دوشاريت لـ 180: على لبنان إيجاد تسوية والذهاب إلى طائف 2
HERVE DE CHARETTE ON HOLIDAY IN CHAMONIX (Photo by Jean Bernard Vernier/Sygma via Getty Images)

ما هي قراءة هيرفيه دوشاريت، وزير الخارجية الفرنسي الأسبق، لواقع لبنان ومستقبله في ظل الأزمات المتراكمة، سياسياً وإقتصادياً ومالياً واجتماعياً، وتداعيات إنفجار بيروت الأخير؟ ما هي نظرة الرئيس السابق للديبلوماسية الفرنسية لدور فرنسا في لبنان؟

يبدأ هيرفيه دوشاريت بالتعبير كمواطن فرنسي تربطه بلبنان علاقات صداقة قديمة، عن تأثره “للمأساة الفظيعة التي حلت ببيروت”، مشيراً إلى “مشاعر التعاطف العميق والهائل لدى الشعب الفرنسي حيال المصائب التي تتراكم فوق رأس اللبنانيين”. ويضيف دو شاريت “أن مشهد الخراب والدمار ومئات الضحايا وآلاف الجرحى ومئات الآلاف من المساكن المتضررة أصاب قلب الفرنسيين في الصميم وخلق رغبة في ضرورة مد يد المساعدة”.

بعد هذه المقدمة العاطفية يسارع دوشاريت، الذي خبر لبنان جيداً من خلال الدور النشط الذي قام به عام 1996، موفداً من الرئيس جاك شيراك للقيام بدور الوساطة التي أثمرت تحقيق “تفاهم نيسان” ووضع حد لعملية “عناقيد الغضب” الإسرائيلية، إلى التوقف عند التداعيات السياسية لإنفجار مرفأ بيروت والدروس الواجب إتخاذها من هذا الحدث الذي “لا سابق له في التاريخ الحديث”.

يتجاوز دوشاريت، رئيس شرف غرفة التجارة الفرنسية – العربية، الهموم الآنية المتعلقة بالحكومة الجديدة، شكلاً ورئيساً ومهمات، ويذهب أبعد من ذلك متوقفاً عند “الأثر الكبير لهذا الحدث على مصير لبنان”.

يصف السياسي الفرنسي العتيق ما حدث في بيروت بأنه “أشبه بصاعقة. نوعٌ من صفارة إنذار تدعو إلى التوقف والتساؤل: ماذا يجري؟ ماذا يمكن القيام به أمام أزمة كبيرة تراكمت فيها المصاعب السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية؟”، قبل أن يؤكد “أن مأساة بهذا الحجم تغلق الباب أمام فكرة عدم القيام بأية خطوة، من هنا واجب التحرك السريع والفاعل والعميق”.

دوشاريت: ينبغي معرفة ما إذا كان هناك، اضافة إلى الإهمال اللامسؤول، عملاً متعمداً مع أهداف تخريبة أم إرهابية

يدعو دوشاريت إلى “الذهاب بالتحقيق في هذا الحادث المأسوي إلى نهايته وبسرعة وعدم انتظار سنوات، 15 عاماً كما في جرى مع حادث اغتيال الرئيس رفيق الحريري، قبل معرفة النتائج”. ويضيف “ينبغي معرفة ما إذا كان هناك، اضافة إلى الإهمال اللامسؤول، عملاً متعمداً مع أهداف تخريبة أم إرهابية”. وحول الكلام عن أصابع خارجية من بينها اسرائيل، يكتفي بالجواب “سمعت الشيء وعكسه حيال هذا الموضوع”.

ويتابع دوشاريت “من الضروري إجراء تحقيق جدي ومختص وشفاف”، وهو يفضل أن يكون “تحقيقاً دولياً”، معللاً ذلك بأنه “لا يمكن الثقة بوضع التحقيق بيد سلطة هي نفسها متهمة بالتقصير والإهمال”.

بعد ذلك ينتقل دوشاريت إلى ما هو مطلوب لبنانياً لمواجهة تداعيات هذا الحدث. فيقول: “صحيح أن أصدقاء لبنان وفي مقدمهم فرنسا بإمكانهم مساعدة لبنان، لكنهم يتساءلون حول قضية محورية ألا وهي: هل اللبنانيون، هل النخب اللبنانية، هل السلطات اللبنانية ستجد الروح الوطنية الكافية والطاقة اللازمة والحيوية الضرورية لإتخاذ القرارات المطلوبة في هذا الظرف التاريخي من أجل مواجهة تراكم هذه الأزمات”.

