واشنطن تبتز المغرب بورقة “الصحراء”.. هل نتخلى عن فلسطين؟

بعد قرار تطبيع العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، توجهت انظار المراقبين بشكل تلقائي، لمعرفة اي دولة عربية سيكون دورها في طابور التطبيع.

تتلهف جهات إسرائيلية لرفع السرية عن العلاقة التي تربط الكيان الصهيوني بأكثر من بلد عربي، في مقدمتها المغرب البلد البعيد عن منطقة الشرق الأوسط وحدود موقع الصراع العربي ــ الإسرائيلي بآلاف الكيلومترات، لكنه الأقرب إلى اللجة وأتون الحروب العربية ــ الإسرائيلية، منذ 1948 عند إعلان ديفيد بن غوريون عودة الشعب اليهودي إلى ما أسماه “أرضه التاريخية”.

هناك أسباب واضحة للمغرب، لدى المراقبين، كي يتحرك نحو التطبيع مع إسرائيل، تتقدمها العلاقات التاريخية، العائلية والثقافية، خاصة أن اليهود المغاربة يمثلون ثاني أكبر إثنية داخل إسرائيل بعد اليهود المتحدرين من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق. اذ تزايد عدد المغاربة اليهود عبر امتداد السنوات، في حركة هجرة وتهجير منذ تأسيس الكيان الصهيوني إلى “أرض الميعاد”، هجرة طوعية وتهجير قسري واختطاف، حيث تذكر التقارير الاستخباراتية الأمريكية والفرنسية كيف تم بيع اليهود كالأغنام بحساب الرأس (250 دولاراً للواحد)، وكيف عملت المنظمة الصهيونية على بث الرعب في أوساط اليهود المغاربة كي يهربوا إلى إسرائيل، ليجدوا أنفسهم في الرتب الدنيا من المجتمع الاسرائيلي، خدما لدى اليهود الإشكناز القادمين من أوروبا، وعمالا في الأعمال الوضيعة والشاقة، أوعساكر لحماية الدولة الوليدة وقمع وقتل أصحاب الأرض الفلسطينيين.

العلاقات المغربية ـــ الإسرائيلية قائمة منذ أكثر من سبعة عقود، والتطبيع يشمل قطاعات عديدة، اقتصادية وتجارية وزراعية وثقافية، ويأتي التطبيع المخابراتي والعسكري في قمتها. حيث يقتنى المغرب أسلحة وتجهيزات عسكرية من إسرائيل، وآخرها اقتناء المغرب لطائرات اسرائيلية من دون طيار في العام 2020.

الشعب المغربي، أثبت دوما أنه من بين الشعوب العربية الأولى في دعمه للقضية الفلسطينية، بل اعتبرتها قواه الوطنية والديمقراطية، وبإستمرار، قضية وطنية

لكن بعض المحللين يرون أن موعد تاريخ تطبيع المغرب سياسياً مع إسرائيل لا يزال بعيدا، برغم امتلاء السماء المغربية ببالونات ملونة بالأبيض والأزرق، لكنها مجرد بالونات اختبار، سرعان ما تتفرقع بضغط الهواء. وبرغم تسرع بعض المتزلفين الذين يفتقدون للجرأة والشجاعة حيث يجب أن تكون في المواقف المطلوبة، يحاولون إظهار شجاعة مفتقدة بالهرولة وراء الإشاعات الإسرائيلية، وتجدهم يتسربلون بمظاهر الفهامة والتعقل والانفتاح، فتسعى جهات إعلامية بئيسة للعب دور مكبر الصوت لـ”ضراطهم” المكتوم، فالشعب المغربي، أثبت دوما أنه من بين الشعوب العربية الأولى في دعمه للقضية الفلسطينية، بل اعتبرتها قواه الوطنية والديمقراطية، وبإستمرار، قضية وطنية.

وتكفي الاشارة هنا لما اعلنه دبلوماسي أمريكي سبق له أن  شغل منصب سفير في الرباط ما بين سنتي 1997 و2001، هو السفير إدوارد غابرييل، الذي تحدث عن ترجيحه عدم التحاق المغرب سريعا بموكب التطبيع، مفسرا عدم تحقيق رغبة إسرائيل حتى الآن في تطبيعها مع الرباط  باعتبارات عدة، تتمثل في دعم الملك محمد السادس لتسوية سلمية بين إسرائيل وفلسطين. وبأن الرباط تعي جيدا أن التحرك الآن لا يستدعي التعجل والعجلة، لأننا في عام أمريكي إنتخابي.

