خطاب حرب في أذربيجان.. ورسائل روسية تركية عبر القوقاز

لم تكد تمرّ  أيام قليلة على الاشتباك الأخير بين ارمينيا وأذربيجان على مقربة من حدود جورجيا، حتى سارعت روسيا إلى الإعلان، وبشكل مفاجئ، عن أمر رئاسي بإجراء أعمال تفتيش ومناورات عسكرية، بدت في الواقع رسالة تفيد بأنها تتحسب لسيناريوهات متعددة في مجالها الحيوي في هذه النقطة من الفضاء ما بعد السوفياتي. بالأمس، دخلت تركيا عسكرياً على هذه الجبهة، من خلال مناورات مشتركة مع أذربيجان، في رسالة أخرى يتجاوز نطاقها جبهة باكو – يريفان المتوترة منذ ثلاثة عقود.

تتوالى الرسائل التركية – الروسية عبر منطقة القوقاز، وأحدثها مناورات برية وجوية بين الجيشين الأذري والتركي، بدأت يوم أمس، وتستمر عدّة أيام، لتغطي كامل أراضي أذربيجان تقريباً، من باكو إلى جيب ناختشيفان، بما يشمل المناطق الواقعة على طول حدود المواجهة مع أرمينيا وجمهورية ناغورنو قره باخ.

بالنظر إلى الأعمال العدائية الأخيرة على حدود أرمينيا وأذربيجان، تنظر يريفان إلى المناورات العسكرية باعتبارها عملاً استفزازياً من جانب باكو وأنقرة، في وقت لم تبدِ روسيا، الحليفة التاريخية لأرمينيا، شريكتها في منظمة الأمن الجماعي، أيّ رد فعل رسمي، لا بل أن ما صدر عن الكرملين عشية بدء هذه المناورات، لم يشِ بأي موقف سلبي، وهو ما تبدى خلال الاتصال الهاتفي الأخير بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب اردوغان، والذي تضمن دعوة مشتركة إلى الجارين اللدودين لاستئناف المفاوضات المتعثرة لحل النزاع المزمن بينهما.

الارتياب الأرمني لم يخفف منه اعلان وزارة الدفاع الأذرية أن اختيار مكان وتوقيت المناورات قد تم التوافق عليه مع الجانب التركي خلال العام الماضي، وبالتالي لا توجد صلة بينه وبين الاشتباكات الأخيرة.

مساعد الرئيس الأذري للشؤون الخارجية حكمت حاجييف بدا حاسماً في استبعاد الدور التركي في الصراع مع أرمينيا، حين أشار، في مقابلة مع صحيفة “كومرسانت” الروسية، إلى أنه “لا يوجد حديث عن تدخل عسكري تركي في الصراع الأرمني-الأذري”، لا بل ذهب أبعد من ذلك حين شدد على أن تدخلاً من هذا القبيل “ليس في مصلحة أذربيجان”، مؤكداً أن جيش بلاده قوي بما يكفي للتعامل مع “العدو” بمفرده.

علاوة على ما سبق، تحاجج أذربيجان بأن هذه المناورات ليست الأولى من نوعها، فالنسخة السابقة منها حصلت في العام الماضي، وإن كانت تكتسب هذه المرّة أهمية كبرى، إن على المستوى العملاني (مناورات برية وجوية) أو لجهة رقعتها الجغرافية الواسعة (خصوصاً امتدادها نحو جيب ناختشيفان)، والأهم من ذلك أنها تترافق مع أجواء التصعيد الأخيرة على خط باكو – يريفان.

غير أن الخبير الأذري في منتدى “فالداي” فرهاد محمدوف يعتبر أنه من الأجدر النظر إلى المناورات في سياق “انهاك العدو”، حيث قال لصحيفة “كومرسانت” إن أذربيجان تسعى للضغط على أرمينيا، وأن ذلك يحدث “من خلال الوسائل الدبلوماسية والاقتصادية، وفي بعض الحالات، الرافعات العسكرية، بالرغم من أن الموقف الرسمي لأذربيجان هو حقاً أنها لا تحتاج إلى دعم خارجي لتحرير ناغورنو قره باخ”.

بناء على ما سبق، تضع يريفان التحرك التركي – الأذري الأخير في سياق “خطاب الحرب” الذي يتردد في باكو في الآونة الأخيرة، بما يشمل من تلميحات إلى أن “الساعة الصفر” لتحرير قره باخ والمناطق المحيطة به قد دنَت، وهو خطاب يرى الكثير من المحللين أن الاشتباكات الأخيرة على جبهة توفوز – تافوش كانت انعكاساً له.

ما يعزز المخاوف الأرمنية هو أن “خطاب الحرب” في أذربيجان بات يتجاوز السياق الكلامي، أو حتى التراكم الطردي للميزانية الدفاعية الأذرية، التي تغذيها الفورة النفطية التي شهدتها البلاد خلال العقدين الماضيين، فهي تثير مخاوف جدية في يريفان من أن ثمة ميلاً تركياً للانخراط المباشر في الصراع الأرمني – الأذري، وهو ما أمكن تلمسه في الموقف الناري الذي صدر عن رجب طيب أردوغان، بعد الاشتباكات الأخيرة، حين حمّل ارمينيا بشكل صريح المسؤولية المباشرة عن التصعيد العسكري، واعتباره إياه محاولة من الأرمن لعرقلة التسوية حول ناغورنو قره باخ، وتأكيد دعمه الكامل لأذربيجان “الشقيقة والصديقة”، في وقت كان وزير دفاعه خلوصي آكار يتوعد بشكل حازم بأنّ تركيا ستفعل “كل ما هو ضروري” في مواجهة أيّ “عدوان” أرمني محتمل.

