الصراع الأذري – الأرمني.. أبعد من ناغورنو قره باخ
Armenian soldiers take their position on the front line in Tavush region, Armenia, Tuesday, July 14, 2020. Skirmishes on the volatile Armenia-Azerbaijan border escalated Tuesday, marking the most serious outbreak of hostilities between the neighbors since the fighting in 2016. (Armenian Defense Ministry Press Service/PanPhoto via AP)

بين أذربيجان وارمينيا عداوة لا تنتهي. هو إرث التاريخ الطويل، الذي جعل بؤرة مثل ناغورني قره باخ نقطة ملتهبة في صراعات الامبراطوريات القديمة في منطقة كانت ولا تزال تعتبر مفترق طرق في أوراسيا، وميداناً لصراعات اليوم التي تتداخل فيها التناقضات الجيوستراتيجية وتقاطعاتها، بكل امتداداتها السياسية والاقتصادية، وفي القلب منها ملف الطاقة.

قبل أيام قليلة، اشتبك الأذر والأرمن مجدداً، في نسخة محدثة من صراع مزمن بدأ في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، كفصل من فصول الصراعات الاثنية والقومية التي رافقت انهيار الاتحاد السوفياتي، والتي لم يُحلُّ الكثير من قضاياها النهائية طوال ثلاثة عقود.

صراع عصي على الحل

ليست الاشتباكات بين اذربيجان وارمينيا أمراً جديداً. الأعمال العدائية بين الجانبين بدأت حتى قبل أن تنشأ الحدود الدولية بينهما.

الجذور الحديثة للقصة بدأت في شباط/فبراير عام 1988، حين اشتعلت ومضات الحرب الأولى، التي لُعبت بالكامل في مرحلة انهيار الاتحاد السوفياتي. بحلول تلك اللحظة، كانت الأوضاع مضطربة لعدة أشهر بين الأرمن والأذر، الذين خاضوا نراعهم على أساس عرقي.

برلمان منطقة ناغورنو قره باخ – أو ارتساخ وفق التسمية الأرمنية – تقدم حينها بطلب إلى القيادة السوفياتية لنقل الحكم الذاتي من جمهورية أذربيجان السوفياتية الى جمهورية أرمينيا السوفياتية. لم تكن هناك سوابق لنقل الحكم الذاتي من جمهورية إلى اخرى في تاريخ اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، أقله حين يتعلق الأمر بالضغط الممارس من أسفل الهرم.

حاول المركز في موسكو تسوية الأزمة سلمياً، لكنه فشل، لأسباب منها ما ارتبط بالطريقة الخرقاء التي تم التعامل فيها مع ملف ناغورنو قره باخ، ولا سيما لجهة إهمال المزاج العام على الأرض، ومنها ما اتصل بالتخبط العام الذي كانت تشهده القيادة السوفياتية في مرحلة البريسترويكا، التي الهمت الأرمن للمطالبة بتحقيق ما اعتبروه “عدالة تاريخية ضائعة” تتمثل في اعادة توحيد الأراضي الأرمنية، بما في ذلك إقليم ناغورنو قره باخ.

سرعان ما سُفكت الدماء الأولى، وبدأ الأذريون في الفرار من أرمينيا وناغورنو قره باخ، والأرمن من أذربيجان، قبل تتدحرج كرة النار لتشعل حرباً ضارية، في مطلع التسعينيات، حققت فيها ارمينيا انتصاراً كبيراً، تمثل في سيطرتها الكاملة على ناغورنو قره باخ  – الذي بات جمهورية غير معترف بها – بجانب سبع مناطق اذرية (ممر لاشين)، لولا احتلالها لما أمكن ضمان السيطرة على الاقليم المتنازع عليه.

أذربيجان، بطبيعة الحال، لم تتصالح مع فقدان أراضيها – خاصة أنه من وجهة نظر القانون الدولي، لا تزال ناغورنو قره باخ والأراضي الأخرى أذربيجانية – ويعتقد الأذربيجانيون أنهم سيعيدون الأراضي المفقودة عاجلاً أم آجلاً – في وقت يبدو الأرمن واثقين من قدرتهم على الاحتفاظ بها.

هذا ما يجعل المفاوضات الجارية منذ عام 1992، برعاية مجموعة مينسك (روسيا، الولايات المتحدة، وفرنسا) عاجزة عن تحقيق التسوية النهائية التي تجنب تجدد الاشتباكات مرّة تلو الأخرى.

تكمن صعوبة التسوية في أن الجانب الارمني متوجس من شرط الانسحاب من المناطق السبع المحتلة خوفاً من أن تصبح في المستقبل نقطة انطلاق لهجوم أذري على ناغورنو قره باخ.

في المقابل، تشعر أذربيجان بأنّ الوقت يعمل لصالحها، خصوصاً أن العقدين الماضيين، وما رافقهما من فورة نفطية، عززا التفوّق الأذري على الأرمن من خلال تنامي الناتج المحلي الإجمالي الذي انعكس على الميزانية العسكرية الأذرية التي تفوق وحدها كامل الميزانية العامة لأرمينيا.

