أي صاعق فجّر نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت؟
A photo taken from Zaytouna Bay shows a red plume of fire behind a highrise in central Beirut just after a huge explosion rocked the Lebanese capital on August 4, 2020. - Two huge explosion rocked the Lebanese capital Beirut, wounding dozens of people, shaking buildings and sending huge plumes of smoke billowing into the sky. Lebanese media carried images of people trapped under rubble, some bloodied, after the massive explosions, the cause of which was not immediately known. (Photo by Bassem EL HAGE / AFP) (Photo by BASSEM EL HAGE/AFP via Getty Images)

في الرابع من آب/أغسطس 2020، الساعة السادسة وعشر دقائق تقريباً بتوقيت بيروت، هزّ إنفجار ضخم وغير مسبوق مرفأ المدينة، مُدمراً جزءاً لا يُستهان به من أحياء المدينة المجاورة بالإضافة إلى الأبنية والعنابر فيه، فما هي قصة الإنفجار من وجهة نظر علمية؟

انطلاقاً من المشاهد والمقاطع المصورة التي انتشرت بكثرة على وسائل التواصل من تصاعد الدخان من العنبر رقم 12، المخصص بحسب إدارة الجمارك لتخزين المواد القابلة للاشتعال، ثم النيران وصوت المفرقعات الواضح والتي أحدث إنفجارها دخاناً رمادي اللون، قبل أن يقع الانفجار الكبير الذي أطلق بشكل أساسي دخاناً برتقالي اللون يميل إلى البني، فما الذي جرى إذاً؟

بحسب الروايات المتناقلة عبر الاعلام، أفاد تقرير عسكري عن وجود 25 طناً من المفرقعات وفتائل للتفجير وكمية من مواد “الميثانول” و”الإثانول” و”الميثيلان” وزيوت للقلي والكاز، فيما أفادت إدارة الجمارك اللبنانية أن العنبر رقم 12 يحتوي بالاضافة إلى المواد القابلة للاشتعال فيه من مفرقعات وبارود و”ميثانول”، كمية تقدر بــ 2750 طناً من نيترات الأمونيوم.

كلنا نعلم بشكل أنّ معظم المواد المذكورة أعلاه تنفجر أو تشتعل بشكل عادي، ولكن ماذا عن نيترات الأمونيوم؟

نيترات الأمونيوم مادة بلورية crystal بيضاء غير قابلة للاشتعال بشكل مباشر، تركيبتها الكيميائية NH4NO3 تُستعمل بشكل أساسي كسماد كيميائي للأرض لاحتوائها على عنصر الأزوت الأساسي والمهم للمزروعات، كما تُستعمل كمتفجرات في أعمال التنقيب، حيث تقدّر نسبة استعمالها في المناجم بـ 80% من المتفجرات المستعملة في الولايات المتحدة الأميركية وتُستعمل كمادة حافظة لبعض الأطعمة وفي بعض تركيبات الأدوية، أما قوتها التفجيرية فتعود للتفاعلات الكيميائية الناتجة بعد تعرضها للحرارة.

نيترات الأمونيوم مادة متفجرة نعم، ولكنها ليست شديدة الحساسية مثل النيتروغليسرين التي تنفجر إذا وقعت على الأرض، وعليه لتحضير متفجرة من نيترات الأمونيوم علينا خلط الأخيرة بالوقود أو بمواد متفجرة أخرى تعمل كصاعق يساعد النيترات على الانفجار، وهذا الخطأ الأول المرتكب في مرفأ بيروت، أي التخزين، فوضع هذه المواد مع بعضها البعض أمر غاية في الخطورة، فنحن لا نخزن هنا القماش والخشب معاً، بل مواد كيميائية يقتضي ألف باء التعامل معها عدم وضع المواد القابلة للتفاعل في ما بينها.. فوق بعضها البعض.