***

منذ جلوسه على العرش، ورث الملك محمد السادس عن والده الراحل الحسن الثاني رئاسة لجنة القدس التابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي. وبرغم عدم تراجع المغرب عن دعمه لعلاقات سرية مع إسرائيل، إذ يوجد بينهما تبادل تجاري كبير، تحت رعاية وتأمين أطراف وشخصيات يهودية مغربية، على رأسها أندري أزولاي، الذي حافظ على منصبه بعد وفاة الحسن الثاني مستشارا ملكيا، والسفير المتجول ووزير السياحة السابق سيرج بيرديغو، رئيس الطائفة اليهودية في المغرب ورئيس للتجمع العالمي لليهود المغاربة، فان احتمال تطبيع المغرب مع إسرائيل يخضع قراءة الخاصية المغربية والالتزام الملكي والحكومي والشعبي في دعم قيام الدولة الفلسطينية.

فسيناريو التطبيع بين المغرب واسرائيل قديم وبدأ منذ وقت طويل، يكفي أن نشير إلى أن جواز السفر الاسرائيلي مقبول في المطارات والحدود المغربية، والقوافل السياحية دائمة التردد على مدن وقرى البلاد يقصدها الإسرائيليون من أصل مغربي لزيارة الأضرحة والأولياء اليهود.

كما تسمع بين الحين والآخر مشاركة فنان تشكيلي أو مغنية أو راقصات من إسرائيل في أنشطة ومهرجانات وبرامج تلفزيونية مغربية، ودائما يكون التبرير أنهم من أصل مغربي.

وقد تم الكشف عن اللقاءات السرية التي  عقدها الحسن الثاني مع الإسرائيليين، قبل أن يستقبل علنا أمام كاميرات التلفزيون ودهشة المغاربة والعرب، رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل شمعون بيريز، في تموز/يوليو 1986، في القصر الملكي بمنتجع المدينة السياحية إيفران.

تم للجوء الى استخدام اسلوب الابتزاز والمقايضة بملف الصحراء الغربية، هذه بتلك، أي التطبيع السياسي بين المغرب وإسرائيل مقابل اعتراف أمريكي بسيادة مغربية على الأقاليم الجنوبية المتنازع عليها مع جبهة البوليساريو

في سنة 1995، كان المغرب من أوائل من فتحوا مكتب اتصال إسرائيلي بالرباط بعد اتفاق أوسلو، قبل إغلاقه عام 2000 إثر أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

في السنوات الأخيرة، نشرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيليّة، تقريرا عن حصول الموساد الإسرائيلي على تسجيل الوقائع الكاملة لمؤتمر القمة العربية لسنة 1965 المنعقدة بالرباط، من طرف الحسن الثاني مقابل التعاون في تصفية المعارض رقم واحد للمملكة الزعيم اليساري المغربي المهدي بنبركة.

من هنا سعي رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو وحليفه الأمريكي لكي يكون المغرب أسبق من غيره في التطبيع مع إسرائيل. ولهذه الغاية، تم للجوء الى استخدام اسلوب الابتزاز والمقايضة بملف الصحراء الغربية، هذه بتلك، أي التطبيع السياسي مقابل اعتراف أمريكي بسيادة مغربية على الأقاليم الجنوبية المتنازع عليها مع جبهة البوليساريو الانفصالية المدعومة بقوة من الجارة الجزائر.

لكنه ابتزاز قديم أيضا، عانى منه المغرب في عهد الراحل الحسن الثاني، الذي كان يدرك جيدا تداعيات ربط ملف قضية الصحراء بقضية فلسطين، حتى أن الجزائر وإعلام البوليساريو يقارنون المغرب بإسرائيل في “احتلاله للصحراء”، وأكثر من ذلك، فمصمم راية الانفصاليين لم يبذل جهدا حين استنسخ العلم الفلسطيني وأضاف إليه هلال ونجمة العلم الجزائري.

***

في أيلول/سبتمبر 2018، وعلى هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بأن “الاتفاق بين إسرائيل وعدّة دول عربية أقرب من أي وقت مضى”، وربما كان المغرب في ذهنه على رأس الدول العربية التي أشار إليها، فنتنياهو سعى دائما ليكون المغرب أسبق من الإمارات في التطبيع مع إسرائيل. فالإمارات لا تربطها حدود بفلسطين ولم تكن يوما من دول المواجهة، بخلاف المغرب البعيد الذي شارك أبناؤه متطوعين في حرب 1948 وانضمت قوافل من مناضليه إلى جبهة القتال ضد العدو الإسرائيلي وشاركت جيوشه في حرب تشرين/أكتوبر 1973 في سيناء والجولان وسقط منهم عشرات الشهداء.