من الناحية النظرية، لا يمكن إجراء المفاوضات إلا بشرط واحد: اعتراف أذربيجان باستقلال ناغورنو قره باخ  بالتزامن مع عودة معظم الحزام الأمني ​​المحتل من قبل أرمينيا إلى السيادة الأذرية.

في صفقة كهذه، سيستفيد كلا الطرفين، بحيث تستعيد أذربيجان على الأقل جزءاً من أراضيها، وتتخلص من “شوكة” ناغورنو قره باخ في مجتمعها، وهي الشوكة ذاتها التي يمكن لأرمينيا التخلص منها أيضاً، ذلك أن منح قره باخ وضعية الجمهورية المستقلة من شأنه يحررها من سطورة ما يسمى “مافيا ارتساخ” على الحياة السياسية والمجتمعية في أرمينيا.

ولكن الامر ليس بهذه البساطة، ذلك أن ثمة تطرفاً شعبياً في اذربيجان تجاه قضية ناغورنو قره باخ، يقابله توجس أرمني من تنامي قوة “العدو” الأذري، بما يجعل استمرار حالة اللاحرب واللاسلم تصب في مصلحة الجمهورية القوقازية الصغيرة، طالما أنها في هذه الحال ستحافظ على دعم رسمي من قبل روسيا، التي لولاها لحسم الأذر قضية قره باخ بحكم الأمر الواقع العسكري.

ابعد من قره باخ

مع تعثر التسوية طوال العقود الثلاثة المنصرمة، غالباً ما تنشب مناوشات دورية عبر خط وقف اطلاق النار، وتتطور أحياناً إلى أعمال عدائية أكثر جدية، كما حدث في العام 2016.

ما جرى خلال الأيام لماضية هو شكل مماثل لتلك الأعمال العدائية المتطرفة، ولكن الاشتباكات هذه المرّة تبدو أكثر إثارة للجدل، فالأرمن والأذريون يطلقون النار على بعضهم البعض ليس في ناغورنو كاراباخ، وإنما في أقصى الشمال، وتحديداً في منطقتي توفوز وتافوش المجاورتين، اللتين تقعان عند حدود جورجيا وتبعدان مئات الكيلومترات عن ناغورنو قره باخ، حيث الوضع هادئ الآن.

الأرمن والأذريون يطلقون النار على بعضهم البعض ليس في ناغورنو كاراباخ، وإنما في أقصى الشمال، وتحديداً في منطقتي توفوز وتافوش على مقربة من الحدود مع جورجيا

في الظاهر، تبدو الاشتباكات في هذه النقطة امتداداً للأزمة التاريخية في أرمينيا وأذربيجان، وتحديداً في الشق المتصل بمسألة التثبيت النهائي للحدود الدولية، والتي لم تنجز بعد، نتيجة تعثر التسوية.

لكن ثمة سبباً للاعتقاد بأن المسألة تتجاوز مجرّد “سوء فهم” عملاني، تقدم بسببه الأرمن باتجاه نقطة متنازع عليها.

في يريفان، تجري منذ أشهر، مراقبة دقيقة لتطور الخطاب التصعيدي في باكو، والذي بات معه الرأي العام الأذري مستعداً للساعة الصفر لبدء عملية تحرير ناغورنو قره باخ والمناطق السبع المحتلة بالقوة العسكرية.

أما في باكو، فثمة اعتقاد بأن الأرمن قاموا عمداً باستفزاز خارج منطقة النزاع في ناغورنو قره باخ ومحيطها، بغرض تدخل روسيا ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي بشكل أكثر فاعلية في تناقضات البلدين.

علاوة على ذلك، يعتقد الأذريون أن صعوبة الحوار بين موسكو ورئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان، ذي الأهواء الغربية، دفعت بالأخير إلى افتعال هذا الاستفزاز من أجل اختبار الروس والغرب معاً، وأن ثمة محاولات من جانب باشينيان لأن يظهر لمواطنيه أن روسيا لا تقدم المساعدة لبلاده في الفترات الصعبة، وإن كان هذا التحليل يصطدم بواقع لا يمكن لأحد تجاهله، وهو أن روسيا هي الضمانة الوحيدة لحماية أرمينيا الضعيفة عسكرياً في مواجهة غريمتها، وبالتالي فإنّ أيّ محاولة للاخلال بالعلاقة مع موسكو سيمثل بالنسبة إلى الأرمن قفزة حرة في اتجاه الهاوية.

 ثمة نسخة أخرى، تتجاوز ثنائية باكو – يريفان، وتنطلق من طبيعة المنطقة التي وقع فيها الاشتباك الآخر (توفوز – تافوش)، والتي تتسم بطابع استراتيجي لكونها نقطة وصل ليس لأنابيب النفط من أذربيجان إلى أوروبا (عبر البوابة التركية) بل  لشبكة طرق اساسية في القوقاز.

هذا ما يدفع بعض المحللين إلى اعتبار الاشتباك الأخير محاولة من روسيا – عبر حليفتها أرمينيا – لتوجيه رسائل إلى الأميركيين، بشأن امكانية تعطيل خطوط الامداد عبر القوقاز، لا سيما بعد التضييق الأميركي المتواصل على خط “نورد ستريم”، ومحاولة تحجيم خط “تورك ستريم”، علاوة على لعبة الطاقة الجارية في شرق المتوسط في السنوات الأخيرة.

