع بينهما.

ويأتي هذا التدخل الاسرائيلي وسط تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران في أكثر من ساحة وهو ما تجسد مؤخراً في “استفزازات” بحرية دفعت طهران إلى تعزيز دورياتها في مياه الخليج العربي والتحذير بأن إيران سترد بحزم على أي خطأ في الحسابات.

كما أنه يأتي وسط تحركات جديدة تقودها القوات الأميركية في الشرق السوري من أجل تعزيز تواجدها في بعض المواقع وتجديد انتشارها في بعض المناطق التي سبق أن انسحبت منها.

وكانت منطقة السخنة التي استهدفتها الصواريخ الاسرائيلية قد شهدت الأسبوع الماضي أحداثاً غامضة تعددت الروايات حول تفاصيلها وخلفياتها. إذ بينما ذهبت بعض الروايات إلى الحديث عن هجوم كبير لمسلحي تنظيم “داعش” تمكنوا على إثره من السيطرة على المدينة لعدة ساعات قبل أن يتمكن الجيش السوري من استردادها، ذهبت روايات أخرى إلى أن الاشتباكات كانت بعيدة عن مدينة السخنة بما لا يقل عن 50 كيلو متر، وأن السبب هو حملة تمشيط قام بها الجيش السوري ضد خلايا “داعش” بعد ورود انباء عن تسلل مجموعات من داعش إلى مناطق قريبة من مدينة السخنة بهدف الهجوم عليها.

وما أثار الاستغراب أن وسائل إعلام “داعش” لم تذكر شيئاً عن هذه الاشتباكات وتعاملت معها كأنها لم تكن. حتى أن العدد الأخير من صحيفة النبأ (230) الذي أحصى عمليات داعش من غرب أفريقيا إلى غرب العراق لم يتطرق لما جرى في مدينة السخنة رغم أن بعض الأنباء تحدثت عن استشهاد ما يقارب 16 جندياً سورياً هناك، وهي حصيلة لم يكن “داعش” ليتغاضى عنها في هذا التوقيت وهو بأمس الحاجة إلى أي انتصار ولو محدود من أجل رفع معنويات مقاتليه وإثبات أنه ما زال موجوداً على الساحة.

عبدالله سليمان علي

كاتب وصحافي سوري، وباحث في شؤون الجماعات الإسلامية

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download