الترامبية إلى الجنون لبنانياً وإقليمياً: الأمن ثم الأمن!

قُضي الأمر. جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة الأميركية. المسألة مسألة توقيت. من الآن وحتى موعد إنتهاء ولاية دونالد ترامب في العشرين من كانون الثاني/يناير 2021، ربما تكون أسابيع حبلى بالمفاجآت، وأول مؤشراتها لبنانياً فرض عقوبات أميركية على رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل.

مسافة الشهرين بين صدور النتائج وعملية التسلم والتسليم، برغم ما قد يشوبها من نزاع قضائي ـ دستوري، كان مُقدراً لها أن تكون حامية. إقتضى الأمر رسم سيناريوهات محتملة لهذه الأسابيع الفاصلة، وكان مُرجحاً أن تبادر الإدارة الجمهورية إلى فرض جدول أعمال على الإدارة الديموقراطية الجديدة، لن يكون سهلاً التفلت منه مستقبلاً. هناك آلاف الموظفين الذين سيتغيرون، لا سيما في وزارة الخارجية الأميركية التي تعطل دورها دولياً على مدى سنوات الولاية الأولى لترامب، لمصلحة وزارة الدفاع (البنتاغون). حتى أن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، لطالما كان يتصرف بوصفه موظفاً كبيرا في “السي آي إيه” وليس على رأس جهاز ديبلوماسي تراجع دوره وتقدمت أدوار موظفين في البنتاغون (نموذج الدبلوماسي ديفيد شينكر المعني بالملف اللبناني).

ما أصاب جبران باسيل اليوم (الجمعة) سيصيب حتماً شخصيات لبنانية أخرى، في بيئات مختلفة. أداة العقوبات لها عناوين مختلفة. قانون قيصر. ماغنيتسكي. الإرهاب. تبييض الأموال إلخ.. لكن المنطلق واحد والنتيجة واحدة. جبران باسيل لم يكن مطلوباً منه سوى تنفيذ أمر بسيط جداً: الخروج من تفاهم مار مخايل بين حزب الله والتيار الوطني الحر. مطلب مُحدد قابله باسيل برفع سقف التمايز السياسي بين الحليفين لعله ينجح بتقديم صورة جديدة له وللتيار. مسار بدأه منذ شهور عديدة، لكنه لم يكن مقنعاً للأميركيين. هم إتخذوا قرارهم وكانت المسألة مسألة توقيت. لذلك، نفذوا تهديدهم، وهم يدركون أن الطعن بالقرار والعودة عنه يحتاج إلى فترة زمنية لن تقل عن سنتين، اي إلى ما بعد إنتهاء الإستحقاق الرئاسي في تشرين الأول/أكتوبر 2022.

ماذا يمكن أن ننتظر من إدارة ترامب كلبنانيين تحديداً في ما تبقى من ولايتها؟

كان جبران باسيل صريحاً برهانه على فوز بايدن منذ أربعة أشهر عندما قارب الإنتخابات الرئاسية الأميركية وجزم بأن العودة إلى الإتفاق النووي حتمية “وستُغير أموراً كثيرة عندنا وتُريحنا، ولكن التوقيت ضاغط بالنسبة لنا، لذا علينا الإنتظار لا بل علينا الصمود”. بدا أن الرجل مثل كثيرين في المنطقة، وأولهم إيران، كان يراهن على هزيمة ترامب. لذلك، لم يكن مفاجئاً قرار الإدارة الحالية، لا بل ثمة قناعة أن القرار كان متخذاً ولم يكن يحتاج سوى إلى كبسة زر. قبل أيام قليلة تحديداً، جزم مسؤول لبناني كبير في مجلس خاص أنه تدخل لدى الفرنسيين من أجل ثني الأميركيين عن إصدار القرار بضم باسيل إلى لائحة العقوبات. بعد صدور النتائج، إختلفت المعادلة. لذلك، لا يتردد أحد اللبنانيين العارفين في القول إن العقوبات ستستمر وستستهدف قريباً شخصيات أخرى بينها وزير سابق في تكتل الإصلاح والتغيير، بالإضافة إلى بعض المحيطين بباسيل وبينهم من هو/هي ليس/ت معروفاً/ةً.

ما يسري على محيط رئيس الجمهورية والتيار الحر قد يتمدد بإتجاه شخصيات لبنانية أخرى، لا سيما بعض محيط رئيس مجلس النواب نبيه بري ربطاً بمجريات تأليف الحكومة اللبنانية، حيث يجري الحديث عن تسريب أسماء وتراجع أخرى، في بورصة التوزير، ودائماً ربطا بمعطيات خارجية.

غير أن ما ينبغي رصده أيضاً هو الخشية من تطورات أمنية أو عسكرية قد تشهدها الساحة الداخلية اللبنانية أو منطقة الحدود الجنوبية، ولعل الأخطر هو ما حذر منه مسؤول لبناني كبير من تكرار سيناريو إغتيال الجنرال قاسم سليماني قبل عشرة أشهر في العاصمة العراقية، وعندما سُئل عن المقصود، أجاب أن المستهدف هذه المرة “لن يكون أقل من الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله”. لذلك ـ أضاف  ـ “نحن أمام مرحلة حبس أنفاس من الآن وحتى العشرين من كانون الثاني/يناير، وعلى الجميع عدم التساهل في الأمن، بما في ذلك قيادة حزب الله”.

يأتي هذا التحذير على مسافة أسابيع من مقالات نشرتها الصحف الإسرائيلية، وتضمنت تسريبات أمنية، ففي 19 أيلول/سبتمبر الماضي، توجه مراسل صحيفة “إسرائيل هيوم” بسؤال إلى الجنرال أمير برعام، قائد المنطقة الشمالية في جيش الاحتلال الإسرائيلي “هل يجب أن يكون نصرالله هدفاً للاغتيال”؟ فأجاب المسؤول العسكري الإسرائيلي “نعم، في ظل ظروف معينة”، قبل أن يستدرك “في الوقت الحالي، هذا ليس مناسباً، لكن الأمور يمكن أن تتغير”. بعدها بشهر، وفي مقابلة مع موقع “إيلاف” السعودي، قال رئيس شعبة البحوث في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، درور شالوم، إن إسرائيل “غير معنية باغتيال نصرالله”، ملمحاً إلى أن إسرائيل “لو أرادت قتله لقتلته”!

هل للعقوبات صلة بملف الترسيم البحري؟

تشي بعض ردود الفعل الإسرائيلية أن تل أبيب وواشنطن صُدمتا بالمقاربة التي قدمها الوفد العسكري اللبناني لجهة مطالبته بإعتماد قواعد جديدة للترسيم، وهي مقاربة، كان يُراد لها أن تكون على طاولة المفاوضات منذ أشهر طويلة. خط الترسيم الجديد يشمل مسطحاً مائياً مساحته 1430 كلم2 اضافياً الى المسطح الذي يصل للنقطة 23، أي إضافة إلى الـ 860 كلم2 التي يطالب بها لبنان، فيكون الإجمالي 2290 كلم2، وهي المسألة التي قال الإسرائيليون إنها ستنسف المفاوضات لأن التعليمات الآتية من وزارة الطاقة الإسرائيلية واضحة: التعليمات تقول بالتفاوض على اساس خط هوف، وإذا قررتم الذهاب إلى هكذا مقاربة (تجعل لبنان يقترب من مكامن غازية إسرائيلية في كاريش ولفياتان)، فلدينا أيضاً خطوطنا.

