خطة نتنياهو.. آخر مسمار في نعش الدولة الفلسطينية
A Palestinian man walks next to a wall with graffiti showing U.S. President Donald Trump with a footprint on his face and Arabic that reads, "For al-Quds (Jerusalem) and the right of return we resist," in Gaza City, June 23, 2019.- Israel will attend an upcoming conference on the economic aspects of Washington's peace plan aimed at resolving the Israeli-Palestinian conflict, Foreign Minister Israel Katz has said. The June 25 and 26 gathering will see the unveiling of the economic aspects of the US initiative spearheaded by President Donald Trump's son-in-law Jared Kushner. (Photo by Majdi Fathi/NurPhoto via Getty Images)

لا يحظى الكيان الاسرائيلي بمقومات الدولة ويحاول يوماً بعد يوم، ترسيخ وجوده في المنطقة، فبرغم كل التهجيرات الاسرائيلية للشعب الفلسطيني ومحاولات الإبادة المتعمدة من خلال المجازر والقتل الجماعي، يتساوى عدد الفلسطينين مع عدد المستوطنين الاسرائيليين.

لم يضع الكيان الصهيوني حداً لحدوده انطلاقاً من مبدأ “حدودك حيث يصل جيشك” ما يؤكد نهج التوسع الاستيطاني وفرض سلطة الأمر الواقع الذي دأبت اسرائيل على ممارسته من خلال تقديم الأسوأ للقبول بالسيء، وهذا ما ظهر بشكل جلي مع صفقة القرن، التي أعلنها دونالد ترامب باسم “صفقة السلام في الشرق الأوسط”، والتي لاقت معارضة واسعة من المجتمع الدولي نظرا لانتهاكها كل الاتفاقيات السابقة والغائها لنتائج المفاوضات، وخصوصاً مؤتمر أوسلو، الذي فشلت السلطة الفلسطينية في تحديد طرف تحكيم له، في حال انتهاك اسرائيل بنوده، ما سمح باستمرار الخروقات الاسرائيلية للقانون الدولي ولقرارات الأمم المتحدة من دون أي سلطة رادعة.

في نهاية العام الماضي، أعلن ترامب صفقة القرن بحضور بنيامين نتنياهو وممثلين اسرائيليين بغياب تام لتمثيل فلسطيني. وتنصّ بنود الصفقة على تأسيس دولة  فلسطينية مجزأة بين ثلاث مناطق في الضفة الغربية، مع نفق يربطها بقطاع غزة، وسيطرة أمنية اسرائيلية على المرافق العامة والخاصة، بالاضافة إلى نزع سلاح حركات المقاومة، وعدم السماح بتأسيس جيش مستقل، والتحكم بكل المعابر الحدودية والمجال الجوي، والأهم هو أن عاصمة هذه الدولة لن تكون القدس بل قرية شعفاط شمال شرقي المدينة.

إذاً ما تقترحه الصفقة هو تجمع سكاني فلسطيني تسيطر عليه الحكومة الاسرائيلية، أو بمعنى آخر سجن كبير يشبه سجن غزة، بالاضافة إلى ترسيم الحدود. كما تسعى الصفقة لتأمين وطن بديل للاجئين في الاردن ولبنان وسوريا، وفي الدول التي يعيشون فيها، والغاء حق العودة  بشكل دائم، ما يشكل انتهاكا صريحا لحقهم في تقرير المصير مقابل تقديم دعم اقتصادي ممول خليجياً يؤمن لهم فرص عمل ستزيد  من خلال بعض الاستثمارات التجارية والانتاجية وبناء المستشفيات والمدارس.. وفي ما يبدو فإنّ تحسين الواقع المعيشي للشعب الفلسطيني – عبر شراء صمته مقابل بعض الأموال النفطية –  ما هو إلا تخفيف للأعباء والمسؤوليات عن كاهل الحكومة الاسرائيلية.

يرى كثير من المحللين أن هذه الصفقة هي مجرد تشريع للاحتلال الاسرائيلي، فما معنى أن تضم شيئاً لك إذا أنت تحتله وتستخدم موارده وتسيطر على كل ذرة تراب فيه؟ خطة السلام كما  سماها ترامب ما هي الا ترسيخ واعتراف بحدود اسرائيلية بذريعة السلام في المنطقة واغلاق قضية الصراع الاسرائيلي العربي إلى الأبد في ظل تغيرات اقليمية ومحلية جعلت الدول العربية غارقة في مشاكلها، باحثة عن أولويات بقائها بعد كل الصراعات التي تشهدها ليبيا وسوريا واليمن والعراق وحديثا لبنان بالاضافة الى الصراعات الخليجية والمحاور التي قسمت المنطقة بين روسيا والولايات المتحدة لتصبح القضية الفلسطينية في آخر القائمة السياسية التي يتباحث فيها المسؤولون العرب.

