النيجر بين “السيناريو الليبي” أو مثلث “فاغنر” 

فتح إنقلاب النيجر الصراع الجيوسياسي في غرب أفريقيا على مصراعيه. فرنسا والولايات المتحدة من جهة وروسيا والصين من جهة ثانية. التحذيرات المتبادلة بين المجموعة الإقتصادية لغرب أفريقيا "إيكواس" والجنرالات الذين إستولوا على السلطة في نيامي، تنذر بإنفجار إقليمي وحرب جديدة بالوكالة في منطقة تعتبر غاية في الأهمية للقوى الدولية الكبرى. 

إبّان الحرب الباردة، كان التنافس على أشده بين الولايات المتحدة من جهة والإتحاد السوفياتي من جهة ثانية. وقفت القوتان العظميان على طرفي نقيض في كثير من دول القارة الإفريقية التي شهدت حروباً باردة وساخنة. الصراع كان دائماً على الثروات الطبيعية والسعي الحثيث للغرب والدول المستعمِرة السابقة إلى الإحتفاظ بالنفوذ في المراحل التي تلت إستقلال دول القارة. خيضت حروب بالوكالة في الكونغو والصومال وأنغولا وإثيوبيا وأريتريا. أما الأورانيوم، الذي صنعت منه الولايات المتحدة القنبلتين الذريتين اللتين ألقتهما على هيروشيما وناغازاكي عام 1945، فمصدره مناجم إقليم كاتنغا في الكونغو. وهذا يُدلّل على القيمة الإستراتيجية التي تحتلها إفريقيا لدى صُناع القرار في الدول الكبرى.

عشية إنعقاد القمة الروسية-الأفريقية في مدينة سان بطرسبرج في 27 تموز/يوليو الماضي، إقتحم قائد الحرس الرئاسي في النيجر الجنرال عبد الرحمن “عمر” تياني القصر الرئاسي في مهمة مختلفة، إذ إحتجز الرئيس محمد بازوم الذي كان مُكلفاً هو بحمايته، مُعلناً أن الوضع الأمني والإقتصادي في البلاد أملى عليه التحرك لتسلم السلطة. هل توقيت الإنقلاب مع إحتشاد القادة الأفارقة في روسيا، محض صدفة أم أتى إختياراً مقصوداً؟ هذا ما لم تتضح معالمه بعد.

لكن هل يمكن تنزيه التنافس الدولي عن موجة الإنقلابات التي عصفت بدول غرب إفريقيا ومنطقة الساحل في الأعوام الأخيرة؟ قطعاً لا. فهذه التطورات لا تحدث في فراغ.

ليس من السهل على أميركا وفرنسا الإنسحاب من النيجر وتركه يقع في الفلك الروسي على غرار مالي وبوركينا فاسو. وإذا ما عزمت “إيكواس” فعلاً على التدخل العسكري، فإن هذه الخطوة قد تكون إيذاناً بإشتعال إقليمي، لن تتأخر القوى الكبرى عن الإنجرار إليه

ولا بد من التذكير أنه بين عامي 2020 و2022 حدثت أربعة إنقلابات في مالي وبوركينا فاسو (إثنان في كل بلد بفارق ثمانية أشهر بين الإنقلاب الأول والثاني)، وإنقلاب في غينيا عام 2021، وهي كلها دول تقع في غرب أفريقيا. وشهدت دولة التشاد بدورها عام 2021 إنقلاباً “عائلياً” بعد مقتل الرئيس إدريس ديبي على الجبهة خلال معارك مع فصائل معارضة دخلت من ليبيا، حيث سارع نجله الكولونيل محمد ديبي إلى تولي السلطة على رأس مجلس عسكري، بدعم من فرنسا.

القاسم المشترك بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر والتشاد أنها تُشكّل مع موريتانيا ما يعرف بـ”منطقة الساحل”. هذه المنطقة هي ساحة للنفوذ الفرنسي تاريخياً بوصفها مستعمرات سابقة. وهي تشهد تمردات محلية لقوى معارضة تتحالف موضوعياً مع تنظيمي “القاعدة” و”داعش” المتطرفين.

وفي عام 2013، أعلن الرئيس الفرنسي وقتذاك فرنسوا هولاند تشكيل “قوة برخان” من خمسة آلاف جندي للوقوف في وجه الجهاديين في مالي وبوركينا فاسو والنيجر والتشاد. وفي عام 2022 أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنهاء عملية “برخان”، بعدما ساءت العلاقات بين باريس والمجلسين العسكريين الحاكمين في كل من مالي وبوركينا فاسو وطلب الدولتين خروج القوات الفرنسية.

إتهمت فرنسا السلطات الإنقلابية في مالي وبوركينا فاسو، بالإستعانة بمقاتلين من مجموعة “فاغنر” الروسية الخاصة، بدلاً من القوات الفرنسية، بينما حافظت باريس على علاقات ممتازة مع النيجر حيث ينتشر 1500 جندي فرنسي كانوا لا يزالون يعملون على مساندة القوات الوطنية في القتال ضد الجهاديين. ويُعتبر المثلث الحدودي بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو هو المعقل الرئيسي للجهاديين الذين وطّدوا وجودهم في الأعوام الأخيرة، وخصوصاً بعد هزيمتهم في العراق وسوريا.

