مستقبل الأمن القومي الأميركي.. بصمة ترامب ستستمر طويلاً

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، اعتبرت الولايات المتحدة نفسها المدافع الرئيسي عن طريقة الحياة الرأسمالية، وقائدة النظام الدولي المبني على قواعد القيم الليبرالية، فوفّرت لعشرات الدول الحماية العسكرية وطرق الشحن الآمنة، وسهولة الوصول إلى الدولار والأسواق الأميركية. في المقابل، أبدت تلك الدول ولاءها لها، وفي كثير من الحالات، حررت اقتصاداتها وحكوماتها. في العقود المقبلة ستؤدي شيخوخة السكان السريعة وظهور الأتمتة إلى إضعاف الإيمان بالرأسمالية الديموقراطية وتفكيك ما يسمى بالعالم الحر في جوهره.

يروق نهج ترامب بالفعل للعديد من الأميركيين اليوم، وسوف يزداد هذا المزاج بشكل أقوى في السنوات المقبلة مع تسارع اتجاهين عالميين: شيخوخة السكان السريعة وظهور الأتمتة، وهما إتجاهان سيعيدان تشكيل ديناميكيات القوة الدولية بطرق تصب في مصلحة الولايات المتحدة. وبحلول عام 2040، ستكون الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي تتمتع بسوق كبيرة ومتنامية وقدرة مالية للحفاظ على الوجود العسكري العالمي، وفي الوقت نفسه ستقلل التقنيات الجديدة من اعتماد الولايات المتحدة على العمالة والموارد الأجنبية، وستزود الجيش الأميركي بأدوات جديدة لاحتواء التوسع الإقليمي لمنافسيها من القوى العظمى وخصوصاً الصين. وطالما أن الولايات المتحدة لا تبدد هذه المزايا فإنها ستظل القوة الاقتصادية والعسكرية المهيمنة في العالم.

يأمل كثيرون بمجرد مغادرة دونالد ترامب المكتب البيضاوي، أن تستأنف الولايات المتحدة دورها كقائد للعالم الحر من جديد، غير مدركين إن حقبة الهيمنة الليبرالية للولايات المتحدة هي مجرد قطعة أثرية من وهج الحرب الباردة. على النقيض من ذلك كان نهج ترامب في التعامل مع السياسة الخارجية هو المعيار لمعظم تاريخ الولايات المتحدة. ونتيجة لذلك قد تستمر بصمة ترامب، في السياسة الخارجية لفترة طويلة بعد رحيل ترامب نفسه.

شروق العولمة وغروبها

كانت العولمة إحدى أولويات السياسة الخارجية الأميركية التي سعت للترويج لها، وبناء وترسيخ قواعدها حول العالم، فقد كانت الصفقة بين الطرفين قائمة على أن تصبح أميركا قوة عالمية عظمى بفضل أصحاب المصارف، مقابل ذلك تصبح هذه القوة في صالح أقطاب المال العالميين، وقد عبر الرئيس الأميركي الثامن والعشرون وودرو ويلسون في آخر حياته عن ندمه الشديد لقبوله نظام “الاحتياطي الفيدرالي” حين قال:

“I am a most unhappy man. I have unwittingly ruined my country. A great industrial nation is controlled by its system of credit. Our system of credit is concentrated. The growth of the nation, therefore, and all our activities are in the hands of a few men. We have come to be one of the worst ruled, one of the most completely controlled and dominated Governments in the civilized world no longer a Government by free opinion, no longer a Government by conviction and the vote of the majority, but a Government by the opinion and duress of a small group of dominant men.”

بهذه الكلمات عبر ويلسون عن خيبة أمله وندمه، لتحول أميركا إلى قوة في يد المصارف العابرة للقارات، والتي ساهمت في هزيمة الاتحاد السوفياتي في الحرب الباردة، وروجت للحلم الأميركي، وشكلت أذرعاً قوية للسياسة الأميركية حول العالم، وقدمت الدعم والمساندة لبعض البلدان الحليفة لتشكل نموذجا أكثر جاذبية من الشيوعية – ألمانيا الغربية مقابل النموذج السوفياتي، وكوريا الجنوبية، واليابان مقابل النموذج الصيني – وكذلك دعمت الصين في منتصف السبعينيات مستفيدة من إصلاحات دنغ شياوبنغ، والخلاف الصيني – السوفياتي لتعميقه، وضربه بالصين التي لم تكن تشكل خطرا في ذلك الوقت مثل روسيا السوفياتية.

