“الإثنين الأسود”.. لبنان إلى “الإرتطام الكبير”!

جرت العادة عندما تشتد الأزمات السياسية في لبنان، أن يعوّل البعض لبنانياً على تدخل عربي أو دولي، من أجل إيجاد قواسم مشتركة بين اللبنانيين. هذه المرة، لا أحد يبدو مؤهلاً في الداخل للعب دور توفيقي ولا أحد يسأل عن لبنان في الخارج.. وهو في طريقه إلى "جهنم" الموعودة!

من تابع مجريات الساعات الأخيرة من ليل الأحد ـ الإثنين الماضي، كان مُدركاً مآلات هذا “الإثنين الأسود” في التاريخ السياسي اللبناني الحديث. فما الذي جرى وإلى أين تتجه الأمور؟

من دون إتفاق مسبق، وعلى مسافة ساعات من زيارة الرئيس المكلف سعد الحريري إلى القصر الجمهوري، تصل إلى “بيت الوسط” رسالة خطية من القصر الجمهوري. مضمونها بضعة كلمات وجدول بتوزيع حقائب حكومة الـ 18 وزيراً على الطوائف والأحزاب (مع سيناريوهات رقمية سياسية ـ طائفية مرفقة في حال الذهاب إلى حكومتي الـ 20 و22 وزيراً) والمطلوب من “حضرة رئيس الوزراء السابق سعد الحريري” (وليس من رئيس الحكومة المكلف) “نموذج للتعبئة يُسهّل النظر في تأليف الحكومة”، وبالتالي يحمله إلى رئيس الجمهورية، تبعاً للموعد المقرر بينهما، بعد ظهر اليوم (الإثنين).

إستدعى وصول الرسالة ـ الجدول سلسلة إتصالات أجراها الحريري، ليل الأحد ـ الإثنين الماضي بعدد من القيادات السياسية، أبرزها رئيس مجلس النواب نبيه بري، وتحديداً من خلال معاونه السياسي علي حسن خليل الذي ظل على تواصل شبه يومي معه في الأيام الماضية، وجرى النقاش حول كيفية التعامل مع “الرسالة الإنقلابية غير المسبوقة”.. وصولاً إلى نقاش إحتمالات ما بعد اللقاء المحكوم بالفشل قبل إنعقاده.

وفق صيغة الـ 18 وزيراً، أعطى رئيس الجمهورية لنفسه سبع حقائب من أصل تسع حقائب مسيحية (أي الثلث المعطل بخط يده هذه المرة)، لكن الأمر لم يقتصر على الثلث بل على الحقائب التي طلب إسنادها إلى وزراء من ضمن “حصة رئيس الجمهورية” (حسب الجدول النموذج) وهي الآتية: الداخلية والبلديات، الدفاع (نائب رئيس الحكومة)، العدل، الطاقة، الإقتصاد والسياحة، الشؤون الإجتماعية والمهجرين، والصناعة (للطاشناق).

اللافت للإنتباه في الجدول الذي بعث به رئيس الجمهورية إلى الحريري أنه وزع الحقائب على الشكل الآتي:

الطائفة السنية (4 وزراء): رئاسة الحكومة، الصحة، الخارجية، البيئة والزراعة، وكلها من حصة الحريري.

الطائفة الشيعية (4 وزراء): المال، الشباب والرياضة والتنمية الإدارية (حركة أمل)، الأشغال العامة والنقل، العمل (حزب الله).

الطائفة الدرزية (وزير واحد): التربية والتعليم العالي (الحزب التقدمي الإشتراكي).

الطائفة المارونية (4 وزراء): الداخلية والبلديات (عون)، ثقافة وإعلام (الحريري)، الشؤون الإجتماعية والمهجرين (عون)، الإتصالات (تيار المردة).

طائفة الروم الأرثوذكس (3 وزراء): الإقتصاد والسياحة (عون)، الطاقة (عون)، الدفاع ونائب رئيس الحكومة (عون).

طائفة الروم الكاثوليك (وزير واحد): العدل (عون).

طائفة الأرمن (وزير واحد): الصناعة (الطاشناق).

ووفق الجدول المرفق، فإن الحكومة قابلة إلى الإرتفاع إلى عشرين وزيراً، لكن الحصص تبقى نفسها، بإستثناء حصة رئيس الجمهورية التي تقفز من سبع إلى تسع حقائب (يضاف إليها الكاثوليكي الثاني الذي تسند إليه إما الصناعة أو السياحة وتذهب حصة المقعد الدرزي الثاني إلى طلال ارسلان وتسند إليه وزارة المهجرين).

