من يجرؤ على عرقلة حكومة ماكرون اللبنانية؟
French President Emmanuel Macron speaks during a news conference at the Pine Residence, the official residence of the French ambassador to Lebanon, in Beirut on September 1, 2020. (Photo by GONZALO FUENTES / POOL / AFP) (Photo by GONZALO FUENTES/POOL/AFP via Getty Images)

قال إيمانويل ماكرون كلمته ومشى. أنجز مصطفى أديب مشاورات التأليف غير الملزمة مع الكتل النيابية والنواب المستقلين. هل يمكن القول أن لبنان أمام فرصة محددة، زمنيا ومهماتياً، وماذا إذا خسرها؟ من الرابح والخاسر في الحالتين، داخلياً وخارجياً.

دعونا نبدأ مجدداً من عند تكليف مصطفى أديب برئاسة الحكومة. الإقتراح فرنسي. تضمنت الرزمة الباريسية إسمين آخرين، فقط من أجل رفضهما الذي كان متوقعاً. حظي إسم أديب بمباركة إيرانية. الخط المفتوح بين الأليزيه (إيمانويل بون) والخارجية الأميركية (ديفيد هيل) أظهر عدم ممانعة واشنطن. فشلت باريس في إقناع الرياض بأي مرشح غير نواف سلام. لم يكن الإخراج صعباً. التشاور بين باريس وبرلين مفتوح. إستدعت وزارة الخارجية الألمانية عميد السلك العربي مصطفى أديب. باركت له “المهمة الجديدة في بيروت”. حزم أديب أمتعته وغادر برلين.

أبلغت باريس كلاً من ميشال عون وسعد الحريري وبعض القيادات اللبنانية بإسم مصطفى أديب. تركت لنادي رؤساء الحكومات مهمة تبني الإسم وتخريجه، عشية مشاورات التكليف.. وهذا ما كان، برغم ما شابه من عيب دستوري، بمعنى قطع الطريق على مشاورات التكليف بالتبني العلني للمرشح، وهو عُرف يمكن أن يتحول إلى سابقة دستورية.

كل ذلك حصل قبل أن يصل ماكرون في زيارته الثانية إلى لبنان، بعد الرابع من آب/أغسطس، تاريخ إنفجار مرفأ بيروت.

لنقل أن هذا التاريخ مفصلي. قبله كان لبنان يواجه مساراً إنحدارياً يشي ليس بالإنهيار بل بالإرتطام الكبير. دوى الإنفجار، فبلغت أصداؤه السياسية العاصمة الفرنسية. لماذا تلقفه الفرنسيون وماذا كان موقف الأميركيين؟

ثمة هوامش وفراغات هي نتيجة طبيعية لحالة إنعدام الوزن في المنطقة، بسبب قرار الأميركيين الإنسحاب تدريجياً. كل من يسعى لملء الفراغ، يستطيع التسلل أو الإستفادة من هذه الهوامش المتاحة. إتخذ الفرنسيون قرارهم بالتنسيق الكامل مع الأميركيين، وهذا ما أكده اليوم (الأربعاء) وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بقوله “اننا نعمل مع الفرنسيين في لبنان، ولدينا الأهداف نفسها”، وشدد على أنه “ستكون هناك حكومة تقوم بإصلاحات مُعتبرة وتُحدِث تغييرات كما يطالب الشعب”، معتبرا أن “نزع سلاح حزب الله هو أكبر التحديات”، ولكنه لم يحدّد كيف وأمام من؟

إنتزع الفرنسيون تفويضاً محدداً بالزمن من الأميركيين. إذا نجحت فرنسا في مهمتها اللبنانية، تكون واشنطن شريكة في الغُنم، وإذا فشلت يسجل ذلك في رصيدها وحدها. لكن كيف تستقيم “نظرية النجاح” إذا تمكن الفرنسيون من “فرملة” الإنهيار في لبنان، بينما كانت واشنطن تدفع بإتجاه الحصار والعقوبات، أقله حسب أدبيات الفريق المناهض للولايات المتحدة في لبنان؟

لم يتخذ الأميركيون قراراً حاسماً بـ”فرط” لبنان. هم يقيسون حسابات الربح والخسارة. ثمة خشية غربية من أن يؤدي الإنهيار في لبنان إلى تقوية حزب الله وبيئته وإضعاف الدولة ومؤسساتها ولا سيما الجيش اللبناني، فضلا عن إنهيار بيئة القوى السياسية الحليفة للغرب. هذه الخشية، عبّر عنها “التجديد السلس” لـ”اليونيفيل” في الجنوب اللبناني لمدة سنة واحدة، قبل أيام قليلة، وذلك بعد أن أدرك الأميركيون أن الضغط على حزب الله قد يؤدي إلى إنسحاب هذه القوات وإنهيار كل منظومة توازن الرعب المتبادل (الهدوء الإستراتيجي) القائمة منذ صدور القرار 1701 في صيف العام 2006 حتى يومنا هذا.

