باسيل إن زار فرنسا.. العقوبات المُجمدة بديل الثلث المعطل!
French President Emmanuel Macron (L) meets with Lebanese President Michel Aoun at the Presidential palace in Baabda, east of the Lebanese capital Beirut, on September 1, 2020. (Photo by GONZALO FUENTES / POOL / AFP) (Photo by GONZALO FUENTES/POOL/AFP via Getty Images)

عملياً، لا معطيات تشي بخرق داخلي جدي. بالعكس، تجري محاولة توظيف عناصر خارجية في خدمة حسابات محلية، بعضها يخرج عن حدود التأليف إلى أصل التكليف نفسه!

لبنان في صلب إهتمام الكثير من الأمم، بإستثناء الولايات المتحدة الأميركية. ما زالت المبادرة الفرنسية، برغم ما أصابها من إهتزازات وتعديلات، ركيزة الأخذ والرد. كل تهويل الفرنسيين بسحب مبادرتهم عن الطاولة لا أساس له من الصحة. إهتمامهم بلبنان في الآونة الأخيرة غير مسبوق منذ سنوات طويلة. البعد الذي يسميه الفرنسيون “عاطفياً” ليس هو الحافز. إنها المصالح. تريد فرنسا أن لا تخسر البلد الفرنكوفوني الوحيد في المنطقة. لبنان ركيزة للذهاب نحو سوريا في مرحلة مستقبلية، وثمة رسائل فرنسية إلى الدولة السورية تصب في هذا الإتجاه. لبنان فرصة إستثمارية واعدة. قطاعات المرافىء (ولا سيما إمتياز تأهيل وتشغيل مرفأ بيروت وإعادة إعمار ما تهدم في العاصمة) والطاقة والإتصالات. لذلك كله وغيره، لا يغادر الفرنسيون مركب مبادرتهم المعطل منذ آب/ أغسطس الماضي. تقول باريس إن مبادرتها باتت تحظى بحضانة أميركية. يريدون أن تحظى بحضانة سعودية وإيرانية لضمان نجاحها. الإتصال الذي جرى مؤخراً بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يصب في هذا الإتجاه. وفق بيان الأليزيه وليس الديوان الملكي السعودي، يتشارك الجانبان الرغبة نفسها “في رؤية حكومة (لبنانية) ذات مصداقية”.

في موازاة محاولة الفرنسيين تحصين مبادرتهم، كانت لافتةً للإنتباه حركة رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل بإتجاه السعوديين، من لقاءات سفير لبنان في باريس رامي عدوان بنظيره السعودي في فرنسا، إلى زيارة المستشار الرئاسي سليم جريصاتي إلى السفير السعودي وليد البخاري.. وصولاً إلى زيارة البخاري نفسه إلى القصر الجمهوري، وما تلاها من تسريبات أو مواقف سعودية، كان أبرزها ما عبر عنه وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان. شدد الأخير على أن المملكة مستعدة لدعم أي شخص في لبنان يتمكن من تبني أجندة إصلاحية، وذلك في معرض رده على سؤال (لشبكة سي ان ان) عما إذا كانت السعودية مستعدة لدعم رئيس الوزراء اللبناني المكلف سعد الحريري، وقال بن فرحان “لا نقف خلف أفراد في لبنان، وسنكون مستعدين للوقوف خلف لبنان ما دامت الطبقة السياسية هناك تتخذ خطوات حقيقية لمعالجة المشاكل التي يواجهها البلد”.

محمد بن سلمان للكاظمي: لسنا مستعدين لتكرار الإستثمار نفسه. أقله ليتخذ سعد الحريري مواقف مثل العراق عندما تستهدف مصالح المملكة العربية السعودية

ما قاله بن فرحان في العلن، سمعه رئيس وزراء العراق مصطفى الكاظمي من ولي العهد السعودي. لقد وقفت السعودية إلى جانب لبنان منذ إتفاق الطائف حتى الآن وصرفت عشرات المليارات، وكانت النتيجة أن رفيق الحريري قد تم إغتياله وهذه هي المملكة عرضة للصواريخ الحوثية. لسنا مستعدين لتكرار الإستثمار نفسه. أقله ليتخذ سعد الحريري مواقف مثل العراق عندما تستهدف مصالح المملكة العربية السعودية.

هذا تحديداً ما يريد أن يسمعه كل من ميشال عون وجبران باسيل عن الحريري. لم يغادر رئيس الجمهورية المربع ذاته: يريد دفع الحريري إلى الإعتذار. ثمة إعتقاد بأن الحضانة الخليجية، وتحديداً السعودية، غير متوفرة للرجل، وبالتالي سيكون عبارة عن “حسان دياب 2”. ما سمعه عون وجريصاتي ورامي عدوان من السعوديين يصب في الإتجاه نفسه. باسيل الذي يستعد لزيارة موسكو قبل نهاية نيسان/ ابريل الحالي، سمع من الروس أن الحريري إستنجد بهم أيضاً من أجل إعادة فتح أبواب المملكة، لكن وزير الخارجية الروسي سيرغيه لافروف تجاهل الطلب، بسبب الإنطباع السلبي الذي رسّخه إجتماع دبي مع رئيس وزراء لبنان المكلف.

