صواريخ عدن.. الإنقلاب على الشراكة

من بعيد تبدو العلاقات بين أبو ظبي والرياض متينة ووثيقة، فهما ينخرطان في حلف إستراتيجي واحد ويخوضان معاً حروباً مشتركةً على أكثر من جبهة، أكان ضد إيران أو الأخوان المسلمين أو تركيا رجب طيب اردوغان. لكن من قريب تبدو الصورة مختلفة.

كلما جرى التدقيق في تفاصيل الزواج السعودي – الإماراتي، راحت المشتركات بين الحليفين الخليجيين تذوب حتى تكاد تتلاشى. صحيح أن هاتين الدولتين خاضتا معاً عاصفة الصحراء في اليمن، لكن لكل منهما أجندته الخاصة في هذا البلد الذي يشاركهما جغرافيا شبه الجزيرة العربية. هذا التضارب في الأجندات تحول حرباً معلنة خاضها  المجلس الإنتقالي الجنوبي بالوكالة عن الإمارات، فيما خاضها “جيش الشرعية” بقيادة الرئيس عبد ربه منصور هادي بالنيابة عن المملكة العربية السعودية، قبل أن يجبرا على التشارك في تشكيل حكومي موحد، سرعان ما تلقى ضربة على الرأس لحظة أن وطأ ارض مطار عدن.

ولكل من الحليفين، نظرته الخاصة إزاء “العدو الاول” إيران، ذلك أن أبو ظبي، وبرغم زحفها في إتجاه إسرائيل و”صفقة القرن”، حافظت على شعرة معاوية مع طهران، ولا تزال تستقبل حوالي ثلاثمائة وخمسين ألف إيراني سنويا على أراضيها (بينهم أكثر من 70 ألف مقيم دائم حسب أرقام صيف العام 2019)، وذلك جنباً الى جنب جحافل السياح الإسرائيليين في فنادق دبي وأبو ظبي ومنتجعاتهما. أما العلاقة بين السعودية وإيران، فقد أصيبت بإنتكاسة كبيرة مع وصول أحمدي نجاد إلى رئاسة الجمهورية في إيران خلفاً لمحمد خاتمي الذي تمكن من نسج خيوط أفسحت أمام تقارب بين الدولتين اللتين لم تستقر علاقتهما منذ لحظة إنتصار الثورة الخمينية في العام 1979. هذه الإنتكاسة مع وصول نجاد إستمرت طوال ولايتي حسن روحاني وأسبابها تتصل بالنظام الإقليمي والنفط وأمن الخليج، ولو تم تغليفها في معظم الأحيان بعناوين مذهبية، مثلما تم تغليفها في زمن جمال عبد الناصر بقضية الإلحاد والشيوعية!

تشابكت ملفات منطقة الخليج، ولم تنجح كل محاولات السعوديين والإماراتيين في تطويع قطر، فكان قرار الحصار في العام 2017، دليلاً على عمق التناقضات في البيت الخليجي، قبل أن يسقط هذا القرار الآن، بفعل دينامية خارجية، وتحديداً أميركية، مع بدء العد العكسي لدخول جو بايدن إلى البيت الأبيض.

من بعيد أيضا، يبدو اليمن عبارة عن يمنين: يمن في الشمال يحكمه الحوثيون فرادى بعد مقتل شريكهم السابق الرئيس الراحل علي عبد الله صالح ويديرون منه دفاعهم وحربهم ضد التحالف السعودي الإماراتي وأدواته المحلية المسماة “حكومة شرعية”، ويمن في الجنوب تديره حكومة يمنية برئاسة عبد ربه منصور هادي.

لكن من قريب، تبدو الصورة مغايرة، ذلك أن اليمن الذي لا يزال يوحّد شعبه الشقاء والفقر والوجع، يزداد فيه التشرذم كلما إحتدم الصراع وطالت الأزمة، فلا الجماعة الحوثية ولا حكومة هادي تحتكران الأرض أو القرار أو الشرعية المحلية بعدما كثر اللاعبون الصغار وأفسد اللاعبون الكبار مسارات الحرب أو السلم. صار كل مكوّن يمني يبحث عن كيف يسيطر، ليس على الخصم في المقلب الآخر من الحدود، بل كيف يسيطر على حلفائه لا أن يشاركهم السلطة، وإذا شارك فإنه ينتظر اللحظة المناسبة للإنقضاض على الشراكة أو الإنقلاب عليها.

إذا تأكدت صحة رواية الحوثيين بنفيهم مسؤوليتهم عن الهجوم ووضعه في خانة “تصفية الحسابات بين الأفرقاء المتصارعين في المقلب الآخر من البلاد”،  فإن الصواريخ التي سقطت على مطار عدن وقصر المعاشيق قد لا تكون سوى المقدمة لحرب صامتة أو صاخبة بين جناحي الحكومة الجديدة

 ولعل هذا ما يساعد على تفسير ما الذي حصل على أرض مطار عدن، لحظة وصول الحكومة اليمنية الجديدة التي تألفت في السعودية وضمت الفريق الذي يمثله الرئيس هادي والفريق الذي يمثل دعاة الانفصال في المجلس الإنتقالي الجنوبي. فالمملكة تريد تطبيق إتفاق الرياض الذي تأخر تنفيذه أكثر من أحد عشر شهراً لأسباب عديدة أبرزها أن التأخير يحرجها خصوصاً مع مجيء إدارة أميركية جديدة تخشى الرياض أن يختلف تعاملها مع ملفات المنطقة ولا سيما ملف اليمن عن الإدارة الأميركية المنتهية ولايتها.