إستضاف ماكرون المستشارة الالمانية أنغيلا ميركل في مقره الصيفي بحصن بريغانسون المطل على المتوسط. خصّص الإثنان حيزاً كبيراً للبنان. تفاهما على وضع دعائم لرافعة فرنسية ـ ألمانية تحاول التعويض عن دور واشنطن في مواجهة عدد من الأزمات المتوسطية وبينها أزمة لبنان

ماذا يمكن أن توفر هذه “الفرصة” بهوامشها الأميركية، للفرنسيين تحديداً؟

لنذهب إلى لغة المصالح بعيداً عن لغة العواطف الجياشة وقصة لبنان الكبير أو الصغير. الفرنسيون خسروا الكثير من نفوذهم المتوسطي، ولا سيما في شرق المتوسط. عندما قرر الأتراك إقتحام الملف الليبي وعينهم على غاز شرق المتوسط، أدركت باريس أن هذا المسار سيجعلها تدافع عن مصالحها عند شواطىء القارة الأوروبية. إبتزاز تركي مكشوف لأوروبا بملف اللجوء السوري. بالمجموعات الإرهابية في محافظة إدلب. بإحتمال إعادتها إلى أوروبا. بالملف الكردي. مؤخراً، تقدم ملف الغاز على ما عداه. شعر الأتراك أن منتدى الغاز في شرق المتوسط بما يجسده من شراكة مصرية ـ إسرائيلية ـ أوروبية وبمباركة أميركية، سيؤدي تلقائياً إلى خسارة مكامن يتنافسون عليها مع أكثر من دولة جوار، ولا سيما اليونان. قرر الفرنسيون تعديل قواعد الإشتباك مع تركيا. نقلوا عدتهم إلى بيروت وبغداد. ليس مفاجئاً أن يكشف النقاب مستقبلاً عن رسائل متبادلة بينهم وبين القيادة السورية. يريد الفرنسي أن يكون حاضراً على طاولة تسويات المنطقة. زدْ على ذلك حسابات الأميركيين في مواجهة الصين وتمددها في المنطقة وهل هناك أفضل من الفرنسي شريكاً في الصد؟

بعد حوالي الأسبوعين من إنفجار مرفأ بيروت، إستضاف ماكرون المستشارة الالمانية أنغيلا ميركل في مقره الصيفي بحصن بريغانسون المطل على المتوسط. خصّص الإثنان حيزاً كبيراً للبنان. تفاهما على وضع دعائم لرافعة فرنسية ـ ألمانية تحاول التعويض عن دور واشنطن في مواجهة عدد من الأزمات المتوسطية وبينها أزمة لبنان. تفاهما على توزيع أدوار، أقله في الملفين الأكثر إلحاحاً: اليونان ولبنان (ثمة من يهمس بأن إسم مصطفى أديب طرح للمرة الأولى في هذا الإجتماع ولكن هذه المعلومة غير مؤكدة).

التتمة قد تتخذ شكل مكاسب ألمانية إقتصادية كبيرة في لبنان. لا يُغيّب الفرنسي البعد الإقتصادي، لكن عينه على البعدين السياسي والإقتصادي معاً. قرر الأوروبيون التناغم مع طهران بإلتفافهم على آلية العقوبات الأميركية ضد إيران وعدم التصويت في مجلس الأمن لمصلحة تجديد حظر الأسلحة على إيران، وفي ذلك ما يعبر عن رغبتهم بعدم التخلي عن الإتفاق النووي، وهذا الرهان يمكن أن يصبح أكثر واقعية، إذا فاز جو بايدن بالإنتخابات الرئاسية الأميركية، فضلاً عن أنه سيكون أكثر تفهماً (من دونالد ترامب) للغة العواصم الأوروبية في التعامل مع صلف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

هذه الفرصة الفرنسية تبقى دائماً محكومة بإيقاع أميركي ـ إيراني، بدليل التسهيل الذي حصل من الجانبين في لبنان. لذلك، يريد الفرنسيون أن تكون الأمور سريعة “وليست مسلوقة”: حكومة إختصاصيين تولد خلال خمسة عشر يوماً (من 16 إلى 20 وزيرا). البيان الوزاري سيكون نسخة منقحة عن الورقة الفرنسية التي عُممت على المشاركين في طاولة قصر الصنوبر المستديرة. ما أن تنال الحكومة الثقة حتى تنطلق الورشة الإصلاحية، وعناوينها باتت بمتناول الجميع ولا أحد يتجرأ على رفض أي من عناوينها. وفي موازاة ذلك، يستأنف صندوق النقد الدولي مفاوضاته مع الحكومة الجديدة، ويتفرغ السفير الفرنسي بيار دوكان للتحضير للمؤتمر الدولي لأجل لبنان (في باريس أو نيويورك) في تشرين الأول/أكتوبر المقبل، بعدما أعفي من مهماته المتوسطية وصار متفرغاً بالكامل لملف “سيدر”.