في هذا السياق، جاءت التسريبات المتلاحقة في الساعات الأخيرة حول نية جبران باسيل زيارة العاصمة الفرنسية، فماذا في التقديرات؟

أولاً، في ظل شهر العسل الأوروبي (وتحديداً الفرنسي) ـ الأميركي الذي أعقب وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، هل تبادر باريس إلى دعوة شخصية فرض الأميركيون عليها عقوبات بعنوان الفساد (قانون ماغنيتسكي)، وإذا كانوا موافقين، هل يمكن تفسير ذلك كخطوة في مسار يمكن أن يؤدي إلى تجميد العقوبات، وإذا كانت واشنطن غير مرحبة بهكذا خطوة، هل يمكن أن تمنع حدوثها في آخر لحظة؟

ثانياً، جمّد إيمانويل ماكرون زيارته إلى الرياض، فور إعلان الولايات المتحدة قرارها بنشر تقرير المخابرات الأميركية بشأن جريمة قتل الصحافي السعودي جمال الخاشقجي. ومنذ صدور التقرير الأميركي الباهت، لم تصدر أية إشارة من البلدين حول موعد هذه الزيارة المؤجلة. السؤال المطروح هل يغامر ماكرون برصيده السعودي المتصاعد (بموافقة الأميركيين)، لمصلحة خطوة تصب في خانة ملف لبنان الذي لا يريد السعوديون أن “يستثمروا” فيه حتى الآن؟ وهل تصب العلاقة الودية بين ماكرون وبن سلمان في خانة تغطية حكومة لبنانية لا يتردد المسؤولون السعوديون في إطلاق النار عليها قبل ولادتها؟ وهل أن محاولة تعويم المبادرة الفرنسية نالت ضوءاً أخضر من واشنطن، وبالتالي ستكون التتمة بزيارة ماكرونية إلى الرياض قريباً.. وعندها هل يمكن أن نسمع موقفاً سعودياً جديداً بخصوص لبنان يعلن من بعده رئيس فرنسا نيته القيام بزيارة ثالثة إلى لبنان؟

حاول الفرنسيون بالفعل جمع الحريري وباسيل، بدليل الإتصال الذي قام به الموفد الفرنسي باتريك دوريل بين الإثنين.. من دون أن يتراجع الرئيس المكلف عن مبدأ حدّده منذ إنطلاق مشاورات التأليف: لا أجتمع بباسيل إلا بعد إنجاز التأليف الحكومي

ثالثاً، برغم حرص رئيس التيار الوطني الحر على نفي مصادره أن يكون هو شخصياً قد طلب مثل هذه الزيارة، فإن الوقائع تشي بعكس ذلك، لا بل إن باسيل يريد في هذه المرحلة أن تستقبله أية عاصمة أوروبية (غربية) في معرض “إختبار” العقوبات الأميركية المفروضة عليه وإعادة تأهيله رئاسياً، حتى يشكل ذلك بديلاً يستحق التضحية بالثلث المعطل في بيروت.

إقرأ على موقع 180  سعد الحريري.. التحدي الأعظم هو الجوع!

رابعاً، يستفيد باسيل من حقيقة ساطعة: ضعف الإدارة الفرنسية للملف اللبناني. يشي بذلك تعدد “الطباخين” الفرنسيين وعدم الإستفادة من تجارب الأشهر الثمانية الماضية، وهو الأمر الذي جعل كثيرين لا يشككون حتى اللحظة بما تم تسريبه من زاوية السؤال الآتي: هل يعقل أن تستقبل باريس رئيس التيار الحر من دون ضمانات مسبقة بتأليف الحكومة، قبيل حصول الزيارة، وهل يتحمل الفرنسيون فشلاً دبلوماسياً جديداً يُضاف إلى سجل إخفاقات رئيسهم؟ وهل يؤدي عدم توفر الضمانات إلى إعادة نظر فرنسية وصولاً إلى تقديم مقاربة مختلفة تجعل الزيارة في مهب الأسئلة؟

خامساً، حاول الفرنسيون بالفعل جمع الحريري وباسيل، بدليل الإتصال الذي قام به الموفد الفرنسي باتريك دوريل بين الإثنين.. من دون أن يتراجع الرئيس المكلف عن مبدأ حدّده منذ إنطلاق مشاورات التأليف: لا أجتمع بباسيل إلا بعد إنجاز التأليف الحكومي. لذلك، إرتبط الحديث عن زيارة باريس وإجتماع باسيل بالمسؤولين الفرنسيين بخطوة ثانية لا بد منها وهي جمعه بالحريري تحت سقف المبادرة الفرنسية. حتى الآن، تشي التسريبات بأن الفرنسيين لم يحددوا أي موعد لباسيل (إذا حصلت الزيارة) مع ماكرون. يقود ذلك إلى إستنتاج مفاده أن برنامج زيارة من هذا النوع سيكون متحركاً وكل لقاء مشروط بما يسبقه، فإذا إستحصل الفرنسيون على ما يريدونه يكون اللقاء مع ماكرون تتويجاً لمسار ما وليس بداية غير مضمونة النتائج.

سادساً، هل من علاقة بين تطورات الداخل اللبناني وما ستشهده فيينا غداً (الثلاثاء) من إجتماعات أميركية ـ إيرانية نووية (غير مباشرة) وماذا عن حديث وزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان لشبكة “سي ان ان” عن فتح أبواب الشراكة وليس فقط التقارب مع إيران “إذا قررت وقف أنشطتها المزعزعة للإستقرار الإقليمي”؟

إنها مأرب. لننتظر معطيات الميدان هناك، وبعدها لكل حادث حديث في لبنان وفي غيره من أزمات المنطقة. للبحث صلة.

Print Friendly, PDF & Email
حسين أيوب

صحافي لبناني

Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  ربع الساعة الأخير.. لبنان إلى حكومة أم فوضى؟