بعد نهاية الحرب الباردة، وانتصار الولايات المتحدة فيها، سعت هذه القوى المالية لتعويض ما أنفقته في هذه الحرب، وما تعتبره حقا لها نظير مساهمتها في النصر الأميركي، وبدأ عصر النيوليبرالية، وتخلي أميركا عن التصنيع، ونقل الثقل الصناعي إلى الصين، وبلدان آسيوية أخرى للاستفادة من قوانين السوق، وشيوع النظام الرأسمالي عالميا، والعمالة الرخيصة. سبق ذلك مقررات مؤتمر جامايكا في كانون الثاني/يناير 1976، والتي أنهت عمليا العمل باتفاقية بريتون وودز، وبدء عصر ما يسمى “البترودولار” حيث تم إقرار الدولار عملة التبادل الوحيدة للنفط.

بموجب هذه الاتفاقية يطبع العالم عملته الوطنية بناء على ما يمتلكه من احتياطي نقدي دولاري، في حين أن الدولار يُطبع بلا غطاء من الذهب كما كان في الماضي بل بناءً على موارد ونفط وخامات العالم، وقد تم تعريف هذه العملية بأنها (Pax Americana) أي “عصر السلام الأميركي” الذي تحكم فيه العالم كإمبراطورية ضامنة للسلام والأمن والاستقرار، ومقابل ذلك تطبع عملتها بناء على مجهودات هذا العالم كثمن يقدمه لبقاء هذا السلام والرخاء، وفائض الربح المتحقق من هذه العملية يعاد تدويره كدولارات جديدة لصالح أقطاب المال. ولكن مع الوقت أصبح الهامش الذي كانت تحصل عليه أميركا من أرباح ويرتد على مواطنيها يتراجع، وهيمنت مصالح لوبي المصارف على مصالح أميركا نفسها، وسقط الاتحاد السوفياتي، بينما الأطراف التي تم دعمها لمنافسته أصبحت قوية وصاحبة تأثير اقتصادي كبير، وتراجعت القوة الأميركية، ولم يعد هذا السلام العالمي موجوداً، مع تصاعد قوى غير غربية وهو ما بدأ معه ما يسمى نهاية عصر السلام الأميركي. ليس هذا وحسب بل تفوقت هذه الأطراف على أميركا نفسها، وأصبحت تصدر لها أكثر مما تستورد وبفارق مهول (ألمانيا – كوريا الجنوبية – اليابان – الصين نموذجاً).

بناء على ما سبق أصبحت العولمة مكسباً كبيراً لصالح الرأسمالية العابرة للقارات التي تتخذ من أميركا مقرا لأعمالها اللوجستية والمالية، ولكن الاقتصاد الأميركي والمواطن الأميركي باتا في حالة تراجع، وهو ما أدى إلى بروز ما يسمى “التيار الشعبوي” المعبر في حقيقة الأمر عن المصالح التقليدية الأميركية التي حرص عليها الآباء المؤسسون، ومصالح الرأسمالية القومية الأميركية، والنخب المحافظة، والتي تمكن دونالد ترامب من مخاطبتها باللغة التي تفهمها، وهو ما أدى إلى وصوله إلى البيت الأبيض من دون دعم حقيقي من الحزب الجمهوري، وبالاعتماد على خطابه الإعلامي من دون الاستشاريين المتخصصين بالحملات الدعائية الانتخابية، وعلى الرغم أيضاً من معارضة مجتمع النخبة المعولم ومنظومته الإعلامية.

