أميركا خارج أفغانستان.. تكرار “لحظة سايغون” أم “11 أيلول”؟

قبل عشرين عاماً، بدأ عصر الإنفلاش الأميركي في العالم فكانت حربا أفغانستان والعراق. اليوم، تترك الولايات المتحدة أفغانستان والعراق بلدين مدمرين، بعدما أخفقت في مهمة "بناء الأمم"، وتواضعت أهدافها إلى مجرد البحث عن السبل الكفيلة بحماية سفارتيها في كابول وبغداد وتجنيبها "لحظة سايغون".  

على رغم أن الموعد المستهدف للإنسحاب الأميركي من أفغانستان هو 11 أيلول/سبتمبر المقبل، فإن إخلاء قاعدة باغرام شمال كابول قبل أيام، يعني عملياً انتهاء العمليات العسكرية الأميركية في أطول حربٍ تخوضها الولايات المتحدة في الخارج. ومع هذا الإنسحاب بدأت تسري سيناريوات حول المستقبل الذي ينتظر أفغانستان، كلها تنذر بحدوث الأسوأ.

قاعدة باغرام مثقلة بالرمزية، بالشيء وضده، بناها السوفيات في الخمسينيات الماضية واتخذوها مقراً رئيسياً لعملياتهم العسكرية بعد دخولهم العسكري إلى أفغانستان عام 1979، واستخدمها الجيش الأميركي منطلقاً لعملياته بعد غزوه البلاد في تشرين الأول/أكتوبر 2001، عقب هجمات 11 أيلول/سبتمبر عامذاك ضد نيويورك وواشنطن والتي تبناها تنظيم “القاعدة” الذي كان يتخذ الأراضي الأفغانية مقراً له.

تحت جنح الظلام، ومن دون أية مراسم عسكرية، غادر آخر الجنود الأميركيين القاعدة المترامية الأطراف، والتي تتسع لعشرات آلاف الجنود وتحوط بها الجبال المكللة بالثلوج. واسترعى انتباه صحيفة “نيويورك تايمز” أنه كان هناك فاصل زمني بين مغادرة الأميركيين ودخول الجيش الأفغاني. ونقلت عن مدير مقاطعة باغرام درويش رؤوفي أن الأميركيين “فشلوا” في تنسيق الإنسحاب مع القوات الأفغانية”. ولم يتمالك مراسل شبكة “سي إن إن” الأميركية نفسه عن التعليق على الطريقة التي تم بها الإنسحاب بقوله إن “ذلك كان بمثابة نصر رمزي لطالبان”.

وبعد باغرام، ستعود مسؤولية القرار العسكري في أفغانستان إلى قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال كينيث ماكنزي، وأي عمليات عسكرية أميركية جوية ستنطلق من الآن فصاعداً من القواعد الأميركية في الإمارات وقطر وحاملة طائرات أميركية في بحر العرب.

كل ذلك يشير إلى قرار سياسي أميركي لا رجعة عنه بالإنسحاب من مكان لا يمكن الإنتصار فيه، وقبلهم وصلت بريطانيا وروسيا إلى هذا الإستنتاج. وربما من المفارقات التاريخية أنه بعد مضي أسبوعين فقط من تاريخ الإنسحاب السوفياتي من أفغانستان في 30 حزيران/يونيو 1989، أقفلت السفارة الأميركية أبوابها في كابول، ولم تعد إلا في عام 2002، بعدما أطاحت القوات الأميركية نظام “طالبان”.

وعندما جلس الرئيس الأفغاني أشرف غني قبل أسبوعين إلى جوار الرئيس الأميركي جو بايدن في المكتب البيضاوي، قال بوضوح إن أفغانستان تعيش “لحظة 1861” في إشارة إلى تاريخ الحرب الأهلية الأميركية، لعله بهذا التذكير المفجع يَحمل بايدن على تغيير قرار الإنسحاب أو تأخيره على الأقل، لكنه أخفق.

لا سيناريوات الحرب الأهلية ولا احتمال سقوط كامل افغانستان تحت سيطرة “طالبان” مع ما ينطوي عليه ذلك من عودة تنظيم “القاعدة” وتوسيع تنظيم “داعش” وجوده هناك، حملت بايدن على تغيير خططه

وقبل أشرف غني، أبدت التقارير الإستخباراتية الأميركية شكوكاً بقدرة الجيش الأفغاني الوطني على الصمود في مواجهة هجوم “طالبان” أكثر من ستة أشهر. والأسبوع الماضي، لم يستبعد قائد القوات الأميركية في افغانستان الجنرال أوستن نشوب حرب أهلية “إذا استمرت الأمور على  مسارها الحالي”.

ومع سيطرة “طالبان” على ربع الأراضي الأفغانية واقترابها من كابول والإنهيارات في صفوف قوات الأمن الأفغانية واستسلامها بالآلاف، لم يعد السؤال في الولايات المتحدة، هل في امكان حكومة كابول الصمود، وإنما عن المدة التي يمكن أن تصمد فيها. وتجري المقارنات بين مغادرة السوفيات في 30 حزيران/يونيو 1989 وسقوط الحكومة التي خلفوها وراءهم برئاسة محمد نجيب الله في 1992 على أيدي فصائل أصولية كانت مدعومة من الولايات المتحدة. وأعقب ذلك حرب أهلية، استمرت حتى سيطرة “طالبان” على كابول في 1996 واقتحامها لمجمع الأمم المتحدة حيث كان نجيب الله لاجئاً، وعمدت إلى إعدامه والتنكيل بجثته وتعليقها على أحد أعمدة الكهرباء في شوارع العاصمة الأفغانية.

واستطراداً لاحتمال سقوط كابول مجدداً في أيدي “طالبان”، لأن لا أحد يعوّل على امكان نجاح محادثات الدوحة لإقتسام السلطة، يفكر الأميركيون في كيفية حماية سفارتهم وما المصير الذي سيواجهه الديبلوماسيون الأميركيون العاملون هناك. وقد خصّصت إدارة بايدن 650 جندياً لحماية أفراد بعثتها الديبلوماسية، وتستعد للعمل في ظروف طارئة مشابهة لتلك التي تعمل فيها السفارة الأميركية في بغداد. لكن شبح الإقتحام الدامي للقنصلية الأميركية في بنغازي عام 2014 لا يزال ماثلاً.

إذن، لا سيناريوات الحرب الأهلية ولا احتمال سقوط كامل افغانستان تحت سيطرة “طالبان” مع ما ينطوي عليه ذلك من عودة تنظيم “القاعدة” وتوسيع تنظيم “داعش” وجوده هناك، حملت بايدن على تغيير خططه. وعندما ألح عليه الصحافيون الجمعة بالأسئلة في البيت الأبيض عن الإحتمالات المتوقعة بعد إخلاء قاعدة باغرام، رد بنبرة لا تخلو من العصبية: “لن أجيب عن اسئلة أخرى حول أفغانستان، وسأذهب للإحتفال بالرابع من يوليو/تموز” في إشارة إلى عيد الإستقلال الأميركي.

تناسي أفغانستان في التسعينيات كلّف اميركا 11 أيلول/سبتمبر 2001، فإلى أين سيقود إنسحابها منها اليوم؟ التاريخ وحده كفيل بالجواب

ويكتفي بايدن عادة بتكرار عبارات عمومية، مثل أن واشنطن لن تتخلى عن أفغانستان بعد الإنسحاب وبأنها ستواصل دعمها اقتصادياً وتنموياً، لكن على الأفغان أن يقرروا مصيرهم بأنفسهم. هذه المواقف لا تقنع كثيرين من المسؤولين الأميركيين أو المتابعين للشأن الأفغاني. وعلى سبيل المثال، قال عضو لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الجمهوري عن ولاية ويسكونسن مايك غالاهر:”اللحظة التي قرر بعض أعضاء البيت الأبيض تحديد 11 أيلول/سبتمبر موعداً (للإنسحاب) ومنح طالبان هذا النصر الدعائي فضلاً عن تسليمها الأراضي، هي اللحظة التي أدركنا فيها أن هذا جهد سياسي، وليس جهداً جيوسياسياً.. إن هذا قد يشبه لحظة سايغون”، في إشارة إلى المروحية الأميركية التي كانت تخلي آخر الديبلوماسيين الأميركيين من عاصمة فيتنام الجنوبية السابقة عام 1975 بعدما زحف عليها الجيش الفيتنامي الشمالي وقوات الفيتكونغ.

إقرأ على موقع 180  جهوزية حزب الله في مواجهة إسرائيل.. على إيقاع البايدنية!

ويتفق النائب الجمهوري البارز في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأميركي مايكل ماكول مع رأي غالاهر، متوقعاً أن تسقط السفارة الأميركية في حال سقوط كابول.

وعلى رغم كل التحذيرات والغموض الذي يكتنف مستقبل أفغانستان، يلخص رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأميركي آدم سميث، وجهة نظر الديموقراطيين باعتبار “أن الإنسحاب هو القرار الأفضل من بين سلسلة من الخيارات السيئة”.

وفي الثمانينيات، كان همّ الولايات المتحدة إخراج الإتحاد السوفياتي من أفغانستان. ولهذه الغاية، رعت التنظيمات الأصولية التي كانت تقاتل هناك. وعندما خرج السوفيات، ادارت أميركا الظهر لأفغانستان، التي سقطت في دوامة الفوضى والحروب الأهلية وصولاً إلى سيطرة “طالبان” على معظم أنحائها. واليوم تترك أميركا أفغانستان والزمان يدور دور كاملة لتعود “طالبان” الى الحكم ومعها الأسئلة عن معنى الحروب الأميركية وتدمير الدول وتركها بعد ذلك للمجهول.

تناسي أفغانستان في التسعينيات كلّف اميركا 11 أيلول/سبتمبر 2001، فإلى أين سيقود إنسحابها منها اليوم؟ التاريخ وحده كفيل بالجواب.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  قضية اليوروبوندز وصندوق النقد: إما حكومة ثورة أو.. ثورة