ليس الموقف التركي مستغرباً، فأنقرة تقف إلى جانب باكو في الكثير من الملفات السياسية والاقتصادية، علاوة على ما يجمع بين الأذريين والأتراك من لغة مشتركة ودين واحد (وإن اختلفت المذاهب)، بجانب حدود مشتركة صغيرة (حوالي 10 كيلومترات) في جيب ناخيتشيفان، تمتد على طول نهر أراكس وتعتبر ممراً استراتيجياً مهماً لربط البلدين.

وقال رئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان في مقابلة مع قناة “أر بي كا” التلفزيونية الروسية تعليقاً على الدور التركي إن “هناك مصالح حالية، وأسباباً تاريخية في هذا الصدد. فبعد كل شيء، لا يبدو أن تركيا تريد التخلي عن سياسة الإبادة الجماعية للأرمن… هناك عامل آخر كذلك، وهو أن تركيا، كما كانت الحال في مطلع القرن (العشرين) لديها حلمٌ – السيطرة على جنوب القوقاز “.

ولكن أبعد من ثنائية باكو – يريفان، يمكن النظر إلى المناورات العسكرية الأذرية – التركية من زاوية اكثر اتساعاً، باعتبارها رسالة تركية غير مباشرة لروسيا من حول التداعيات المحتملة للتدخل المباشر في الصراع بين أذربيجان وارمينيا، لا سيما أن اسباباً كثيرة تدفع أنقرة إلى تعقّب كل خطوات الدعم العسكري الذي يمكن أن تقدمه موسكو ليريفان، شريكتها في منظمة الأمن الجماعي.

أبعد من ثنائية باكو – يريفان، يمكن النظر إلى المناورات العسكرية الأذرية – التركية باعتبارها رسالة تركية غير مباشرة لروسيا

وعلاوة على التقارب التقليدي بين موسكو ويريفان، ثمة ما يعزز التكهنات بشأن إمكانية حصول الأرمن على دعم روسي في حال اندلع صراع شامل بينهم وبين الأذريين، سواء كان هذا الدعم مباشراً في حال اقدام أذربيجان على مهاجمة الأراضي الأرمنية (وفق ما تقتضيه معاهدة الأمن الجماعي)، أو غير مباشر في حال اقتصر الهجوم الأذري على ناغورنو قره باخ والمناطق السبع المحتلة (ممر لاشين) من قبل الأرمن في حرب تسعينيات القرن الماضي، والتي تُعتبر وفق القانون الدولي أراضٍ تحت سيادة أذربيجان.

غير أن ثمة أسباباً مقابلة تجعل من المنطقي استمرار التموضع الروسي بين الجارين اللدودين على حاله، أي البقاء على مسافة واحدة بين الاثنين، ومواصلة جهود الوساطة للتسوية السياسية حول ناغورنو قره باخ، ما يجعل احتمال انخراط روسيا في الصراع الأرمني – الأذري ضئيلاً للغاية.

هذه النقطة بالذات يشدد عليها فيكتور سوركيكو، في مقال نشرته صحيفة “سفابودنايا بريسا” الروسية، إذ يشير إلى أن “موسكو تعتبر كلاً من يريفان وباكو حليفين وشريكين”، خصوصاً أنها “تتغذى” على كل منهما، لا سيما في مجال توريد الأسلحة، لا بل أنّ “باكو في بعض الأحيان تُعتبر أولوية أعلى بالنسبة إلى موسكو، مقارنة بيريفان، لا سيما أن الميزانية العسكرية الأذرية تقارب ملياري دولار (خمسة أضعاف ميزانية أرمينيا) وتنمو بشكل مطّرد، حيث تستحوذ روسيا على الحصة الكبرى في سوق شراء الأسلحة في هذا البلد (22 في المئة)، وهي لن تتخلى عن ذلك، خصوصاً في ظل التعاون النشط بين باكو وواشنطن، والذي في إطاره خصصت الولايات المتحدة 100 مليون دولار لأذربيجان، يرجح أن تُنفق على شراء أسلحة أميركية”. ويخلص سوركيكو إلى ان “الكرملين يدرك جيداً أنه في حال تدخل روسيا عسكرياً في الصراع القوقازي، فإن تركيا ستنخرط بدورها فيه”، مشدداً على أن “موسكو بالتأكيد لا تريد الدخول في الحرب مع أنقرة”.

لكن ما سبق لا يمنع روسيا من توجيه رسائلها عبر القوقاز، وهو ما تبدى في التفتيش المفاجئ الذي أمر به الرئيس فلاديمير بوتين مؤخراً للمنطقة العسكرية الجنوبية (بجانب المنطقة الغربية ووحدات منفصلة من القوات المركزية) والذي شمل القاعدة العسكرية الروسية في غيومري (ثاني أكبر المدن الأرمنية) والقاعدة الجوية قرب يريفان، وذلك استعداداً لمناورات “القوقاز-2020” المقررة بين أواخر آب/اغسطس ومطلع أيلول/سبتمبر المقبل.

ومن المؤكد أن تركيا تلقفت الرسالة الروسية، وقررت الرد بخطوة مقابلة، ما يدفع إلى الاعتقاد بأنّ مناوراتها الحالية مع أذربيجان ما هي إلا رسالة عابرة لحدود القوقاز قد تكون قد وصلت بالفعل إلى صندوق البريد الروسي.

وسام متى

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
download udemy paid course for free