ووفق الجدول المرفق أيضاً، فإن الحكومة قابلة لأن تصبح من 22 وزيراً بينهم ثمانية لرئيس الجمهورية يضاف إليهم وزيران يمثلان طلال ارسلان وحزب الطاشناق (10 من 22 لرئيس الجمهورية)!

لم يفهم الحريري مما أسماها “الصيغة ـ الإنقلاب” سوى أنها دعوة إلى الإعتذار عن لقاء اليوم (الإثنين) وصولاً إلى “الإعتذار الكبير” (عن تأليف الحكومة). كان القرار حاسماً بأن يتمسك الرئيس المكلف بموعده وأن لا يطلب تأجيله، لكن هل يمكن أن يسبقه أمر ما أم لا ضرورة لذلك؟

طُرحت مخارج من نوع أن يبادر الرئيس المكلف إلى الإكتفاء بإصدار بيان، قبل ظهر اليوم (الإثنين)، يضع النقاط على حروف التكليف والتأليف دستورياً، أي أن تأليف الحكومة هو من صلاحيات رئيس الحكومة المكلف، وأن اي تجاوز لهذا المعطى الدستوري، هو بمثابة إنقلاب على إتفاق الطائف. أيضاً، دخل رئيس مجلس النواب على الخط ووعد بإصدار بيان عن المكتب السياسي لحركة “امل” كان مضمونه الأساس موجهاً ضد رئيس الجمهورية.. ولو أن بعض شظاياه اصابت حزب الله!

لاحقاً، إستقر الرأي عند حدود أن يتوجه الحريري إلى بعبدا وأن يتجاهل الجدول الذي أرسل إليه، وأن يعيد تقديم التشكيلة التي كان سلمها إلى رئيس الجمهورية في 9 كانون الأول/ ديسمبر 2020، وهذا ما حصل.

تضمنت تشكيلة الحريري كما صار معروفاً 18 وزيراً، بينهم 6 وزراء مسيحيين إختارهم الرئيس المكلف من لائحة كان عون قد سلمه إياها سابقاً وتضم الأسماء الآتية: وزير الإقتصاد سعادة الشامي، وزير التربية عبدو جرجس، وزير الدفاع أنطوان إقليموس، وزيرة الثقافة فاديا كيوان، وزير الشباب والرياضة والإعلام وليد نصار ووزير الصناعة وشؤون المهجرين كاربيت سليخانيان

وجاء التوزيع السياسي الطائفي للتشكيلة الحريرية على الشكل الآتي:

– 4 سنة: الحريري، فراس الأبيض (الصحة)، ناصر ياسين (البيئة والشؤون)، لبنى مسقاوي (العدل).

– 4 شيعة: إثنان من حصة أمل هما يوسف خليل (المال) وجهاد مرتضى (تنمية إدارية وسياحة)؛ إثنان من حصة حزب الله هما إبراهيم شحرور (الأشغال) ومايا كنعان (العمل).

– 1 للدروز: ربيع نرش (جنبلاطي) وتسند إليه الخارجية والزراعة.

– 4 موارنة: أنطوان إقليموس (الدفاع)، فاديا كيوان (الثقافة)، وليد نصار (الشباب والرياضة والإعلام) وعبدو جرجس (التربية والتعليم).

– 3 أرثوذكس: زياد أبو حيدر (نائب رئيس الحكومة) وهو من حصة الحريري ويحظى بموافقة مطران بيروت للروم الأرثوذكس الياس عودة، جو صدي (الطاقة)، سعادة الشامي (الإقتصاد).

– وزير كاثوليكي واحد هو فادي سماحة وتسند إليه الإتصالات (من حصة الحريري وهو محسوب على ميشال فرعون).

– وزير أرمني واحد كاربيت سليخانيان وتسند إليه الصناعة وشؤون المهجرين، وهو من حصة حزب الطاشناق.

ليس مهماً ما قاله الحريري أو ما صدر عن رئاسة الجمهورية. لا بد من وضع مجموعة إستنتاجات أولية، ولو أتى بعضها بصيغة الأسئلة:

أولاً، الحريري يعتقد أنه يربح بالنقاط. ربح لعبة الرأي العام. أحرج رئيس الجمهورية بنشر التشكيلة التي سلمها إليه وأيضا “الفرمان العثماني” (الجدول) الذي وصله من القصر الجمهوري.

