بايدن والخليج.. وداعاً لـ”مبدأ كارتر”  
US President Joe Biden meets with Republican Senators to discuss a coronavirus relief plan at the Oval office of the White House in Washington, DC, on February 1, 2021. - US President Joe Biden was set to meet Monday with a group of Republican senators who have proposed an alternative to his massive Covid-19 relief plan, but which excludes key programs Democrats consider essential. (Photo by SAUL LOEB / AFP) (Photo by SAUL LOEB/AFP via Getty Images)

يرى السناتور الأميركي كريس مورفي، في مقال نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأميركية في 19 شباط/ فبراير 2021، أن مصالح الولايات المتحدة قد تغيرت في الخليج، لكن سياستها لم تتغير منذ دعا الرئيس سابقاً جيمي كارتر في خطاب "حال الإتحاد" عام 1980 إلى الدفاع عن المصالح الأميركية في المنطقة "بأي وسيلة ممكنة".   

للتدليل على وجهة نظره، يقول كريس مورفي، عضو لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، إن ما بات يعرف في ما بعد بـ”مبدأ كارتر”، قد أطلق عندما كانت الولايات المتحدة تعتمد على نسبة 29 في المئة من النفط المستورد من الخليج لتسيير عجلة إقتصادها، في حين أن هذه النسبة لا تتجاوز اليوم 19 في المئة، وصارت أميركا تستورد نفطاً من المكسيك أكثر من ذلك الذي تستورده من دول الخليج، فضلاً عن أن الولايات المتحدة نفسها باتت دولة مُنتجة للنفط ومُصدّرة له.
يورد مورفي هذه الأمثلة وغيرها في معرض إسداء النصح للرئيس الأميركي الجديد جو بايدن ليعتمد مقاربة جديدة حيال منطقة الخليج، بما يتيح للولايات المتحدة خفض وجودها العسكري هناك والتركيز أكثر على أفريقيا وآسيا. وهو لا يرى سبباً للمخاوف التي يسوقها معارضو الإنسحاب من المنطقة، من أن روسيا والصين، ستسارعان إلى ملء الفراغ الأميركي، وذلك نظراً إلى أن روسيا هي منافس نفطي لدول الخليج، في حين أن الصين ليست في وارد تحريك بحريتها في المسقبل القريب للدفاع عن هذه الدول إذا ما تعرضت لإعتداء.
واقع الأمر، أن بايدن ليس بعيداً عن هذا التوجه، وفق ما يتبين من الأولويات التي إحتلت جدول أعماله بالنسبة إلى الشرق الأوسط. فهو منخرط في سياسة مغايرة في نواحٍ كثيرة لسياسة سلفه دونالد ترامب في ما يتعلق بالخليج تحديداً. من إعلان عزمه على سلوك الديبلوماسية حيال إيران وإقراره بإخفاق حملة “الضغط الأقصى” لجلب طهران إلى طاولة المفاوضات وتوسيع الإتفاق النووي لعام 2015، ليشمل برنامجها الصاروخي و”نشاطها المزعزع للإستقرار” في المنطقة، بحسب التعبير الذي درجت عليه الإدارات الأميركية المتتالية وليس إدارة ترامب وحدها.
يراهن بايدن على أن الديبلوماسية هي الخيار الوحيد لـ”إحتواء” إيران بحسب مستشار الرئيس للأمن القومي جايك سوليفان. و”الاحتواء” بعيد جداً عن طموح سعى إليه ترامب لتغيير النظام مراهناً على أن الضغط الاقتصادي سيحمل الإيرانيين على الإنتفاض على النظام. وكان وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو ينفي مراراً وتكراراً أن يكون هدف “الضغط الأقصى” تغيير النظام، وإنما تغيير سلوكه.

كما وضع بايدن وقف حرب اليمن على رأس أجندته. وكان هذا باعثاً كي يصف بعض المراقبين سياسته بـ”الإنقلاب”، بسبب وقف الدعم الأميركي للعمليات العسكرية للتحالف العربي الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين في اليمن، في الوقت الذي رفع بايدن حركة “أنصار الله” الحوثية عن لائحة الإرهاب، وعيّن تيموثي ليندركينغ مبعوثاً خاصاً مهمته العمل مع الأطراف المعنيين، لإستكشاف سبل وقف الحرب في اليمن. كما جمّد صفقات أسلحة كانت إدارة ترامب قد أجازتها لكل من السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة.