أصبحت العولمة مكسباً كبيراً لصالح الرأسمالية العابرة للقارات التي تتخذ من أميركا مقرا لأعمالها اللوجستية، والمالية، ولكن الاقتصاد، والمواطن الأميركي في حالة تراجع، وهو ما أدى إلى بروز ما يسمى “التيار الشعبوي” المعبر في حقيقة الأمر عن المصالح التقليدية الأميركية

بدأت فترة رئاسة ترامب بشعار استعادة أميركا لعظمتها مجددا – Make America Great Again ولتحقيق هذا الغرض، كان لا بد من انتهاج سياسية “أميركا أولا”، وهذه السياسة لا تعني الانعزال عن العالم ومشكلاته، ولا الانكفاء الداخلي، كما يروج المعادون لهذا التيار، بل مراعاة المصالح القومية الأميركية في سياسات أميركا وتعاملاتها وقراراتها مع باقي بلدان العالم من دون النظر إلى مصالح الرأسمالية العابرة للقارات، التي ورطت أميركا في صراعات وحروب ومشكلات عدة لأجل مصالحها. ووفق هذا المنطق تدور الحرب منذ 20 كانون الثاني/يناير 2017 وحتى الآن بين ترامب وفريقه وبين الديمقراطيين والنخبة المؤمنة بالعولمة التي سدد لها ترامب عدة ضربات مؤلمة، وتمكن عبر تعديل موازين العلاقة التجارية باتفاقيات ثنائية من تحسين وضع الاقتصاد الأميركي، وزيادة فرص العمل، وإضعاف الكيان الأوروبي بتشجيعه لانسحاب بريطانيا منه، ومبادرته إلى الحرب التجارية مع الصين.

لذا تكمن خطورة ترامب على هذه النخب في أن نجاحه في هذه السياسة سيخلق رأياً عاماً شعبياً مؤيداً لها، وهذا الرأي يُعيد للمواطن الأميركي زمام المبادرة في تحديد سياسات بلده لتعمل لصالحه، وهو ما سيفرض على أي مرشح كان جمهورياً أم ديمقراطياً أن يراعيه في سياساته، ولذلك أثر سياسات ترامب حال تكللت بالنجاح، وأعيد انتخابه من جديد يتخطى مدة رئاسته، وهو ما يعني غروباً نهائياً لعولمة الشركات لتحل محلها عولمة بين الدول قائمة على مصالح ثنائية متبادلة.

فيروس كورونا في مواجهة الفيروس الصيني

بدت أزمة الفيروس التاجي كورونا المستجد (كوفيد-19) أو الفيروس الصيني كما يسميه الرئيس ترامب، أو فيروس ووهان كما يسميه وزير خارجيته مايك بومبيو، فرصة مناسبة لكلا الطرفين المتصارعين لتحقيق أهدافهما السياسية، فعندما بدأ تفشي الوباء في الصين، وفي اليوم التالي الذي قرر فيه ترامب حظر السفر من الصين وإليها، وإجلاء الأميركيين منها، بادر عمدة نيويورك الديمقراطي بيل دي بلازيو إلى دعم الصين، وكذلك الجالية الصينية في الحي الصيني في نيويورك، وذلك قبل الاحتفال برأس السنة الصينية، وطالب الأميركيين بمشاركة الصينيين بهذا الاحتفال حيث قال:

“In hard times, New Yorkers know to stand by their neighbors,” he claimed while going to Flushing in Queens, residence to among the biggest Chinese populaces beyond Asia “We’re in Flushing today to embrace Asian American owned small businesses and say to all New Yorkers: New York City’s Chinatowns are open for business.”

لم يخل هذا التصريح من استثمار سياسي للحدث، أراد من خلاله عمدة نيويورك مناكفة ترامب، والتأكيد على “عنصريته” في مقابل “التسامح” الذي يتحلى به منافسوه الديموقراطيون. تبع ذلك زيارة من رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي للحي الصيني في سان فرانسيسكو، ودعمها لسكانه، ولقاءها مع عدد من رجال الأعمال الصينيين، وذلك لنفس الهدف وهو تسجيل نقاط على ترامب. كما تقدم حاكم نيويورك أندرو كومو بالشكر للصين على دعمها في اليوم التالي لتوجيه ترامب انتقادات حادة لها.