ثانياً، الحريري لن يعتذر، ولن يبادر إلى الإستقالة من مجلس النواب، ما يعني أن أزمة التكليف مرشحة لأن تصبح أزمة حكم وحكومة وصيغة، فإذا كان الرئيس المكلف قد ربح تكتيكياً بالنقاط، هل يستدرجه عون في الإستراتيجيا إلى حيث يريد، اي إلى أزمة النظام والصيغة والدستور؟

ثالثاً، لنفترض أن عون وباسيل نجحا في لعبة الإستدراج، من يضمن لهما أن التنازلات المطلوبة في أية صيغة جديدة لن تكون على حساب المسلمين السنة والمسيحيين ولا سيما الموارنة؟

رابعاً، هل يقف حزب الله فعلاً على الحياد أم أنه صاحب مصلحة في أن تبلغ الأمور حدود أزمة النظام وهل يملك الحزب تصوره لخيار “اليوم التالي” وهل نذهب إليه “على البارد” أم “على الحامي”؟

إقرأ على موقع 180  أيها الجائع: بالإنتفاضة تنتصر.. بالتوسل تنكسر

خامساً، إذا كانت مصلحة بعض اللاعبين المحليين هي الذهاب إلى هذه النقطة تحديداً، من يضمن أن نجد دولة واحدة في العالم كله مستعدة للإلتفات إلينا في هذه المرحلة؟

سادساً، لن يستطيع اي طرف سياسي (غير التيار الوطني الحر) أن يدافع عن موقف رئيس الجمهورية. الجدول ـ الورقة الرئاسية تتضمن مخالفة دستورية فادحة. ليس من صلاحية رئيس الجمهورية إعداد لوائح وجداول أو صيغ حكومية. هذه مسؤولية حصرية بالرئيس المكلف، والدستور يُلزم الأخير بالتفاهم مع رئيس الجمهورية لا أن يتخلى عن صلاحياته له. لذلك، كان موقف الحريري في لقاء بعبدا أنه لن يناقش الورقة ـ الجدول لأن المبدأ مرفوض بالمطلق.

سابعاً، لن يغادر ميشال عون مربع دفع الحريري إلى الإعتذار. هو يملك أسماء ثلاثة مرشحين لرئاسة الحكومة (صاروا معروفين، الأول من بيروت والثاني من صيدا والثالث من الشمال). المعادلة هي نفسها التي أبلغها سليم جريصاتي إلى الحريري في تشرين الأول/ أكتوبر 2019: أتت التسوية الرئاسية بالحريري رئيسا للحكومة وبجبران باسيل وزيراً. فإما يبقيان معاً أو يذهبان معاً. تبدو المعادلة الحريرية مختلفة. بالنسبة إلى رئيس تيار المستقبل، “أنا وعون (وليس باسيل) جئنا معاً ونذهب معاً”. حتى أصل إقتراح اللقاء مع باسيل صار مرفوضاً من الحريري، برغم إلحاح الفرنسيين ووليد جنبلاط وحتى حزب الله الذي دعا إلى  تخطي الشكليات لمصلحة الجوهر.

ثامناً، يتلطى ميشال عون، أو بالأحرى باسيل وراء منظومة من المعطيات السياسية التي يرددها منذ لحظة إستقالة حكومة حسان دياب في آب/ أغسطس الماضي: الأميركيون سيبرمون صفقة مع إيران. أنا سأكون في صف الرابحين، ومن يراهن على المحور الآخر سيكون خاسراً (اي الحريري وسمير جعجع). جاء موقف الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله ليجعل عون وباسيل أكثر تمسكاً بموقفهما من اي وقت مضى، بدليل الأرقام التي حددها رئيس الجمهورية لنفسه في حكومات الـ 18 و20 و22. أيضاً جاء موقف وليد جنبلاط ليزيد عون تشبثاً بموقفه. لم يضع عون ما قاله له النائب فريد البستاني في خانة الإنفتاح الجنبلاطي عليه. عندما دعا الزعيم الدرزي إلى بعبدا، كان متيقناً ضمناً أن جنبلاط قرر الإستدارة وإعادة التموضع وعندما يقرر ذلك، فهذا يجعل باسيل أكثر تمسكاً بموقفه. هذه النقطة كانت في جوهر “غضب” سعد الحريري الذي كان حذر رئيس “الإشتراكي” من قراءة عونية مغلوطة لمواقفه، ما إستوجب إيفاد وائل ابو فاعور إلى بيت الوسط لكن نتيجة زيارة الموفد الجنبلاطي كانت سلبية.