لا يرى كريس مورفي سبباً للمخاوف التي يسوقها معارضو الإنسحاب الأميركي من المنطقة، من أن روسيا والصين، ستسارعان إلى ملء الفراغ الأميركي، وذلك نظراً إلى أن روسيا هي منافس نفطي لدول الخليج، في حين أن الصين ليست في وارد تحريك بحريتها في المسقبل القريب للدفاع عن هذه الدول إذا ما تعرضت لإعتداء

لكن حجم المفاجأة في التحول الأميركي لم تتوقف عند هذا الحد. فإذا ببايدن يذهب أبعد في “إنقلابه” عندما سمح بنشر تقرير يتضمن تقويماً للإستخبارات الوطنية الأميركية، حول مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية باسطنبول في خريف العام 2018، والذي رفضت إدارة ترامب نشره بسبب محتواه الذي يشير إلى ان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان “أجاز عملية خطف خاشقجي أو قتله”.  فضلاً عما تلا ذلك من عقوبات أميركية استهدفت 76 سعودياً، مع الدخول في عملية تقويم “كاملة” للعلاقات مع السعودية والتي قد تشمل وقف بيع الرياض بعض أنواع الأسلحة في سياق العقوبات في هذه القضية.
التحول الذي يحدثه بايدن في العلاقة “التاريخية” مع السعودية، يمس بما كان يُعتقد أنه من المحرمات في علاقة البلدين منذ جلس الرئيس فرانكلين روزفلت والعاهل السعودي عبد العزيز آل سعود على متن الطراد الأميركي “يو إس إس كوينسي” لوضع أسس هذه العلاقة المتينة التي نادراً ما اهتزت على مر العقود، لا بل إرتقت إلى مستوى التحالف الاستراتيجي.
لكن ما الذي يحدث اليوم حتى يخرج الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس، للقول إن إدارة بايدن تعمل على “إعادة ضبط” العلاقات مع السعودية؟
المنتقدون لبايدن في الداخل الأميركي، يصفون سياسته بأنها تخلٍ عن الأصدقاء التقليديين للولايات المتحدة في الشرق الاوسط بينما يعمل على إسترضاء الخصوم، وفي مقدمهم إيران.
هذا شرح مبسط لمسألة أعقد بكثير. إلا أن بعض العناوين التي يركز عليها بايدن منذ دخوله إلى البيت الأبيض في 20 كانون الثاني/ يناير الماضي، قد تفسر جزءاً من أسباب التحول في الموقف الأميركي.
في قلب السياسة الأميركية الجديدة، يقع همّ وقف حرب اليمن. وهذا مؤدى الضغط الأميركي على السعودية. وعلاوة على الرغبة في الظهور بمظهر من يوقف كارثة إنسانية متمادية، فإن وقف الحرب بالنسبة لبايدن، يعني تحقيق الإستقرار في الخليج، وفتح آفاق حوار إقليمي بين دول الخليج وإيران، وتالياً، إراحة أميركا من عبء وجود عسكري واسع ودائم في المنطقة.
لا يعني هذا أن الولايات المتحدة في سبيلها إلى إسداء خدمة لإيران من طريق الضغط على السعودية، بل إن هذا إتجاه مُكمّل لما بدأه باراك أوباما ودونالد ترامب، وهو تخفيف الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط إلى أقصى الحدود. وهذا أمر لن يتحقق طالما بقيت حروب المنطقة مشتعلة.
وفي الواقع، تنخرط إدارة بايدن في عملية تقويم شاملة لوجودها في الشرق الأوسط، بناء على مصالحها في المقام الأول والأخير.
وربما للمرة الاولى تبدو الولايات المتحدة في خضم تحول كامل عن “مبدأ كارتر”، لمصلحة مبدأ أكثر مرونة قد يعرف في ما بعد بـ”مبدأ بايدن”!

إقرأ على موقع 180  واشنطن تبتز المغرب بورقة "الصحراء".. هل نتخلى عن فلسطين؟

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  بغداد وبيروت: لعبة الأواني المستطرقة.. والخطرة