في مقابل هذا الدعم والثناء الكبير من الديموقراطيين على الصين، وعدم تحميلها أية مسؤولية عن تفشي الوباء، والتأكيد على دعمها وضرورة “التكاتف” العالمي لمواجهة هذه الجائحة، وانتقاد ترامب لمسارعته في إيقاف الرحلات معها، بادروا هم أنفسهم إلى توجيه الاتهامات له بالمسؤولية عن تفشي الفيروس، وعدم مسارعته باتخاذ إجراءات حاسمة، وضغطهم للقيام بعملية إغلاق كامل، وهو ما سيؤدي إلى تراجع اقتصادي كبير ليتم استثماره في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

وترافق ذلك مع عودة باراك أوباما إلى الساحة، وانتقاده العنيف لسياسات ترامب، وهو أمر مخالف لكل الأعراف الأميركية بعدم تعليق رئيس سابق على سياسات رئيس حالي، بجانب انسحاب بيرني ساندرز السريع من الترشح، ودعمه لجو بايدن، وتوجيه نداء لكل أنصاره، والديموقراطيين، والمستقلين، بل وللجمهوريين بضرورة التكاتف للتخلص من ترامب، ورفض حكام الولايات الديمقراطيين إعادة فتح الاقتصاد تحت ذريعة الخوف من تفشي الوباء، وتحدي حاكم نيويورك لمخططات ترامب بفتح الاقتصاد ورفضه لها  في مقابل ضغوط الجمهوريين بسرعة الفتح.

يتضح مما سبق، وبالإضافة إلى الحملة الدعائية الشرسة، والمناكفات اليومية المتعمدة من وسائل الإعلام المحسوبة على الديموقراطيين، وجود تحالف مُحكم من كافة خصوم الرئيس ترامب ضده يسعى للتخلص منه. وبعد فشلهم في قضية اتهامه بوجود علاقة مع روسيا، ومحاولة عزله لاستغلال نفوذه في أوكرانيا لصالحه، مثلت أزمة جائحة كورونا فرصة أخيرة لهم للانقضاض عليه. لذلك جاء استخدامه لمصطلح “الفيروس الصيني” للرد على هذه الحملة، أي أن الرد جزء من الصراع الداخلي أكثر منه هجوم مباشر على الصين، وعليه فالمعركة بين فريق “فيروس كورونا” وفريق “الفيروس الصيني” جزء من هذا الصراع الكبير على مستقبل الولايات المتحدة، ومعها مستقبل العالم كله، وهو ما ستنعكس نتائجه بكل تأكيد على منظومة الأمن القومي لكافة بلدانه.

المعركة بين فريق “فيروس كورونا” وفريق “الفيروس الصيني” جزء من الصراع الكبير على مستقبل الولايات المتحدة، ومعها مستقبل العالم كله

الأمن القومي الأميركي في ضوء المستجدات الناشئة

قدرة روسيا، أو بعض البلدان الأخرى المؤيدة لخط ترامب على تقديم دعم له تبدو محدودة هذه المرة، ولكنه يتمتع بميزات إضافية لم تكون متوفرة له في الانتخابات الماضية، ومنها دعم الحزب الجمهوري بأكمله باستثناء قلة قلية غير مؤثرة، وتحسن واضح في وضعية الاقتصاد الأميركي برغم الآثار السلبية التي سيخلفها الفيروس، والتي تحتاج إلى تقديم دعم له يمكن أن يواجه به خصومه، كذلك حالة النقمة الشعبية على الصين والمؤيدين لها أو أصحاب المواقف اللينة تجاهها، وهو ما يسعى ترامب لاستغلاله بمزيد من الضغط عليها، واتهامها بأن الفيروس ربما تسرب من أحد معاملها في مدينة ووهان، وترويج أتباعه لهذه النظرية  بالإضافة للتصعيد في خطابه تجاهها بما قد يدفعه في نهاية المطاف إلى احتكاك عسكري بسيط معها حال وجد ذلك في مصلحته، وبمساعدة حلفاءه في منطقة شرق وجنوب، وجنوب شرق آسيا، ومن هنا يمكن فهم سر تقاربه مع الهند، وسعيه لتحييد كوريا الشمالية، بجانب وقوف البنتاغون معه في هذه المعركة. وبرغم الاختلافات بين الطرفين في عدة قضايا، إلا أن البنتاغون يؤيد مساعي ترامب تجاه تطويق الصين. ولتأكيد هذا التفاهم يسعى ترامب عبر الجمهوريين لوضع مبلغ يقدر بحوالي 6 مليارات دولار في صندوق دفاعي جديد مخصص لمواجهة الصين.

تهدف هذه الخطة لتعزيز قدرات البنتاغون، ورفع معدل جهوزيته في أي مواجهة ضد الصين، وكسب ترامب له في صفه، وإحراج خصومه الديمقراطيين في الكونغرس حال لم يوافقوا عليها. وغالب الظن سيتم إقرار هذه الموازنة. إلا أن سيناريو الحرب الشاملة يبدو مستبعداً للغاية، وذلك لامتلاك كلا البلدين لقوة ردع نووية، وعدم رغبة البلدان الحليفة لأميركا في المنطقة بالدخول في حرب مع الصين تدرك أنها الخاسر الأكبر فيها، والتشابك الكبير بين اقتصاد كلا البلدين، والاستثمار الصيني الضخم في سندات الخزانة الأميركية، والتي بلغت في كانون الأول/ديسمبر عام 2019 حوالي 1.07 تريليون دولار وهو ما يوازي 5% من إجمالي الدين القومي الأميركي البالغ 23 تريليون دولار.

يمكن القول إن حلفاء ترامب في هذه المعركة هم المهاجرون القدامى، وغير الراغبين في مزيد من المهاجرين الجدد الذين يؤثرون على فرصهم، والتيار المحافظ، والتيار القومي، والتيارات المتدينة من الإنجيليين، والبيوريتانيين، والأنغليكانيين، وبعض البروتستانت، وقلة من اليهود، والعمال، والطبقة الوسطى، وأصحاب الأعمال أو ما يمكن تسميتهم بالرأسمالية القومية، والنخب المحافظة وعلى رأسها شخص مؤثر مثل هنري كيسنجر. كما يعزز من فرص ترامب أن المرشح الديمقراطي بايدن ضعيف الشخصية، ولا يمتلك كاريزما، ولا مشروعاً جذاباً مغايراً لمشروع ترامب.

في مقابل ذلك لا تقدم الصين نموذجاً مناقضاً للولايات المتحدة في جوهره كما يبدو الأمر في الظاهر، أو كما كان الاتحاد السوفياتي، يمثل منظومة قيم اقتصادية، وسياسية، واجتماعية مناقضة، ومغايرة للنموذج الأميركي. كما لا يوجد لدى الصين تاريخ استعماري، وثقافتها ولغتها شديدة المحلية غير قابلة للتصدير للخارج، ولا تمتلك بعد قدرات عسكرية تؤهلها لخلق توازن مع أميركا على الأقل في الوقت الحاضر، ولا حلفاء يمكن الاعتماد عليهم في أية مواجهة حقيقية، كما أن نموذجها الاقتصادي قائم في الأساس على التصدير للخارج، والسوق الأميركية أحد أهم أسواقها، وليس من مصلحتها نشوب نزاع معها، بجانب استثماراتها في السندات الأميركية، وتحليها بما يمكن وصفه بفضيلة “الصبر الاستراتيجي” وعدم الاندفاع أو الانجرار بسهولة نحو أية استفزازات، وكما أسلفنا فلا وجود لنموذج بديل لديها يمكن أن تقدمه للعالم ليقف بجوارها.

في المقابل لا يمكن للرأسمالية العابرة للقارات الاستغناء عن الصين، ولا عن الفوائد الاقتصادية الضخمة التي تحققها عبر التصنيع فيها، حيث لا قيود على تلوث البيئة، ولا حقوق للعمالة كما هي الحال في البلدان الغربية، واستقرار بمنظومة الحكم، ومركزية بالقرار بعيدا عن الديمقراطية وصراعاتها الحزبية، وعمالة مدربة ومؤهلة فنيا وتقنيا، وقادرة على العمل في ظل ظروف صعبة، وبرواتب متدنية.

