إيران في لبنان.. البعد الجيوسياسي!

قبل تبلور فكرة الدولة الحديثة بالمفهوم الذي ساد بعد صلح وستفاليا أواسط القرن السابع عشر، وبعده، كان لبنان، ولا يزال، موئلاً لصراعات الأمم بدءاً من الصراع بين الفراعنة والحثِّيين وصولاً إلى الصراع الأميركي الإيراني الذي تطال لبنان تداعياته.

هل وصلت “لعبة الأمم” إلى الذروة؟

غرباً اشتعلت أوكرانيا، فَجَرَّتْ أوروبا قاطبةً إلى حمأة الصراع. كما يقترب النزاع في محيط تايوان شرقاً من حافة الحرب، في حين تتكاثر الأحلاف حول كل مناطق الإحتكاك. أمَّا خلفية التصعيد العالمي هذا فما زالت نفسها منذ بدء الثورة الصناعية أواسط القرن الثامن عشر، عندما نحا الإنتاج الصناعي باتجاه استعمال الآلات بديلاً عن العمل الحِرَفي اليدوي: السيطرة على الممرات البحرية لنقل الوقود (كما على مصادر إنتاجها ولو بحدَّةٍ أقل) بدءاً بالفحم الحجري مروراً بالنفط وصولاً إلى الغاز.

“أوراق الوضع” الإستراتيجية التي تَنْشُرُها الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ عهد جورج بوش الإبن، تشير إلى سياسة تصدٍّ مزدوج للصين وروسيا ولو بتشديد متفاوت هدفه البعيد جذب روسيا إلى صفِّ الغرب. تتوخى الولايات المتحدة الأميركية ومعظم حلفائها، وبالأخص بريطانيا وألمانيا، هدف إستمالة روسيا على المدى المتوسط إلى صفها بوسيلتين أساسيتين:

-إضعاف روسيا بالعقوبات.

-تسليح من يناوىء روسيا في النزاع المسلَّح في أوكرانيا، من جهة، والإستثمار على تنازع النفوذ بينها وبين الصين في آسيا الوسطى، كما يحدث الآن في قرغيزستان وطاجكستان ومؤخراً في كازاخستان، من جهة ثانية.

اجتهدت إيران “بِفتْح” الممر البرِّي العراقي – السوري – اللبناني عام 2017، في حين تحافظ الولايات المتحدة الأميركية على “إشرافها” عليه (أي على الممر)، من التنف جنوباً، وقواعدها في مناطق “قسد” في الشمال الشرقي، ما يوحي بـ”غض نظر” أميركي، سهّل لإيران تأمين الخط البرِّي من أراضيها إلى شاطئ المتوسط الشرقي

التنازع الصيني – الروسي هذا ليس خفياً ولو تغاضت عنه روسيا لحاجتها الآنية إلى الصين كي تَتَفَلَّت ولو بمقدار معيّن من العقوبات الغربية المثبطة لاقتصادها من خلال زيادة تجارتها مع الصين التي بلغت هذه السنة ما يقارب 118 مليار دولار حتى شهر آب/أغسطس 2022، أو باستكمال خط أنابيب الغاز من خلال منغوليا، كما شدَّدَ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماعِهِ مع الرئيس الصيني شي جين بينغ على هامش قمة “مجموعة شانغهاي” في سمرقند.

يقع لبنان في قلب الصراع الروسي – الأميركي المتوسط المدى، كما في قلب الصراع الصيني – الأميركي ذي المدى الأبعد، لسببٍ أساسي هُوَ موقعه الجغرافي على شاطئ الحوض الشرقي للبحر المتوسط. وما تحرُّك إيران للتموضع بقوة في لبنان إلّا توخياً لما يجلب لها ذلك من منافع، لأنها بذلك تتموضع على أهم المنافذ البحرية لمبادرة الحزام والطريق الصينيّة. سيطرتها المتوخاة في لبنان إذاً، في حال اكتملت، ستُمَكّنُها من لعب دور “بيضة القبّان” في كِلا هذين الصراعين، مستفيدةً من موقِعِها الجغرافي كممرٍ برِّيٍ أسهل لكليهما، أي الصين وروسيا، إلى المحيط الهندي الذي لا يُمكِن للبحرية الأميركية وحلفائها أن تقبض عليهِ بشكلٍ فعَّال بِحُكْمِ أنه مفتوح على المحيط الأطلسي كما البارد الجنوبي ومن خلالهما على المحيط الهادئ، دون أي مضائق إلزامية.

البعد الجيوسياسي يتحكم إذاً بسياسة إيران في لبنان، كما “في الطريق” إليه من خلال العراق فسوريا. تالياً، إنّْ لم تؤمِّن إيران نفوذاً كافياً في لبنان، فستنقص إستفادتها من مَوْقعِها إذ تكون حُرِمَتْ من الوصول بَرَّاً إلى الشاطئ اللبناني وتالياً إلى أوروبا، متفاديةً بذلك المضائق الثلاثة التي تسيطر عليها البحرية الأميركية وحلفاؤها، أي هرمز والمندب وقناة السويس، على التوالي من الشرق نحو الغرب.

تبعاً لذلك، اجتهدت إيران “بِفتْح” الممر البرِّي العراقي – السوري – اللبناني عام 2017، في حين تحافظ الولايات المتحدة الأميركية على “إشرافها” عليه (أي على الممر)، من التنف جنوباً، وقواعدها في مناطق “قسد” في الشمال الشرقي، ما يوحي بـ”غض نظر” أميركي، سهّل لإيران تأمين الخط البرِّي من أراضيها إلى شاطئ المتوسط الشرقي، بعدما سمحت سوريا لروسيا بإقامة قاعدة بحرية في جِزْئِهِ السوري منذ العام 2015، ناهيك عن احتلال تركيا لجزئهِ الممتد من خليج الإسكندرون نحو الشمال (الذي “وهبتهُ” فرنسا لتركيا سنة 1939 دون وجه حقّ)، في حين تحتلّ إسرائيل الجزء الجنوبي من شاطىء شرق المتوسط، بإستثناء شاطئ غزَّة الذي تُحاصره منذ العام 2007.

أما حاجة إيران لممر طهران – بيروت هذا فأساسيّة: الاستفادة من مبادرة الحزام والطريق الصينية إلى أقصى مدى. هل يقتصر الأمر على هذه الفائدة؟ حتماً، هناك أبعاد أخرى للحضور الإيراني. هذا قلب المشرق العربي.

هل يمكن أن يُقدم حزب الله ولإعتبارات لبنانية بحتة على إعطاء الضوء الأخضر لإبرام إتفاق حدودي بحري بين لبنان وإسرائيل برعاية الأميركيين، طالما أن المستفيد الأول منه (طاقوياً) هو معسكر الغرب الذي يواجه روسيا في أوكرانيا؟ أم أن للأمر أبعاده المتعددة لكأن حزب الله، وبمباركة إيرانية، أصاب أكثر من عصفور بحجر الإتفاق نفسه؟

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  جوائز الصحافة.. وجماعة الجورنالجية!
إيڤون أنور صعيبي

كاتبة وصحافية لبنانية

Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  إنتخابات العراق: الكاظمي "تقاطع طرق".. و"التشرينيون" بلا جاذبية