وبالرغم من أن هذا التحليل تدعّمه الوقائع على الأرض في الصراع الكبير على امدادات الطاقة في أوراسيا، إلا أن نقطة ضعفه تكمن في حقيقة أن اشتعال حرب القوقاز هو آخر ما تبتغيه روسيا، التي أمر رئيسها بإجراء تدريبات عسكرية مفاجئة على الجبهة القوقازية.

تدرك روسيا جيداً أن القوقاز كان، وسيبقى دوماً، ميداناً للعبة الجيوسياسية اقليمياً ودولياً، وهي تقدّم نفسها في هذا الإطار كضامن للسلام بين أذربيجان وأرمينيا، ذلك أن انجرار الطرفين إلى طريق اللاعودة، من شأنه أن ينقل الصراع إلى الفضاء ما بعد السوفياتي، الذي بات منذ فترة نقطة استهداف لقوى إقليمية ودولية، سواء تعلق الأمر بالولايات المتحدة التي أوفدت قبل أشهر رئيس دبلوماسيتها مايك بومبيو في جولة شملت العديد من الجمهوريات السوفياتية السابقة، أو بتركيا التي تسعى دوماً إلى انتزاع لقب “سيد القوقاز” من روسيا.

تدرك روسيا جيداً أن القوقاز كان، وسيبقى دوماً، ميداناً للعبة الجيوسياسية اقليمياً ودولياً، وهي تقدّم نفسها في هذا الإطار كضامن للسلام بين أذربيجان وأرمينيا

ومن المعروف أنه طوال السنوات الخمس الماضية، بدأت تركيا في اتباع سياسة خارجية عدوانية متزايدة ، ولم تتردد في استخدام موارد الطاقة لتعزيز مصالحها الاقتصادية. في العراق، هي تشن تركيا حملة عسكرية ضد الأكراد في قنديل وسنجار؛ وفي سوريا، تحتل تركيا جزءاً من إدلب وعفرين ومناطق شمال حلب بالإضافة إلى منطقتي تل أبيض إلى رأس العين؛ وفي ليبيا ثمة اندفاعة عسكرية تركية تتمثل في بعثة عسكرية وآلاف المرتزقة من التنظيمات الجهادية؛ وعلى الحدود مع اليونان، تمارس تركيا الضغط على الأوروبيين من خلال ملف اللاجئين؛ وفي قطر، أقامت تركيا قاعدة عسكرية دائمة شكلت موطئ قدم لها في الخليج العربية؛ وفي الصومال أقامت قاعدة عسكرية وهي تسعى إلى جانب روسيا والصين لتوسيع وجودها العسكري السياسي والاقتصادي في شمال شرق إفريقيا.

ومع أن دخول تركيا في ميدان الحرب الأرمنية – الأذرية، إن وقعت، يمثل مغامرة متطرفة، إلا أن الأمر غير مستبعد تماماً، لا سيما أن اردوغان يرى في انهيار النظام العالمي القديم وضعف دور الولايات المتحدة فرصة مناسبة لتوسيع النفوذ التركي من القوقاز إلى آسيا الوسطى.

وفي حال اختار اردوغان الذهاب إلى هذه المغامرة، فمن المؤكد أن تحركاته ستكون محسوبة بدقة، على النحو الذي لا يجعله يخاطر بمواجهة مباشرة مع روسيا، أخذاً في الحسبان أن أرمينيا عضو في منظمة الأمن الجماعي، وبالتالي فإنّ أي اعتداء عليها سينظر إليه رسمياً باعتباره اعتداءً مباشراً على روسيا.

من الناحية النظرية، يمكن اعتبار السيناريو الأقرب إلى المنطق هو أن تهاجم أذربيجان ناغورنو قره باخ والمناطق السبع المحتلة حصراً، وتتلقى في ذلك دعماً تركياً. بذلك، يمكن تجنب المواجهة المباشرة مع روسيا خصوصاً أن هذه المناطق من الناحية القانونية هي خارج سياق معاهدة الامن الجماعي، ولكن في هذه الحالة، فإنّ روسيا قد تبادر إلى التعويض عن الدعم العسكري الرسمي ليريفان بدعم غير رسمي، ما ينذر باشتعال حرب بالوكالة على غرار ما يجري في الشرق الأوسط.

لكنّ السيناريو السابق ينطوي على مخاطر مباشرة على الأمن القومي الروسي، لذلك تبدو روسيا غير مهتمة بأي شكل من الأشكال بتصعيد الصراع ، وهي تتعامل مع الموقف بهدفين؛ أولهما مثالي، وهو تحقيق التسوية الأرمنية – الاذرية على قاعدة انضمام باكو ويريفان إلى الاتحاد الأوراسي؛ والثاني واقعي، ويتمثل في تجميد النزاع مؤقتاً والابقاء على حالة اللاحرب واللاسلم كما جرى خلال العقود الثلاثة الماضية.

وسام متى

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy course