مدفيديف يكتب عن “أميركا 2.0”: سياسة خارجية عصية على التنبؤ (2)
President-elect Joe Biden and Vice President-elect Kamala Harris introduce their nominees and appointees to key national security and foreign policy posts at The Queen theater, Tuesday, Nov. 24, 2020, in Wilmington, Del. (AP Photo/Carolyn Kaster)

عشية تسلم جو بايدن مقاليد الحكم، نشر الرئيس الروسي ورئيس الحكومة الروسية السابق دميتري ميدفيديف في موقع وكالة "تاس" مقالاً بعنوان "أميركا 2.0"، إعتبر فيه الانتخابات الرئاسية الأخيرة انعكاساً لأزمة النظام الاميركي. يذكر أن ميدفيديف، وبعد التغيير الحكومي في العام الماضي، يشغل حالياً منصب نائب رئيس مجلس الأمن القومي في روسيا الاتحادية.

بالنظر إلى المكانة الخاصة للولايات المتحدة في هندسة العلاقات الدولية، سنحاول تخمين تأثير الانتخابات على السياسة العالمية “الكلاسيكية”، وكذلك على الاقتصاد.
من الواضح تماماً أن الانتخابات تؤثر بشكل مباشر على الاتجاهات في التنمية العالمية. كل شيء آخر، مع بعض التحفظات، يمكن اعتباره شأناً داخلياً للولايات المتحدة نفسها. ومع ذلك، فإن الآثار الخارجية هي قضيتنا المشتركة.
اسمحوا لي أن أذكركم بأن انتصار جورج دبليو بوش في العام 2000 تسبب في تقلب كبير، وإن كان قصير الأمد، في أسواق الأسهم. هذا الأمر ممكن أيضاً بعد الصدمة الحالية، والتي توفر بالطبع أسباباً كبيرة للقلق.
لكن الاستقرار الطويل الأجل للدولار الأميركي سيتحدد إلى حد كبير من خلال مرونة مؤسسات حماية حقوق الملكية، والطلب على السلع والخدمات الأميركية في السوق العالمية، فضلاً عن إمكانية التنبؤ بتوجهات نظام الاحتياطي الفدرالي وإستقلاليته بما يدعم الثقة في الدولار.
سيزداد تقلب الدولار بشكل مفاجئ إذا فقد المصنعون الأميركيون حصة كبيرة من السوق العالمية، أو إذا شك المستثمرون في الضمانات الحالية لحماية الأصول وسلامة سياسة نظام الاحتياطي الفدرالي الطويلة الأجل. وبما أن كل ذلك مستحيل في المستقبل القريب، فسيكون الأمر الأكثر أهمية بالنسبة إلينا هو تحديد الشكل الذي ستبدو عليه السياسة الاقتصادية لجو بايدن. غالباً ما يتم تشكيل هذه السياسة على أساس أطروحة “ليس بالطريقة التي كان ترامب يريدها”. إنه نوع من التقليد: بالطريقة ذاتها عكس الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة، ومن دون أي تردد، توجهات سلفه الرئيس الرابع والأربعين باراك أوباما على كافة المسارات.
من الواضح أن تطوير نظام قانوني وسياسي وطني هو الاختيار السيادي للدولة نفسها، على الرغم من أن العديد من البلدان (والولايات المتحدة أولاً) تسعى إلى فرض نموذج تنميتها على العالم باعتباره الأكثر فاعلية.
بالتأكيد، لا يوجد نظام قانوني وسياسي يمكن تسميته “نُصب الديمقراطية” (الكلاسيكية). إنها تتطور وتتحسن باستمرار. السؤال هو، ما مدى ملاءمة وحسن توقيت النماذج التي يتم تقديمها كبديل لتلك التي فقدت أمكاناتها التقديمة؟
وهنا، ما نحتاج إليه هو مزيج من المحافَظة السليمة، وقوانين جديدة في توقيت جيّد، ذلك أن الحفظ المصطنع والتجريب المستمر للواقع السياسي والقانوني كلاهما يشكل خطراً. دول ما بعد الاتحاد السوفياتي لديها أمثلة عديدة على هذين الأمرين معاً، حيث كانت تنتقل أحيانًا من النظام الرئاسي إلى النظام البرلماني وتعود مرة كل سنتين أو ثلاث سنوات.
تطرح الحكومات في العديد من البلدان أسئلة حول استمرارية السياسات لدى لاعب مهم على الساحة الدولية مثل الولايات المتحدة. لقد حطمت انتخابات العام 2016 تقليداً ممتداً لقرن من الزمن، حول استمرارية الإدارات، ولا سيما في قضايا السياسة الخارجية. في الوقت الحالي، يعتمد موقف الولايات المتحدة مرّة أخرى في مجموعة من القضايا الرئيسية على نتائج الانتخابات: أين سنشهد انعكاساً في السياسات، والتفافاً على المقاربات التي تبناها باراك أوباما وإدارات أسلافه؟