مشروع الرئيس ترامب بالتصنيع في أميركا يواجه بعدة عقبات، ليست فقط عقبة الرأسمالية العابرة للقارات، ولكن التكلفة المرتفعة للتصنيع داخل أميركا، وهو ما سيجعل المنتج الصيني أرخص بكثير، وحال تم فرض عقوبات عليه سيكون الكوري وربما الياباني بديلا عنه، ويظل أرخص من الأميركي وذا جودة عالية، وبالتالي لن تحقق سياساته أهدافها، كما أن التصنيع في أميركا لو فرضنا وتحقق سيؤدي إلى تراجع كبير في نسب الاستهلاك وذلك لزيادة سعر المنتج، وأرباح أقل للمصنعين، وهو ما يؤثر سلبا على المنظومة الرأسمالية القائمة على تشجيع الاستهلاك الكثيف.

برغم الحملة الشرسة على ترامب، إلا أن حظوظه في ولاية جديد تظل هي الأكثر، ما لم يطرأ جديد يغير المعادلة

أكدت الجائحة الأخيرة أن الاعتماد الكامل على سلاسل التوريد الصينية لا تكمن خطورته فقط في إمكانية تعطلها، ولكن على الأمن القومي الأميركي نفسه بأن تكون الاحتياجات الطبية الحساسة لمصير مواطنيها بيد الصين، وهو ما سيمكن الرئيس ترامب من تحقيق نجاح جزئي في نقل هذه الصناعات للداخل الأميركي، وتأييد البنتاغون والجهات الأمنية لوضع سياسة تصنيعية داخلية بمعدات شبيهة تؤثر على الأمن القومي.

برغم الحملة الشرسة على ترامب، إلا أن حظوظه في ولاية جديد تظل هي الأكثر، مالم يطرأ جديد يغير المعادلة، وسيناريو العلاقة مع الصين لن يخرج في الغالب عن احتمالات ثلاثة:

– ضغوط أمريكية عبر مطالبة الصين بتعويضات، والكشف عن معاملها، وحشد الحلفاء خلف هذه الدعاوى لمزيد من الضغط عليها، ما يؤدي إلى تفاوض صيني – أميركي ينتج عنه تفاهم يُحسن من شروط التبادل التجاري بين البلدين، وتكافؤ أكثر من الميزان التجاري، وهو ما سيعتبره ترامب والتيار المؤيد له انتصاراً كبيراً، وخطوة أولية على الطريق، وهو الاحتمال الأكثر ترجيحا، وسيجد دعما في هذه الضغوط من كافة مؤسسات الأمن القومي الأميركي التي ترى أن أميركا تعرضت لأكبر عملية اختراق في تاريخها على يد الصين. هذا الاختراق تم عبر استغلال الأخيرة لكافة قواعد اللعبة التي وضعتها أميركا للهيمنة الاقتصادية على العالم، وجعلتها في صالحها بجانب استحواذها على علوم ومعارف أميركية، ووضع تعديلات طفيفة عليها وهو ما مكنها من تحقيق أرباح طائلة في زمن قياسي، وبتكلفة محدودة، وسرعة في الإنجاز التكنولوجي وصلت حد تخطي براءات الاختراع الصينية لنظيرتها الأميركية   والتفوق لأول مرة عليها في مجال الاتصالات عبر منظومة الـ 5G. وهو ما يهدد التفوق التكنولوجي الأميركي بجانب الاقتصادي مع تنامي قدراتها العسكرية.