يتوقف دوشاريت عند ماهية هذه القرارات للقول بصراحة “النظام السياسي أو صيغة الحكم التي تم التوصل إليها قبل حوالي 30 عاماً وصلت إلى نهايتها وينبغي معرفة العبور بخطوة جديدة”. يشرح السياسي الفرنسي قائلاً: “إن صيغة إدارة الحكم وتنظيم توزيعها على أساس طائفي تتحكم فيها المصالح الفردية لأشخاص والطائفية لمجموعات، أظهرت حدودها ولا يمكن إستمرارها”. ويتابع: “لذلك ومن أجل الخروج من المأزق التاريخي الحرج الذي يهدده، لا بد للبنان من إتخاذ قرارات داخلية على مستوى خطورة التحدي الذي يواجهه”.

دوشاريت: ربما يكون من الأفضل التحدث عن نظام حسب المفهوم “المدني” غير الطائفي نظراً لحساسية صفة “العلماني” لدى الطوائف الإسلامية

يستنتج دوشاريت مما سبق “أن المطلوب توفر ديناميكية لبنانية داخلية تنطلق نحو تحقيق تسوية جديدة جيدة ومناسبة والسعي إلى إيجاد صيغة مختلفة عن إتفاق الطائف الحالي والتوصل إلى طائف 2”.

وحول الأسس التي ينبغي للبنيان السياسي اللبناني الجديد أن يقوم عليها  أورد دوشاريت أربعة أسس بمثابة زوايا أربع:

1- إقامة نظام أكثر علمانية.

2- إقامة نوع من نظام حيادي سياسي.

3- إقامة مركزية السلطة العسكرية والأمنية الشرعية.

4- إقامة قواعد قانونية مالية واضحة وصارمة.

وأوضح دوشاريت مضمون كل عنوان من هذه العناوين الأربعة، على الشكل الاتي:

أولاً، ربما يكون من الأفضل التحدث عن نظام حسب المفهوم “المدني” غير الطائفي نظراً لحساسية صفة “العلماني” خصوصاً لدى الطوائف الإسلامية، على أن تكون بنية إدارة السلطة السياسية قائمة على الإنتماء الوطني بعيداً عن الاعتبارات الطائفية والانتماءات المذهبية والمصالح الفردية مع المحافظة على إحترام التعددية.

ثانياً، الحياد السياسي للبنان يتحقق من خلال تخليه وابتعاده عن التورط في الصراعات الإقليمية وذلك حسب قواعد ومعايير الامم المتحدة.

ثالثا، وضع القوى والمهام الأمنية تحت إمرة سلطة عسكرية شرعية واحدة على أن تنخرط كل المجموعات المسلحة في إطارها وتحت إمرتها وإن جاء ذلك بشكل تدريجي وعلى مراحل.

رابعاً، وضع قواعد واضحة وصارمة والإلتزام بإحترامها وتنفيذها على صعيد الإدارة المالية للبلاد على أسس من الشفافية الكاملة.

دوشاريت: لكل قوة خارجية مصالح خاصة بها. الولايات المتحدة لها هم واحد وهو إضعاف، إن لم يكن تدمير “حزب الله”، وهذا الهدف ستستمر به

يرى دوشاريت أن عمق الأزمات التي يجتازها لبنان وحجمها يحتمان على جميع المتعاطين بالشأن العام التخلي عن تجاهل الأوضاع والحقائق والإختباء وراء الأصبع والمبادرة إلى القيام بوقفة ضمير شجاعة وجريئة وصادقة لتغليب المصلحة الوطنية على مصالح المجموعات الطائفية والمذهبية والفردية الأنانية.

عن دور القوى الخارجية الدولية والإقليمية، يجيب دوشاريت “أن المواقف معروفة ولكل قوة خارجية مصالح خاصة بها. الولايات المتحدة لها هم واحد وهو إضعاف، إن لم يكن تدمير “حزب الله”، وهذا الهدف ستستمر به. إيران، ستستمر، من جهتها، في دعم “حزب الله” وإن كان إهتمامها بالوضع في سوريا يزداد أهمية. أما بالنسبة إلى السعودية، فهي في حالة إنكفاء وتراقب عن بعد مجريات الأمور في لبنان ولا يبدو أنها حتى الآن عازمة على الإنغماس مجدداً”.

ماذا عن الدور الفرنسي؟ يقول دوشاريت “إن فرنسا تقوم بكل ما تستطيع أن تقوم به وبكل نزاهة وتجرد انطلاقاً من واجب يحتمه تاريخ العلاقات بين البلدين والشعبين الفرنسي واللبناني. وما يعزز دورها هو قدرتها على التحدث إلى الجميع داخل لبنان ومخاطبة كل الجهات الخارجية المعنية”.

ينهي دوشاريت قائلاً: “صحيح أن فرنسا مستعدة لتقديم كل مساعدة أكان على صعيد تقريب وجهات النظر والعمل على خفض التوترات في الداخل أو على صعيد توظيف صداقاتها وعلاقاتها مع الخارج إلا أنها مصرة على أمر أساسي وهو أن القرارات يجب أن تكون لبنانية”.

باريس ـ بشارة غانم البون

صحافي وكاتب لبناني مقيم في باريس

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
udemy paid course free download