حطمت انتخابات العام 2016 تقليداً ممتداً لقرن من الزمن، حول استمرارية الإدارات، ولا سيما في قضايا السياسة الخارجية

دعونا نلقي نظرة على القضية الحاسمة المتصلة بمكافحة فيروس “كورونا”. ستؤدي وجهات النظر المتعارضة التي أدلى بها مرشحا انتخابات العام 2020 في ما يتعلق بخطر “كوفيد” إلى توسيع نطاق الإجراءات المتعلقة بالوباء المطبقة في الولايات المتحدة وزيادة صراماتها، لتصبح أحد الآثار الرئيسية القصيرة المدى لنتائج الانتخابات.
سيؤثر هذا الأمر على حياة الأميركيين وصحتهم، بالإضافة إلى رفاهية المواطنين في البلدان المجاورة، وحلفاء الولايات المتحدة.
الاستقطاب بين المواطنين أنفسهم، والذي جعل وضع الكمامة من عدمه مؤشراً على انتماء لهذا الحزب أو ذاك، كان بشعاً بالفعل.
علاوة على ما سبق، اعتمد المرشحان نهجاً مختلفاً للغاية في ما يخص المسائل الاقتصادية ذات الصلة داخل الدولة، والتي لها تأثير مباشر على العالم بأسره.
تجدر الإشارة ، من بين أشياء أخرى، إلى أن دونالد ترامب قد علّق مراراً وتكراراً على أنشطة نظام الاحتياطي الفدرالي التي تقع خارج نطاق تفويض رئيس الدولة. وقد تسبب ذلك في بعض الشكوك حول الدولار في ضوء الخسارة المحتملة من قبل نظام الاحتياطي الفدرالي لاستقلاليته الفعلية عن السلطة التنفيذية، ما أثار نقاشاً حول الاعتماد المفرط للتجارة على الدولار الأميركي حتى بين حلفاء الولايات المتحدة في الاتحاد الأوروبي.
هكذا يمكن فهم كيف انعكس اعتراف دونالد ترامب الواضح بهزيمته على الأسواق الأميركية.
على سبيل المثال كان شهر تشرين الثاني/نوفمبر هو الأفضل بالنسبة إلى مؤشر سوق الأسهم الاميركية الرئيسي S&P 500. أما بالنسبة إلى مؤشر داو جونز الصناعي فقد كان هذا الشهر هو الأفضل على الإطلاق منذ العام 1987. بالطبع، تأثرت هذه المؤشرات بالأخبار الإيجابية حول اللقاحات المضادة لفيروس “كوفيد-19″، ولكن النمو بدأ فور إعلان نتائج الانتخابات.
لقد تحول دعم المنظمات الدولية (منظمة الصحة العالمية ومنظمة التجارة العالمية وغيرهما) إلى ورقة مساومة في الانتخابات الرئاسية. على مدى عقود، زادت الولايات المتحدة من وزنها في هذه المنظمات. وحتى وقت قريب، لم يعتمد الموقف تجاهها على توجهات إدارة معينة في البيت الأبيض.
ستؤدي هذه الانتخابات لا محالة إلى استعادة العضوية الكاملة للولايات المتحدة وتطوير التعاون داخل المنظمات الدولية مثل منظمة الصحة العالمية ومنظمة التجارة العالمية.
كانت الإدارة المنتهية ولايتها سيئة السمعة بسبب مساعيها المفاجئة والتي يصعب التنبؤ بها في ما يتعلق بمشاركتها في مثل هذه المنظمات، وقد ساهم ذلك بالتأكيد في زعزعة استقرار عملها، علاوة على ان الدعم المالي من قبل الولايات المتحدة يبقى مهماً للغاية بالنسبة إليها.
الأهم من ذلك هو مشاركة الولايات المتحدة في اتفاقيات الأسلحة الدولية، مثل معاهدة القوات النووية متوسطة المدى (INF)، ومعاهدة خفض الأسلحة الاستراتيجية (START III)، ومعاهدة الأجواء المفتوحة (OST)، وكذلك في تحالفات التكامل المختلفة، واتفاقيات المناخ، وغيرها الكثير.
كما في حالة المنظمات الدولية، تحاول الولايات المتحدة إلى حد ما استعادة صورتها كشريك استراتيجي موثوق.
خلال الحملة الانتخابية، تعهد جو بايدن بتمديد معاهدة “ستارت 3″، ووصفها بأنها “مرساة للإستقرار الإستراتيجي بين الولايات المتحدة وروسيا”. تبدو تلك المواقف متفائلة للغاية. الرئيس المنتخب هو من دعاة الحد من الأسلحة، وقد شارك في صياغة معاهدة الأسلحة النووية المتوسطة المدى منذ الحقبة السوفياتية، وكان أحد موضوعات حملته الانتخابية هو أن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تنسحب من إتفاقية الأجواء المفتوحة ومنظمة الصحة العالمية واتفاقية باريس للمناخ – وهي العمليات التي تم إطلاقها في السنوات الأخيرة.