لا يحتاج الأمر لوقوع الانفجار الكبير سوى تفجيرات صغيرة تؤمن ما يُعرف بالصاعق الميكانيكي، فكان دور المفرقعات وباقي المواد فتح الطريق أمام تفكك كمية ضخمة جداً من نترات الأمونيوم إلى غازات وبالتالي وقوع الانفجار الكبير

وعليه، يفترض التعامل مع مادة متفجرة الأخذ في الاعتبار كل العوامل التي تؤدي إلى زعزعة استقرارها، ومن أساسيات استقرار نيترات الأمونيوم هي الحرارة، فهذه المادة قليلة الخطر عند درجات الحرارة الطبيعية الدنيا المحيطة، أي التي تتراوح في بيروت بين 10 درجات مئوية شتاءً وصولاً إلى 40 درجة مئوية كحد أقصى صيفاً لتصبح شديدة الخطورة عند ارتفاع الحرارة إلى حدود الـ 160 درجة مئوية، وهنا تدخل في المراحل الحرجة التي سنقوم بتصنيفها إلى مرحلتين:

المرحلة الأولى: بين 160 و200 درجة مئوية حيث تبدأ هذه المادة بالتفكك إلى غازات وينتج عن هذا التفاعل غاز nitrous oxide N2O أو ما يعرف بغاز الضحك وبخار الماء.

المرحلة الثانية: حين تتخطى الحرارة الـ 260 درجة مئوية، يدخل نيترات الأمونيوم في أشد الحالات حرجاً ويتفكك لينتج ثلاثة أنواع من الغازات: الأزوت N2 والأوكسيجين O2 وبخار الماء  H2O، وبالتالي يبدأ النيترات نفسه بتغذية الحريق الذي من حوله بالاوكسيجين اللازم كي يلتهب أكثر وأكثر وعندها لا يحتاج الأمر لوقوع الانفجار الكبير سوى تفجيرات صغيرة تؤمن ما يُعرف بالصاعق الميكانيكي، فكان دور المفرقعات وباقي المواد هو فتح الطريق أمام تفكك كمية ضخمة جداً من نترات الأمونيوم إلى غازات وبالتالي وقوع الانفجار الكبير.

في تحليل الانفجار، والدخان المتصاعد

أيضاً بالعودة إلى الصور والمقاطع التي أوردتها مواقع التواصل ووسائل الإعلام، رأينا أولاً دخاناً رمادياً فاتح اللون إلى أبيض يتصاعد من العنبر 12 وهو لون احتراق المواد التي تحتوي على البارود والمعادن بالإضافة إلى الوقود الخفيف كالميثانول، بحسب الروايات الرسمية المتناقلة عبر الإعلام، وهو ما ساعد على زيادة الحرارة تصاعدياً وصولاً إلى المفرقعات الكبيرة التي سبقت الانفجار الكبير وخروج غيمة ضخمة من الدخان البرتقالي الغامق المائل إلى البني، ما يزيد التأكيد على فرضية انفجار نيترات الأمونيوم الذي ينتج عن انفجاره غير المنظم الكثير من الغازات المحتوية على مركبات الأزوت وبالتحديد أكسيدات الأزوت المعروفة بالـ NOx صاحبة اللون البني الفاتح أو البرتقالي الغامق.

الغيمة البيضاء التي رأيناها لحظة الانفجار ومن ثم تمددت، والتي تشابه اللحظات الأولى للتفجيرات النووية، فهي ليست ناتجة عن مواد مشعة ولا عن تفجير نووي، بل تعود إلى تكاثف بخار المياه بسبب الحرارة العالية المنبعثة من مكان التفجير

هنا قد يطرح القارئ السؤال الآتي: كيف أنّ نيترات الأمونيوم تتفكك انفجارياً وتنتج الأزوت والاوكسيجين وبخار الماء، ثم تتكلم عن أكسيدات الأزوت؟

للتوضيح، هناك أمر أساسي في الكيمياء هو أنّ السيطرة على التفاعلات الكيميائية وتوجيهها في اتجاه واحد أمر غاية في الصعوبة في المختبرات، فكيف سيكون الأمر في تفجير غير مسيطر عليه أبداً، وعليه، لم تتفكك نيترات الأمونيوم كلها بطريقة واحدة بل بطرق متعددة نتج عنها هذه الغازات الملونة والتي أدت أيضاً للتخفيف من قوة الانفجار كون التفاعل الذي ينتج كمية غاز أقل يكون أخف وطأة لناحية القوة.