هنا يصبح السؤال مشروعاً: هل دفع جبران باسيل فاتورة إقتراح الترسيم البحري الجديد؟

حكومة الحريري مؤجلة

هل يمكن القول سياسياً أن لا حكومة لبنانية في المدى القريب؟

الإستنتاج بديهي. لا حكومة. لن يتنازل جبران باسيل أو ميشال عون تحت ضغط العقوبات. على الأرجح، ستعود أمور التأليف إلى المربع الأول. أي أن يطالب باسيل بلسان عون بالحقائب التي لم يكن يجرؤ على المطالبة بها، قبل العقوبات، مثل وزارة الطاقة تحديداً.

لكن بمعزل عن النتيجة، فإن سعد الحريري لن يعتذر عن التكليف، على الأرجح، الأمر الذي سيجعل العهد عرضة للضغط الإقتصادي والمالي، وهو ضغط لن تفلح حكومة تصريف الأعمال برئاسة حسان دياب في مواجهته بوسائلها التي جربتها وكان مردودها سلبياً.

كذلك، لن يكون مفاجئاً موقف حزب الله الذي ترك للحريري أن يتفاهم مع جبران باسيل والعهد، لكن بكل الأحوال، لن يسمح حزب الله بولادة حكومة لا تلبي شروط باسيل، لذلك، على الفرحين بالعقوبات، يقول مسؤول لبناني كبير، أن يتوقعوا مساراً صعباً للتأليف، فحزب الله “لن يسمح بأن يكون جبران باسيل لقمة سائغة”. يعني ذلك أن حزب الله سيقف، بعد العقوبات، أمام باسيل وليس إلى جانبه أو خلفه.

من الآن وحتى إستلام إدارة بايدن بعد شهرين، ماذا ينتظرنا أيضاً؟

نصف قرن في السياسة كفيل بأن يجعل جو بايدن يعرف لبنان. نصف قرن ربما هو الأصعب في تاريخ لبنان. من السنوات التي وضعت لبنان على سكة الحرب الأهلية إلى يومنا هذا. زيارة بايدن الأولى للبنان كانت في العام 1973، أي بعد سنة من إنتخابه سناتوراً عن ولاية ديلاوير، وهو في التاسعة والعشرين من عمره. زيارته الثانية والأخيرة للبنان تمت في أيار/مايو 2009. كان أول مسؤول أميركي رفيع المستوى يزور بيروت منذ زيارة جورج بوش الأب بصفته نائباً للرئيس رونالد ريغان في العام 1983، يوم أتى متفقداً قوات المارينز، بعد استهداف مقرهم على طريق المطار بتفجير أودى بحياة 241 ضابطاً وجندياً أميركياً.

أتى بايدن، في العام 2009، قبيل 16 يوماً من تاريخ إجراء إنتخابات نيابية صرف عليها السعوديون بقرار أميركي أكثر من مليار دولار أميركي، وتمكنوا من الفوز بأكثرية مجلس النواب. اللافت للإنتباه في تلك الزيارة أنها جاءت في خضم “حرب أمنية” بين لبنان وإسرائيل، أسفرت عن تفكيك عشرات الشبكات الإسرائيلية العاملة في لبنان، وشكل فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي رأس حربتها، وهذه النقطة أثارها معه، وقتذاك، معظم المسؤولين اللبنانيين، وكاد فرع المعلومات يدفع ثمن تصرفه بمعدات أميركية وفرنسية كان مطلوبا إستخدامها ضد حزب الله، فإذا بها أداة لكشف خلايا إسرائيلية نائمة في لبنان.

من نافل القول أن فوز بايدن يأتي على وقع العقوبات.. الخشية كل الخشية على الأمن. هل من مصلحة إيران التصعيد في الساحات التي تملك نفوذا فيها ومنها لبنان، من أجل فرض جدول أعمال سريع على الإدارة الجديدة. هل يملك بايدن تصورا للملف اللبناني؟ من الرابج بفوزه لبنانياً؟ للبحث صلة.

حسين أيوب

صحافي لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
online free course