بالمناسبة، يعد انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس وانضمامها الجديد المتوقع إليها أحد أوضح وأحدث الأمثلة على الاضطرابات السياسية.
يوجد الآن تغيير تكتوني في أساس النشاط الاقتصادي ذاته. ثمة نظام اقتصادي جديد يتشكل. تعيد الدول والشركات الفردية تشكيل نماذجها لتكون محايدة للكربون، وتجري تقييماً صارماً لسلاسل أعمالها بدءاً من الموردين في بعض البلدان إلى المستهلكين في بلدان أخرى. يعيد المستثمرون العالميون التفكير في استراتيجياتهم. تعمل المنظمات الدولية على صياغة معايير جديدة لإعداد التقارير من الواضح أنها ستطبق على مستوى العالم. الأمين العام للأمم المتحدة دعا مؤخراً جميع الدول إلى إعادة التفكير في استراتيجياتها الضريبية عن طريق خفض الضرائب على الدخل مع زيادة الضرائب على الكربون.
كل هذه العوامل ذات أهمية عالمية. وموقف الولايات المتحدة، أو بالأحرى تخبطه، يمكن أن يخلق اختلالات عالمية جديدة. على الرغم من أن الجميع سيتأقلمون معها بعد فترة، فكما كتب ثيودور درايزر “عليك أن تأخذ الأشياء كما هي وتستخدمها لصالحك الأفضل”.
بناء العلاقات مع حلفاء أميركا، وخاصة في حلف شمال الأطلسي، هو عامل أساسي آخر يؤثر بشكل مباشر على مسار التنمية الدولية. لقد أكدت إدارة بايدن، التي تتكون إلى حد كبير من الشخصيات الرئيسية من إدارة أوباما، لشركائها الأوروبيين بالفعل استعادة التعاون الكامل داخل حلف شمال الأطلسي.
من المتوقع أن تتخلى الولايات المتحدة عن ادعاءاتها بشأن المساهمة الصغيرة غير المتناسبة للأوروبيين في تمويل الناتو وعدم التوازن في الميزانيات العسكرية، وهو ما أعربت عنه إدارة ترامب مراراً وتكراراً.
سيُظهر الوقت إلى أي مدى ستستعاد ثقة الحلفاء الأوروبيين بالولايات المتحدة، ولكن من الواضح أن تقلبات السياسة الخارجية الأميركية خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً لن تمر مرور الكرام.
حتى في مسألة التفاعل مع الصين، اتخذ المرشحان الرئاسيان مواقف متعارضة بشكل عام، بالرغم من أن كليهما يشتركان في الرأي القائل بأن الصين هي المنافس الرئيسي لاميركا. كجزء من الحملة الانتخابية، كان خطاب بايدن تجاه الصين أكثر سلمية بشكل ملحوظ مقارنة بوعود ترامب وأفعاله. ومع ذلك، قد تظل القيود التجارية التي فرضتها إدارة ترامب سارية في الظروف الجديدة، إذا تطلب الوضع ذلك. تُظهر تجربة تعديل جاكسون – فانيك وقوانين العقوبات الأخرى أن مثل هذه القيود يمكن أن تستمر لفترة طويلة، حتى بعد اختفاء سبب فرضها.
نتوقع أنه من المحتمل جداً أن تنتهج الولايات المتحدة سياسة مناهضة لروسيا باستمرار. في السنوات الأخيرة، كان مسار العلاقات بين واشنطن وموسكو يتجه نحو الانحدار بشكل مطرد، بغض النظر عمن كان على رأس البيت الأبيض. كان هناك بالفعل بعض الأمل في عكس الديناميكيات السلبية خلال رئاسة ترامب. بعد كل شيء، في العام 2016 ، بدا أن العلاقات بين البلدين لا يمكن أن تكون أسوأ من تلك التي كانت في عهد باراك أوباما، ولكن السنوات التالية بددت هذا الوهم.
عززت إدارة ترامب باستمرار المواجهة المنهجية بين واشنطن وموسكو، وواصلت سياسة العقوبات ضد بلدنا متمنيّة، من بين أمور أخرى، إجبارنا على الخروج من أسواق الطاقة، وتقليص اتصالاتنا الدبلوماسية إلى الحد الأدنى. وقد تم ذلك في ظل حديث دونالد ترامب المستمر عن الرغبة في “التوافق مع روسيا”. ومع ذلك، لم تكن كلماته ذات أهمية كبيرة، حيث تم دعم العديد من الإجراءات التقييدية في الكونغرس من جانب الديموقراطيين والجمهوريين، على حد سواء.
لم يقل بايدن بعد أي شيء إيجابي عن روسيا. على العكس من ذلك، لطالما كان خطابه غير ودي بشكل علني، وقاس، وحتى عدواني. لقد صرح مراراً أن “روسيا هي أكبر تهديد للولايات المتحدة من حيث تقويض أمننا وتحالفاتنا”. لا أكثر ولا أقل. علاوة على ذلك، فإن فريق الديموقراطيين يضم سياسيين يحملون وجهات نظر متشابهة وليست لديهم أي مصلحة على الإطلاق في تحسين العلاقات بين موسكو وواشنطن.