عصف الانفجار

في تعريف الانفجارات كيميائياً، هي تحوّل المواد إلى غازات، سواء أكانت هذه المواد صلبة أو سائلة أو غازية،  ما يعني بالتالي زيادة الحجم ليس تدريجياً، بل في لحظة واحدة، ما يؤدي إلى رفع الضغط بشكل كبير في منطقة التفجير، ما ينتج العصف الانفجاري، أي بدء هذه الغازات بالتمدد سريعاً كي يخف ضغطها وصولاً إلى معادلة الضغط الجوي العادي في المنطقة، أي 1.013 بار أو 760 ملم زئبق (حسب الوحدة المعتمدة في القياس).

وعليه، تقدّر سرعة تمدّد الغازات في انفجار المرفأ في بيروت بـ 2700 متر/الثانية أو 9700 كلم/الساعة وبهذه السرعة الرهيبة ضُربت المناطق المحيطة الأولى بالعنبر رقم 12 لا سيّما إهراءات القمح. نعم، هذا العصف يضعف مع المسافة، فتكون المناطق الأولى الأشد ضرراً. (Cooper, 1996)

أما الغيمة البيضاء التي رأيناها لحظة الانفجار ومن ثم تمددت، والتي تشابه اللحظات الأولى للتفجيرات النووية، فهي ليست ناتجة عن مواد مشعة ولا عن تفجير نووي، بل تعود إلى تكاثف بخار المياه بسبب الحرارة العالية المنبعثة من مكان التفجير، أما تمددها فيعود لتمدد الغازات الساخنة، وهذه الظاهرة نراها بالفعل في كل التفجيرات مهما كانت صغيرة أو كبيرة لأن الآلية تقريباً هي نفسها، فأي تفكك سريع لمواد ينتج غازات ساخنة عالية الضغط تتمدد بسرعة وتتسبب بالعصف الانفجاري.

وفي الدراسة الأولية لنتائج الانفجار، نرى بوضوح أنّ الدمار والقتل يعودان بشكل أساسي للعصف الانفجاري، فلم نعاين نيراناً قوية أو حرائق كبيرة في المناطق المحيطة، حتى لم تنفجر قوارير الغاز في البيوت القريبة، ولم نشاهد في المستشفيات مصابين من جراء الحروق بل من الجروح الناتجة عن تطاير الحطام ولا سيما الزجاج بسبب العصف، وهذا ما يدفعنا مجدداً للتأكيد على أن المادة المنفجرة هي نيترات الأمونيوم. أما المواد المتفجرة الأخرى التي تسبب عصفاً حرارياً شديداً مثل متفجرة الرويس في الضاحية الجنوبية (منتصف آب/أغسطس 2013) التي تسببت بحرائق كبيرة وهي لا تشكل أكثر من 0.015% من وزن المواد المنفجرة في مرفأ بيروت إذا حسبنا طبعا أن زنة نيترات الأمونيوم هي 2750 طناً.

المواد الموجودة في العنبر 12

علمياً، لا أرقام دقيقة حول كمية نيترات الأمونيوم المنفجرة في مرفأ بيروت، لكن يمكن القول بأنّها لم تكن 2750 طناً، وإلا لكان مشهد الدمار مأساوياً بشكل لا يُقارن مع هول ما رأيناه ولامتدت موجة الصدمة وعصف الإنفجار إلى كلّ ضواحي مدينة بيروت، ولكن هذا يضعنا أمام فرضيتين أساسيتين؛ الأولى جنائية تقول بأنّ هناك كمية من النيترات سُرقت من المرفأ، وهذه مهمة الأجهزة الأمنية للتحقق من هذه الفرضية. أمّا الفرضية الثانية فهي كيميائية وتقول بأنّ الانفجار هو تفاعل غير منظم، وبالتالي، لم تصل كلّ كمية نيترات الأمونيوم إلى الحالة الحرجة الثانية، بناء عليه لم تنفجر كلها، هذه الفرضية يمكن التأكد منها بفحص المنطقة المحيطة والتحقق من وجود مادة نيترات الأمونيوم في الغبار، فإن وجدت تكون الفرضية الثانية قابلة للتصديق من دون إهمال الفرضية الأولى طبعاً.