وجهت مالي وبوركينا فاسو، ضربة قوية للنفوذ الفرنسي التقليدي في منطقة الساحل، لمصلحة روسيا والصين. أما الضربة الأقوى فهي ما يحدث في النيجر اليوم. وعندما التأمت دول “إيكواس” برئاسة الرئيس النيجيري بولا تينوبو في 31 تموز/يوليو الماضي، حدّدت مهلة أسبوع للإنقلابيين في نيامي كي يفرجوا عن بازوم ويعيدوا البلاد إلى الحكم المدني، تحت طائلة التدخل العسكري.

سارعت مالي وبوركينا فاسو إلى التنديد بإنذار “إيكواس” وحذرتا من التدخل العسكري. كما توجه رئيس الأركان السابق في النيجر النائب الحالي للمجلس العسكري الحاكم الميجور جنرال ساليفو مودي، الذي كان بازوم أعفاه من منصبه في أذار/مارس الماضي، إلى مالي وبوركينا فاسو من أجل التأسيس لعلاقات مع الدولتين؛ وهذا ما جعل المراقبين يرون أن ثمة خيطاً يربط بين إنقلاب النيجر والسلطات العسكرية في باماكو وواغادوغو، ومن خلفهما روسيا، التي لم تندد بالإنقلاب وإن كانت دعت إلى العودة المسار الدستوري.

النيجر، من البلدان الأكثر فقراً في إفريقيا، لكنه غني بالثروات الطبيعية وخصوصاً الأورانيوم الذي تعتمد عليه دول أوروبية عدة وفي مقدمها فرنسا التي تستورد نحو 20 في المئة من حاجتها إلى هذا المعدن من النيجر.

إقرأ على موقع 180  عن التصوّف الذي سادَ قروناً.. وبادَ في زماننا (7)

وغني عن القول إن الحرب في أوكرانيا، عززت الصراع على النفوذ في إفريقيا. وبات هاجس الولايات المتحدة كسب الدول الإفريقية إلى جانبها، بعدما إتخذت هذه الدول موقفاً محايداً إزاء الحرب.

وقبل الحرب، سعت أميركا إلى مواجهة النفوذ الصيني الذي إزداد مع “مبادرة الحزام والطريق” الصينية. وفي مقابل إستثمارات صينية بعشرات مليارات الدولارات، دأبت واشنطن على تحذير الدول الإفريقية من المآرب الصينية، وعملت بجهد من أجل إستقطاب الكثير من هذه الدول بالترغيب أو بالترهيب.

والنيجر من بين الدول التي تحتفظ معها الولايات المتحدة بعلاقات سياسية وعسكرية. وينتشر نحو ألف جندي أميركي في مدينة أغاديز التي تتخذها القيادة الأميركية في إفريقيا مقراً لعمليات الطائرات المُسيّرة في القارة، وغالباً في الصومال وليبيا.

إذن، ليس من السهل على أميركا وفرنسا الإنسحاب من النيجر وتركه يقع في الفلك الروسي على غرار مالي وبوركينا فاسو. وإذا ما عزمت “إيكواس” فعلاً على التدخل العسكري، فإن هذه الخطوة قد تكون إيذاناً بإشتعال إقليمي، لن تتأخر القوى الكبرى عن الإنجرار إليه.

وفي الوقت نفسه، سيحظى التدخل العسكري لـ”إيكواس” بتشجيع أميركي وفرنسي، مما يُهدّد بتكرار السيناريو الليبي عندما تدخل حلف شمال الأطلسي إلى جانب المعارضة الليبية التي أسقطت نظام معمر القذافي عام 2011.

النيجر، من البلدان الأكثر فقراً في إفريقيا، لكنه غني بالثروات الطبيعية وخصوصاً الأورانيوم الذي تعتمد عليه دول أوروبية عدة وفي مقدمها فرنسا التي تستورد نحو 20 في المئة من حاجتها إلى هذا المعدن من النيجر

هنا تجدر الإشارة إلى أن ليبيا لم تكن قصة نجاح للغرب. فسقوط القذافي تلاه فوضى قادت إلى “صوملة” هذا البلد، وشكلت الباب الذي دخل منه الجهاديون إلى منطقة الساحل، أي إلى النيجر ومالي وبوركينا فاسو، فضلاً عن عدم إستقرار ليبيا حتى الآن.

والآن، من يمكنه التكهن بما سيؤول إليه أي تدخل عسكري في النيجر. وفي مقابل الدعم الغربي الذي سيحظى به التوغل العسكري لدول الإقليم هناك، سيقابله دعم من روسيا بينما تبحث مجموعة “فاغنر” المنسحبة من أوكرانيا عن دور في الخارج.

وكان لافتاً للإنتباه أنه بعد أيام من إنقلاب النيجر، توجه رئيس الأركان الجزائري الفريق أول سعيد شنقريحة إلى موسكو على عجل، لإجراء محادثات عسكرية مع المسؤولين الروس.

وفي خضم صراع دولي بهذا الحجم، ستكون التنظيمات الجهادية هي المستفيد الأول منه، توسيعاً لرقعة إنتشارها ونفوذها في إفريقيا.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  عن التصوّف الذي سادَ قروناً.. وبادَ في زماننا (7)