تاسعاً، حزب الله محرج أكثر من أي وقت مضى. أوفد السيد نصرالله معاونه السياسي الحاج حسين الخليل إلى دارة الحريري ليل الجمعة الماضي وعقدا إجتماعاً ثنائياً مطولاً. أعاد الخليل تمسك حزب الله وأمينه العام شخصياً بإلتزماتهم وتعهداتهم السابقة. نحن مستعدون للسير بحكومة الإختصاصيين ومن 18 وزيراً ومن دون الثلث المعطل لأي مكون، ولا مشكلة عندنا بتوزيع الحقائب. كل ما نريده أن يتفاهم رئيس الحكومة مع رئيس الجمهورية وتولد الحكومة في اليوم نفسه. أكد الخليل أن دعوة السيد نصرالله إلى حكومة تكنو سياسية هدفها توفير حماية سياسية لرئيس الحكومة وللحكومة في مواجهة القرارات الصعبة التي ينبغي إتخاذها إذا تم السير بخطة وبرنامج صندوق النقد الدولي وعلى طريقة اللهم إشهد إنني قد بلغت.

لم يقتنع الحريري بموقف حزب الله. إعتبر أن مواقف السيد نصرالله ستجعل عون عنيداً أكثر من اي وقت مضى ليس بالإنقلاب على المبادرة الفرنسية بل نحن فعلياً أمام مشروع إنقلاب على إتفاق الطائف.

عاشراً، إذا كان عون قد تسلح، قبل إتفاق الطائف، بمواقف المؤسسة العسكرية والشارع المسيحي بمعظمه لا بل ومعه جزء من الشارع الإسلامي السيادي (1988) والرئيس العراقي صدام حسين وياسر عرفات وفرنسا وغيرها من الدول، فإنه اليوم لا يجد معه لا أكثرية الشارع المسيحي ولا الجيش اللبناني ولا بكركي ولا الفاتيكان ولا اية دولة في العالم (ربما بإستثناء إيران وبطبيعة الحال حزب الله)، وبالتالي، لنفترض أن رهان جبران باسيل كان صحيحاً على التفاهم الإيراني الأميركي، هل يضمن أنه منذ الآن وحتى التوصل إلى مثل هذا الإتفاق، سيبقى هناك بلد إسمه لبنان؟

حادي عشر، حاول عون وباسيل دق أبواب السعودية. طلبا من سليم جريصاتي أن يلتقي سفير السعودية وليد البخاري وأن يطلب منه زيارة القصر الجمهوري. الأمر نفسه فعله سفير لبنان في باريس رامي عدوان بإجتماعين عقدهما مع سفير السعودية في باريس فهد الرويلي. ما قاله جريصاتي وعدوان كان واحداً: رئيس الجمهورية يقدر المملكة كثيراً ويود أن يفتح صفحة جديدة وأن يكون التعاون دائما وما رأيكم بأن تسمي السعودية رئيس الحكومة “ونحن نتبنى الإسم السني الذي تختارونه”.

بدا واضحاً أن السعودية لا يعنيها أن تسمع بإسم سعد الحريري لا من قريب ولا من بعيد. لكن المملكة نفسها ـ غير الموافقة على كل مسار الحريري السياسي في السنوات الخمس الأخيرة ـ تعتبر أن التسوية الرئاسية التي أوصلت عون إلى رئاسة الجمهورية هي الشرارة التي جعلت السعودية تتخذ موقفاً حاداً من الحريري توّج بإعتقاله في خريف العام 2017، اي بعد سنة من إبرام التسوية الرئاسية. كان لسان حال السعوديين أن لا لفتح الأبواب أمام الحريري ولا زيارة سعودية إلى عون أو باسيل. ثم إن أي دعم سعودي للبنان سيؤدي تلقائياً إلى تقوية نفوذ حزب الله ومعناه أن المملكة شريكة في إنتاج ورمي الصواريخ الحوثية التي تنطلق من اليمن وتصيب الأراضي السعودية!

ثاني عشر، من الآن فصاعداً، نحن أمام سباق محموم بين الدولار والأمن. كلما إحتدم مشهد الشارع والسياسة إرتفع الدولار. وكلما إرتفع سعر صرف الدولار، إزداد هيجان الشارع اللبناني. عملياً، بات لبنان على سكة الإضطراب المفتوح دولاراً وأمناً. إضطراب سيتحول بعد فترة قصيرة جداً إلى فوضى ويُتوج في الأشهر القليلة المقبلة بما يسمى “الإرتطام الكبير”.

رحم الله لبنان.. وأعان اللبنانيين على الأيام الصعبة الآتية. إنه موسم الجنون بكل معنى الكلمة. لذلك، لا تتوقعوا إلا فصولاً جديدة من أزمة وطنية كبرى تتجاوز الحكم والحكومة. أزمة مفتوحة على شتى الإحتمالات وبينها أن تصبح أزمة نظام منذ الآن فصاعداً.. للبحث صلة.

Print Friendly, PDF & Email
حسين أيوب

صحافي لبناني

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  إيران ما بعد التخصيب بنسبة 60%.. إنها مسألة وقت!