– حرب تجارية طويلة بين الطرفين في حال أعيد انتخاب ترامب يرافقها سعي أميركي لتوطين بعض الصناعات الهامة داخل أراضيها، والتوسع في التصنيع لدى بعض البلدان الحليفة ذات التكلفة الأقل مثل الهند، وفيتنام، والفلبين، ودول جنوب شرق آسيا. إلا أن هذا السيناريو بحاجة لوقت، والحرب التجارية ستضر بكلا الطرفين. لذلك قدرة أميركا على حسمها سريعا يعود لمدى تعاون روسيا معها فيها، وفي حال حدث هذا التعاون يمكن التوافق على نظام عالمي جديد بين القوى الثلاث (أميركا – روسيا – الصين). إلا أن هذا الاحتمال يواجه بعوائق داخلية أميركية، وثمن جيوسياسي كبير لابد أن تقدمه واشنطن لروسيا في أوكرانيا، والمجال السوفياتي السابق. لكن في حال فاز ترامب بولاية جديدة، ربما سيكون أكثر جرأة على اتخاذ مثل هكذا خطوة، خصوصا لو لم ترضخ الصين لضغوطه، وهو ما بدأت تتحسب له منذ الآن الجهات المعارضة لهذا التوجه، والمتخوفة منه، ولذلك خرجت النيويورك تايمز بتقرير غريب، يدعي إشراف بوتين شخصيا على حملة تهدف لزعزعة الثقة بين المواطن الغربي وحكوماته، وهي تصريحات تشبه تلك التي تصدر من حكومات “العالم الثالث” التي توصف بالديكتاتورية وفق المعايير الأميركية.

– حرب عسكرية خفيفة، تؤدي إلى توتر عالمي، ينتج عنها تقاسم أميركي – صيني للنفوذ في العالم، وانخراط الصين بشكل أكثر فاعلية في النظام الدولي وتراجع في علاقتها مع روسيا، وهو سيناريو يبدو مستبعداً.

خاتمة

أياً كان توجه الرئيس الأميركي القادم، ستُوضع الصين على رأس أولويات العسكريين في البنتاغون، وسيشكلون قوة ضاغطة لتوفير القدرات المناسبة لردعها. كما سيأخذ الرئيس بعين الاعتبار المصالح الداخلية للمواطن الأمريكي دون انحياز كالسابق لمصالح الشركات العبرة للقارات، وتيار العولمة، وحال لم يلتزم بذلك فسيشهد الشارع ازدياداً في حركات الاحتجاج، وشعورا عاما لدى قطاع عريض من المواطنين بعدم وجود من يعبر عن مصالحهم. كما يصعب للغاية عودة أمريكا لخطاب الماضي الداعي لتصدير قيمها، والضغط على باقي بلدان العالم لتطبيقها بشكل قسري.

حال تمكن الرئيس ترامب من الحصول على ولاية رئاسية جديدة، يتوقع أن يكون أكثر قدرة على تطبيق ما عجز عن تحقيقه بالولاية الأولى، وسيصبح خطابه بداية لعصر جديد تُحسم فيه خيارات أمريكا للعقود الثلاثة القادمة، وسينبثق عنه خطاب قومي جديد أكثر تماسكا، لذلك معركة ترامب ليست معركة شخصية، ولا معركة أميركية، بل معركة ستنعكس آثارها على العالم كله في قيام نظام عالمي جديد تراعي فيه مصالح الدول أولا، وسيرتد بشكل إيجابي على المنطقة العربية، وقضاياها، ويعزز من استقرارها. فعلى الرغم مما يبدو تحيزا من إدارة ترامب لصالح إسرائيل. إلا أن هذا التحيز استعراضي أكثر منه فعلي، ولا يعبر عن عقيدة بل رغبة في الحصول على دعم من التيارات الدينية في ظل المعارضة الشرسة التي تواجه بها هذه الإدارة من قبل الليبراليين، سيسعى ترامب في ولايته الثانية لصنع علاقة متوازنة مع روسيا، وسيصبح الثقل العالمي موزع بين عدة أقطاب مع تفوق أميركي واضح، كذلك ستقوى جبهة المعارضة الداخلية التي يقودها ضد نظام الاحتياطي الفيدرالي، والتي بدأها منذ عام. للتخلص من نفوذ هذا النظام المعولم على الاقتصاد الأميركي، وهو أمر إيجابي للعالم كله، وللبلدان العربية، والنفطية منها على وجه الخصوص.

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
udemy paid course free download