التخلص من نيترات الأمونيوم أمرٌ غاية في السهولة. بكل بساطة، من أجل تلف الكميات الكبيرة ليس علينا تفجيرها، أو التوجه لتخزينها مجدداً في أماكن أخرى بل ببساطة شديدة تذويبها في المياه، نعم كان الأمر بهذه السهولة

أما في ما يتعلّق بالعنبر رقم 12، فيبدو أنّه لم يكن مجهزاً بأي نظام إطفاء ولا حتى مرشات المياه التي إن رُكبت بشكل صحيح ووزعت المواد الكيميائية بطريقة منظمة داخله، لأمكن تجنب الكارثة ومنع هذه المواد من الوصول إلى الحالة الحرجة والانفجار. طبعاً، لا ندعو بأيّ شكل من الأشكال إلى استعمال الماء في إطفاء كل الحرائق الكيميائية، فهذا قد يشكل تهديداً وعاملاً مفجراً لا مساعداً كما حصل في حريق مخزن المفرقعات في تيانجين في الصين حيث استعمل عمال الإطفاء المياه من دون دراية لوجود مادة كاربيد الكالسيوم CaC2 التي تفاعلت مع المياه وأنتجت غاز الأسيتيلين C2H2 الذي ساعد على انتشار النيران وفجر مخزون نيترات الأمونيوم فيه.

وعليه، بأخذ العبر وتطبيق المعايير الدولية في تخزين هكذا مواد، يمكن تقسيم المخازن إلى بقع كل منها لها نظام إطفاء خاص، ففي العنبر 12 كان وجود الماء كافياً لمنع انتشار الحريق وبالتالي وقوع الكارثة، كما أنّ إعلام جهاز الإطفاء بموجودات المخازن أمر أساسي في عملية مكافحة أي حريق وفي حالتنا هنا كان من المفترض إغراق العنبر بكميات كبيرة من المياه تطفئ النيران وتحيّد نيترات الأمونيوم نهائياً.

خاتمة.. وسردية

التخلص من نيترات الأمونيوم أمرٌ غاية في السهولة. بكل بساطة، من أجل تلف الكميات الكبيرة ليس علينا تفجيرها، أو التوجه لتخزينها مجدداً في أماكن أخرى بل ببساطة شديدة تذويبها في المياه، نعم كان الأمر بهذه السهولة، كل أملاح النيترات تذوب بسرعة في المياه وبكميات كبيرة ومن ثم يمكننا تخفيف تركيز هذه المحاليل عبر إضافة المزيد من المياه واستعمالها في ري المزروعات كونها أصبحت غنية بالاسمدة الزراعية، طبعا الأمر هنا كان سيعود للمهندسين الزراعيين.

لسنا في هذه المقالة بصدد تحميل المسؤوليات الإدارية أو الجنائية لأحد. هذه مسؤولية التحقيق. ببساطة هذه قراءة من منظور علمي لما وقع على لبنان من كارثة يوم الرابع من آب/أغسطس من العام 2020. في هذا السياق، يمكن إيجاز السردية العلمية على الشكل الآتي:

  1. إشتعلت النيران في المواد الخطيرة والقابلة للاشتعال في العنبر رقم 12.
  2. وصلت فرق الإطفاء من دون أية معرفة أو دراية لما هو موجود في الداخل، وربما لم يعرفوا بالكارثة المقبلين عليها إلا قبل دقائق من حدوثها عندما بدأت المفرقعات بالإنفجار.
  3. بسبب الحرارة وطبيعة البناء الحديدي والاسمنتي، تحوّل العنبر رقم 12 بوجود النيران إلى ما يشبه الفرن الضخم.
  4. داخل هذا الفرن، بدأت نيترات الأمونيوم بالتفكك تحت وطأة الحرارة، وصولاً إلى الحالة الحرجة، أي عندما تخطت الحرارة الـ 260 درجة مئوية.
  5. ساهمت المفرقعات الموجودة في المكان (ومواد أخرى حسب الجردة العسكرية) في تأمين الصاعق الميكانيكي لنيترات الأمونيوم للوصول إلى الإنفجار، بعد أن تسبب إنفجارها في موجات صدمة صغيرة أدت إلى التفكك السريع لكمية ضخمة من النيترات.

ويبقى أساس كلّ شيء هو أخذ العِبر من كارثتنا الوطنية ومن كوارث عالمية سابقة تسببت بها مادة نيترات الأمونيوم.

فؤاد إبراهيم بزي

مدرب في مختبرات الكيمياء في الجامعة اللبنانية في بيروت

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course