لكن اسرائيل لم تغلق خططها السريّة والمعلنة المهيأة في دهاليز الموساد، ومنها الوساطة الخليجية، والإمارتية منها أساسا، التي فشلت في دفع المغرب دفعا للانخراط تحت العباءة الخليجية في حرب اليمن وحصار قطر، ثم الانجرار والهرولة صوب التطبيع العلني مع اسرائيل. وكان الرفض المغربي مفاجئا للخليجيين، ومن تداعيات هذا الفشل توتر العلاقات المغربية ـــ الإماراتية، ومحاولة التشويش الإعلامي على سيادة المغرب على الصحراء.

آخر المحاولات الإسرئيلية، اللجوء إلى الثنائي مائير بن شابات، مستشار ورئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي؛ ياريف الباز، رجل أعمال يهودي من أصل مغربي والصديق الحميم لصهر الرئيس الاميركي دونالد ترامب ومستشاره جاريد كوشنير، أحد صناع “صفقة القرن”.

يستعد الباز اليوم لزيارة ثانية مع كوشنير لممارسة ضغوط وابتزازات أكبر لفرض الأمر الواقع والتسريع بإعلان المغرب رسميا انضمامه لمواكب التطيبع العربية

وسبق للباز أن زار المغرب لنفس الهدف والغاية التطبيعية، بقبعته الإسرائيلية ورمزي الشمعدان والنجمة السداسية يتدليان من سلسلة طوق بها عنقه، وليس بصفته المغربية أو الاقتصادية كمقاول تهمين شركاته على سوق المواد الغذائية. وهو يستعد اليوم لزيارة ثانية مع كوشنير لممارسة ضغوط وابتزازات أكبر لفرض الأمر الواقع والتسريع بإعلان المغرب رسميا انضمامه لمواكب التطيبع العربية، فالوقت يضيق كل يوم، ولا مجال إلا استباق نضوج “وصفة صنع وتهيئة المزاج” المتذوق لطبخة للتطبيع. ولا مجال إلا القمع المنهجي لمعارضي التطبيع مع إسرائيل وللمجتمع المدني النشيط الذي يتحرك باستمرار لتجريم التطبيع بكافة أشكاله مع الكيان الغاصب.

***

في اجتماع حزبي للعدالة والتنمية، قال رئيس الحزب ورئيس الحكومة المغربية الدكتور سعد الدين العثماني، إن المغرب يرفض أي تطبيع مع “الكيان الصهيوني” لأن ذلك يعزز موقف الأخير في مواصلة انتهاك حقوق الشعب الفلسطيني. وأكد أن موقف المغرب ملكا وحكومة وشعبا هو الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والمسجد الأقصى المبارك، ورفض أي عملية تهويد أو التفاف على حقوق الفلسطينيين والمقدسيين وعروبة وإسلامية المسجد الأقصى والقدس الشريف. وأردف أن “هذه خطوط حمراء بالنسبة للمغرب ملكا وحكومة وشعبا، وهذا يستتبع رفض كل التنازلات التي تتم في هذا المجال، ونرفض أيضا كل عملية تطبيع مع الكيان الصهيوني”.

الواضح انه لغاية اليوم هذا هو الموقف الرسمي المغربي الواضح من إعلان التطبيع مع إسرائيل، لكن التساؤل يبقى قائما حول مدى صمود الرباط أمام الابتزاز الأمريكي. كل شيء يظل ممكنا في ظل متغيرات اقتصادية زاد من تهالكها وباء كورونا، وارتفاع أصوات في الإعلام تقول بأسبقية “تازة قبل غزة” (تازة مدينة مغربية صغيرة شرق مدينة فاس)، و”مصلحتنا قبل مصلحة الآخرين (أي الفلسطينيين)”، و”لا يجب أن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين”!.

لا أحد يمكنه التكهن، وبأي حساب يمكن قياس التوقعات، ومدى تداعياتها إن حدثت.

في 6 كانون الأول/ديسمبر 2019، ذكرت وسائل إعلام عبرية أن العاهل المغربي محمد السادس رفض استقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عندما استبقاه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في أحد فنادق البرتغال، ليهيء له الطريق لاجتماع ثلاثي مع محمد السادس، ووصل بومبيو واستقبل من طرف رئيس الوزراء سعد الدين العثماني ومن طرف رئيس المخابرات عبد اللطيف الحموشي، لكن ملك المغرب رفض استقباله، وخاب أمل نتنياهو الذي ظل ينتظر جنب الهاتف في فندقه البرتغالي.

فهل سيطول انتظار نتنياهو أكثر، ما دام المغرب يشترط حصول مفاوضات حقيقية وتنازلات تؤدي لدولة فلسطينية قابلة للحياة على حدود 1967 وعاصمتها القدس، أم أن واشنطن ستبتز المغرب أكثر؟

Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
online free course