ثمة من يراهن على أن هامش المناورة لدى باسيل محدود للغاية هذه المرة. بمقدوره، أن يُصعّب مهمة الفرنسيين، لكنه لن ينجو من عقوبات باريس وواشنطن هذه المرة

من هي القوى الداخلية أو الخارجية التي تملك القدرة على عرقلة هذا المسار الفرنسي؟

أولاً، أية إستدارة أميركية من موقع المراقبة أو الشراكة عن بعد مع الفرنسيين، إلى موقع الرفض والتصدي، من شأنها أن تطيح بالمبادرة الفرنسية، سواء دولياً أم عبر أدوات داخلية لبنانية. لذلك، يسعى الفرنسيون للإستفادة من الفرصة المتاحة أمامهم أقله حتى موعد الإنتخابات الرئاسية الأميركية في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

ثانياً، يسري ذلك على الإيرانيين، ويترجم مباشرة من خلال حزب الله. حالياً، يمكن القول أن هناك حالة غرام وإنتقام بين باريس وطهران. الترجمة تتجسد بإيجابية وواقعية مفرطة من حزب الله الذي يبدو أنه مستعد للتنازل عن مطلب الحكومة التكنوسياسية لمصلحة حكومة تقنية من إختصاصيين، على أن يكون له ولحركة أمل حق تسمية الوزراء الشيعة، وتحت سقف عدم التخلي عن وزارة المال السيادية، لأي إعتبار كان. أي تحول في الموقف الإيراني سيقلب الموقف في لبنان، وهو أمر مستبعد في المدى القريب.

ثالثاً، تستطيع كل من السعودية والإمارات التشويش ولكنهما لا تملكان القدرة على التعطيل. هما الدولتان الوحيدتان اللتان تقفان علناً ضد المبادرة الفرنسية ولن تقدما اي دعم للبنان في إطارها. حساباتهما تحتاج إلى مقاربة مستقلة، وخصوصاً مستقبل علاقتهما بالبيت السني في لبنان. تماهي القوات اللبنانية معهما لا يغير في المعادلة، خصوصاً في ضوء تسلل وليد جنبلاط سياسياً من “جنونهما المفرط” بسلاسة وبلا إستفزاز لهما، لا بل دعوتهما لاحقاً إلى تسهيل المبادرة الفرنسية…

رابعاً، هناك لغم جدي كبير في الداخل اللبناني إسمه جبران باسيل. ليس خافياً أن ميشال عون هو أكبر مستفيد من مبادرة ماكرون. يكفي تعويم العهد في آخر سنتين لتعويض إخفاقاته طوال أربع سنوات. سيؤمن له الفرنسيون خروجاً مشرفاً من الحكم، بعد سنتين، سواء بأقل خسائر أو بالقدر المتيسر من الإصلاحات. لكن مضمون الورقة الإصلاحية الفرنسية وشروط تأليف الحكومة قد يؤديان إلى الإطاحة بجزء من المنظومة الباسيلية (نموذج التخلي عن معمل سلعاتا في الشمال، إقرار الهيئة الناظمة للكهرباء بلا اي تعديل للقانون 462، عدم تعيين أي وزير باسيلي في وزارة الطاقة إلخ..). ثمة من يراهن على أن هامش المناورة لدى باسيل محدود للغاية هذه المرة. بمقدوره، أن يُصعّب مهمة الفرنسيين، لكنه لن ينجو من عقوبات باريس وواشنطن هذه المرة. القرار الرئاسي الفرنسي واضح: مهلة ثلاثة اشهر وإلا إلى العقوبات در.. إلى الحصار والموت البطيء للبنان.

خامساً، لقد دفع رؤساء الحكومات ولا سيما سعد الحريري ثمن تزكيتهم خيار مصطفى أديب، لكن هذه التغطية السياسية التي وفروها للفرنسي وليس لأديب، تبقى محكومة بالروزنامة الإصلاحية، “فإذا وجدنا أية عرقلة سنسحب يدنا وننهي التفويض”، على حد تعبير الحريري، وهذا يعني أن اية مناورة يمكن أن تسحب الغطاء السني عن مصطفى أديب، فيصبح حسان دياب رقم 2، وهو على الأرجح، لن يكمل المهمة بل سيرمي التكليف بوجه من يضع العراقيل بوجهه، ولا سيما جبران باسيل.

كل هذا السياق، يندرج في خانة الجزء الأول من المبادرة الفرنسية. رزمة الإصلاحات الإقتصادية والمالية. ماذا عن الشق السياسي الإستثنائي، أي العقد الإجتماعي والمؤتمر الوطني العام المنوي عقده في العاصمة الفرنسية في كانون الثاني/يناير 2021، وهل بدأ العد العكسي لإتفاق الطائف 2؟ للبحث صلة.

حسين أيوب

صحافي لبناني

Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course