لكن هذا الإتفاق المبرم في الرياض يُطبق على أفرقاء متحاربين لا يتفقون على شيء وتالياً لن ينفذوا بسلاسة ما تتمناه الرياض. ففريق هادي دخل في هذه الصفقة معتبراً نفسه الجهة المعترف بشرعيتها دولياً، لكن معضلته أنه ضعيف على الأرض، أما من يفترض أنه شريكه في الحكومة، أي المجلس الإنتقالي، فيستمد ثقته بنفسه من حضوره الوازن بقوة السلاح في مدينة عدن وجزيرة سقطرى الإستراتيجية، لكن هذا المجلس يفتقر إلى الحد الأدنى من الإعتراف الدولي بشرعيته، ولا يحظى سوى بدعم إماراتي كامل ويواجه بموقف سعودي غامض، إضافة إلى إتهامه بممارسة الإقصاء في حق مواطني شمال البلاد المقيمين في الجنوب.

وإذا تأكدت صحة رواية الحوثيين بنفيهم مسؤوليتهم عن الهجوم ووضعه في خانة “تصفية الحسابات بين الأفرقاء المتصارعين في المقلب الآخر من البلاد”،  فإن الصواريخ التي سقطت على مطار عدن وقصر المعاشيق قد لا تكون سوى المقدمة لحرب صامتة أو صاخبة بين جناحي الحكومة الجديدة، قد تأخذ شكل تصفيات وإغتيالات وإغارات، لن ينجح “إتفاق الرياض”، ولا البروتوكولات الملحقة به، في وقفها.. وسيدخل التجمع اليمني للإصلاح، كطرف في هذا الصراع، بعد عمليات “التصفية” المنظمة التي تعرض لها قادته وكوادره، من قبل حلفاء أبو ظبي التي تصنف هذا الحزب الكبير “إخوانجياً”.

قبل عام، كانت ثمة فرصة لإنهاء حرب اليمن، لكن المتحاربين بدّدوها. حيث كان الحوثيون يتحدثون عبر القنوات الخلفية مع السعودية، الراعي الرئيسي لحكومة هادي. كما كان السعوديون يحاولون “التوسط” بين الأطراف المناهضة للحوثيين والتي كانت تتنافس على مدينة عدن، قبل أن يسيطر عليها المجلس الإنتقالي الجنوبي الإنفصالي، المدعوم من الإمارات في آب/أغسطس 2019.

وكان يمكن لهذين المسارين التفاوضيين، بحضور السعودية في صلب كل واحد منهما، أن يؤسسا لإنطلاق عملية سياسية بوساطة الأمم المتحدة. وبدلاً من ذلك، تصاعد القتال الدامي، لا سيما في مأرب، آخر معقل مديني لحكومة هادي في الشمال. وإذا انتصر الحوثيون في مأرب، وإستتبت السيطرة لهم على محطات النفط والغاز والطاقة في المحافظة، فسيؤمنون حاجتهم الماسة للكهرباء وايراداتها. ولا يمكن للحكومة أن تتحمل خسارة مأرب، لكنها تأمل في المقابل، أن تصنف إدارة ترامب المنتهية ولايتها الحوثيين كمنظمة إرهابية، ضمن إطار تشديد الخناق على إيران وأذرعتها في المنطقة. مثل هذه الخطوة من شأنها أن تزيد من مخاطر المجاعة من خلال إعاقة التجارة مع صنعاء، التي تستورد 90 في المئة من قمحها وجميع أرزها، وهكذا يتساوى شطرا اليمن: مجاعة في الشمال وخوف واقتتال في الجنوب، أما وساطة وساطة الأمم المتحدة فتذهب مع الريح.

في فترة ما بعد التطبيع الخليجي مع إسرائيل، سيزداد منسوب التوتر بين إيران وجاراتها في الخليج. اليمن سيكون في صلب هذا الإشتباك في المرحلة المقبلة. هذا التنافس الاقليمي المحموم معطوفاً على حسابات اللاعبين اليمنيين يشي بأن وحدة اليمن تتناقض ومصالح اللاعبين الكبار في داخل اليمن وخارجه.

يحتاج أكثر من 80% من اليمنيين إلى شكل من أشكال المساعدة، ويواجه 20 مليون شخص منهم انعدام الأمن الغذائي ويحتاج 14 مليوناً إلى تدخل إنساني عاجل. عدد النازحين داخلياً وصل إلى حوالي 4 ملايين شخص. أكثر من مليوني طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد في اليمن، بينهم حوالي 358,000 طفل يعانون “من سوء تغذية وخيم”. أكثر من نصف مليون إصابة بالكوليرا. آلاف الإصابات بكورونا وأمراض كثيرة. نقص في الطحين والماء ومواد الغذاء. حسب مفوضية شؤون اللاجئين، يواجه اليمن، بشماله وجنوبه، “أسوأ أزمة إنسانية حول العالم”.

أمين قمورية

صحافي وكاتب لبناني

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download