بين ليلة وضحاها، ومن دون أسباب معلنة، قدم نتنياهو خطة بديلة لصفقة القرن خلال مقابلة تلفزيونية عشية الانتخابات الاسرائيلية الأخيرة (الثالثة خلال أقل من سنة)، هادفاً من خلالها إلى تحويل الانتباه إلى ملفات تتعلق بالأمن القومي، بعيداً عن التهم الموجهة ضده، والتي ترتبط بقضايا فساد، ناهيك عن فشله الذريع في إدارة حكومته لملف فيروس كورونا، بالاضافة الى الأزمة الاقتصادية  المتفاقمة، التي تفرض عليه ضغوطا خارجية جعلته يخسر أعز حلفائه جاريد كوشنير الذي صرح مؤخراً أن صفقة القرن لا تعني السماح لنتنياهو بفعل ما يريد في الضفة الغربية وهذا ما يظهر تراجعا في الموقف الأميركي الداعم لخطة نتنياهو التي تنص على ضم المناطق القريبة من القدس الشرقية بديلا عن 30 في المئة من المستوطنات في الضفة الغربية(*).

موقف جاريد كوشنير الأخير يظهر تراجعاً في الموقف الأميركي الداعم لخطة الضم

بعد الاعلان عن  خطة الضم التي تلغي حق الفلسطينين في مدينة القدس وتنتهك اتفاقية جنيف التي تعتبر المستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية غير شرعية، طلب وزراءُ خارجية إحدى عشر دولة أوروبية منعِ  إسرائيل من ضم اجزاء كبيرة من الضفة الغربية المحتلة في رسالة مكتوبة لرئيس السياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي جوزيف بوريل.

وبناء على ذلك، دعا الاتحاد الأوروبي الحكومة الإسرائيلية الجديدة إلى التخلي عن الخطة، واحترام القانون الدولي، وذلك في بيان وافقت عليه 25 دولة من بين 27 دولة عضوا، كما أعلنت سفيرة ألمانيا في تل أبيب موقفاً صارماً مؤكدة ان العلاقات الاوروبية الاسرائيلية ستتأثر سلباً في حال المضي في تنفيذ الخطة. ومع هذا لم يعلن  الاتحاد الإجراءات العقابية على عكس مع فعل مع روسيا عندما ضمت شبه جزيرة القرم قبل بضع سنوات.

لم يعلن  الاتحاد الأوروبي عن إجراءات عقابية ضد اسرائيل على عكس مع فعل مع روسيا عندما ضمت شبه جزيرة القرم

وفيما تبنت بعض الدول سياسة العقوبات الاقتصادية، برز خوف الأخرى من تأثر مصالحها الإقتصادية حيث بلغ اجمالي التبادل التجاري بين أوروبا واسرائيل في سنة 2017 ما يقارب 37 مليار يورو. ولحل هذه المعضلة، اقترح بعض البرلمانيين الاعتراف بدولة فلسطين حسب حدود 1967 كما فعلت السويد وايرلندا حيث لا تتطلب هذه الخطوة اجماعاً في الاتحاد بل يمكن لكل دولة اخذ قرارها بشكل منفرد.

 وعلى الرغم من ان خطوة الاعتراف بالدولة الفلسطينة ستعطي أملاً للشعب الفلسطيني إلاّ أنها لن تغير معاناته، وكما حصل مع جدار الفصل العنصري عندما أدانت محكمة العدل الدولي بناءه، وطلبت  من اسرائيل هدمه وتعويض المتضررين منه، لم يحصل شيء على ارض الواقع.

من اعلان القدس عاصمة وتشريع المستوطنات وضم اراضي الجولان، يتجلى ضرب اسرائيل عرض الحائط كل المواقف الدولية المسايرة لقضايا حقوق الانسان، مستفيدة من دعم الولايات المتحدة المستمر باعتبارها الممثل الاول لها في منطقة الشرق الأوسط. ومما لا شك فيه أن الولايات المتحدة ستستمر بسعيها الدائم لتثبيت حضورها في المنطقة ولو بأدوات جديدة، منها فرض سياسة العقوبات القصوى على كل الدول المجاورة لحليفها الثابت على رغم الافتراضات التي تقول بأن الانتخابات الأميركية المقبلة قد تعدل هذا النهج، خصوصاً إذا حملت في طياتها فرصة لإنتاج تسويات مع إيران، وحتى ذلك الحين ستبقى المنطقة مشغولة بتحدياتها الداخلية، وأولها فيروس كورونا وليس آخرها الأزمات الاقتصادية المتلاحقة.

(*) الضفة الغربية هي  المنطقة الواقعة غرب نهر الأردن، وهي منطقة خضراء تضم العديد من التلال، حيث يعيش الملايين من الفلسطينيين، وهي محاطة بإسرائيل من الشمال والغرب والجنوب، والأردن من الشرق.

مايا ياغي

صحافية لبنانية

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course