لم يقل بايدن بعد أي شيء إيجابي عن روسيا. على العكس من ذلك، لطالما كان خطابه غير ودي بشكل علني، وقاس، وحتى عدواني

روسيا، على العكس من ذلك، مستعدة للعمل مع أي رئيس أميركي، وهي أيضاً على استعداد لاستعادة التعاون في مجموعة واسعة من المجالات. ومع ذلك، لا يمكننا أن نتوقع أية خطوات متبادلة من جانب الإدارة الاميركية الجديدة. من المرجح أن تظل علاقاتنا باردة للغاية في السنوات المقبلة. نحن الآن لا نتوقع أي شيء سوى استمرار السياسة الصارمة المعادية لروسيا. لكن ربما سيعيد بايدن النظر في القضايا التي لا تزال على جدول أعمالنا المشترك، ومن بينها على سبيل المثال الحد من الأسلحة.
لقد قمت بإدراج عدد قليل من المجالات التي تستحق اهتماماً خاصاً. الأهم من ذلك: عدم القدرة على التنبؤ بمزيد من الإجراءات الاميركية على الساحة الدولية، وهو نوع من السمّية لهذا البلد حتى بالنسبة إلى حلفائه وشركائه نتيجة الاضطرابات الاجتماعية الخطيرة التي يواجهها المجتمع الأميركي.
يرجع عدم الاستقرار الداخلي والخارجي هذا، بدرجة كبيرة، نظام التصويت الأخرق، والذي عفا عليه الزمن بشكل ميؤوس منه، والذي لم يشهد أية تغييرات كبيرة منذ القرن الثامن عشر حتى الوقت الحاضر.
لقد تبين أن الانتخابات الأخيرة لم تكن منافسة سياسية للأفكار التي طالما افتخرت بها الولايات المتحدة، بل كانت مواجهة بين حملتين من الكراهية.
لا نريد أن تواجه الولايات المتحدة مشاكل. ولأسباب عملية: مثل هذه المشاكل تخلق موجات من عدم الاستقرار في كل مكان، وتفيض علينا أيضاً. لا يمكن حل مشاكل الولايات المتحدة إلا عن طريق الأميركيين أنفسهم جنباً إلى جنب مع الحكم الرشيد للبلاد.
لقد أشار طوماس جيفرسون، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة ، عن حق إلى أن “فن الحكومة هو فن الصدق”. كل انتخابات هي الاختبار الأهم لمثل هذه الصدق. بالطبع ، للأميركيين وحدهم أن يقرروا ما إذا كانوا سيضعون جانباً أنانيتهم ​​الوطنية ويطلقون إصلاح نظام التصويت، وبالتالي إصلاح الحياة السياسية أم لا. حتى الآن، لم يكن هناك تحرك حقيقي نحو هذا الأمر، ولا حتى أدنى تلميح إلى الرغبة في تغيير أي شيء.(المصدر: تاس)

(*) الجزء الاول، ميدفيديف يكتب عن “أميركا 2.0”: الإنتخابات وأزمة النظام

Print Friendly, PDF & Email
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download