أميركا 2021.. العودة إلى حاملة الطائرات (2/2)

برغم أن وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر قال عن أنور السادات لحظة توليه السلطة محل جمال عبد الناصر "إنه أحمق ومهرج وبهلول"، إلا أن الوقائع التي إكتشفها الثعلب الأميركي بيّنت له أن الرئيس المصري الراحل كان رجلاً مناوراً وداهية سياسية بإمتياز.

أتى هنري كيسنجر إلى المنطقة غداة حرب أكتوبر عام ١٩٧٣م مع بدء مفاوضات “فك الاشتباك” التي افضت الى ما بات يعرف باتفاقية كامب دايفيد للسلام بين مصر وإسرائيل. هذه البوابة المصرية كانت بمثابة النافذة الإلزامية التي يُطل من خلالها الغرب على البيت العربي، كما كان يردّد الأستاذ محمد حسنين هيكل في حواره الشهير مع هنري كيسنجر القادم من خلف المحيط الأطلسي حاملا بيده “٩٩٪ من أوراق الحل والربط” (كما كان يقول أنور السادات) في الشرق الأوسط المنكوب بالحروب والمآسي المتكررة.

منذ أربعة عقود من الزمن، تكرست قناعة لدى المؤسسات الأميركية صارت سقفاً للصراعات المتعددة في منطقة الشرق الأوسط، مفادها وجوب أن يكون قرار الحرب والسلم في الشرق الأوسط حصراً بيد واشنطن وأن يجري التركيز على كيفية إخراج مصر من العالم العربي، حتى لو تم تقديم تنازلات إليها، لأن مصر ستكون مختلفة بعزلها عن عمقها العربي، وفي الوقت نفسه، سيكون العالم العربي أضعف بكثير من دون دور مصر القيادي التاريخي.

بهذا المعنى، شكّلت اتفاقية كامب دايفيد خطاً فاصلاً في التاريخ السياسي لمصر والمنطقة. ما قبلها ليس كما بعدها. نجح الأميركيون في خلط الأدوار والأوراق. صارت مصر أكثر مصرية وخفّ وجع رأس واشنطن طيلة عقود مضت. ارتاحت القوة الأميركية في عرض البحر على متن حاملات الطائرات. تتدخل واشنطن متى تريد من دون أن تبلّل يديها. أفرزت هذه المعادلة تحولات كثيرة، ليس أقلها إعادة توزيع الأدوار في المنطقة من خلال منظومة إقليمية جديدة. غير أن شخصية المنطقة لم تتلاءم مع هذه المنظومة الجديدة. شخصية تبرع في مناكفة المصالح الدولية. توالت الأحداث بين حروب أهلية وإقليمية كأنها إرهاصات لما يحيكه المستقبل للمنطقة العربية.

لعبة جمع الأوراق حرفة يتقنها جيدا الصديقان اللدودان حافظ الأسد وهنري كيسنجر. بلغ الأمر بالرئيس السوري الراحل أن تفيض الأوراق بين يديه إلى الحد الذي كان يجعله “يُقرض” اللاعبين على الطاولة ذاتها بعض تلك الأوراق!

رسمت الولايات المتحدة خريطة أمنية ـ سياسية ظناً منها أن حيازتها على ٩٩٪ من أوراق المنطقة يعفيها من حقائق التاريخ وقواعد الجغرافيا ووقائع الميدان. خطيئة تمادت في ممارستها قوات العم سام لكن سرعان ما وجدت نفسها مُلزمة بالنزول من حاملة الطائرات إلى المستنقع البري في العراق. احتلال الولايات المتحدة للعراق في العام ٢٠٠٣م شكّل خطاً فاصلاً جديداً. لحظة تؤرخ لبداية خسارة واشنطن الأوراق التي جمعتها طيلة ثلاثة عقود (1973 ـ 2003). أميركا نفسها لم تعد تُقيم في أميركا. أصبح “الشيطان الأكبر” دولة جوار لإيران وسوريا. حتّمت الجغرافية على الولايات المتحدة أدواراً لا تتناسب والأوراق التي كانت جمعتها. للمناسبة، كانت لعبة جمع الأوراق حرفة يتقنها جيدا الصديقان اللدودان حافظ الأسد وهنري كيسنجر. بلغ الأمر بالرئيس السوري الراحل أن تفيض الأوراق بين يديه إلى الحد الذي كان يجعله “يُقرض” اللاعبين على الطاولة ذاتها بعض تلك الأوراق!

مع الغزو الأميركي للعراق، إستطاع اللاعب الإيراني تعزيز أوراقه وبالتالي دوره في مسرح غرب أسيا. مارست “دولة الملالي” استراتيجية جمع الأوراق. هذا التدخل الإيراني ما هو ليس مبرراً من وجهة نظر العرب بقدر ما هو ليس جديداً، لكن مع خلع البوابة العراقية أدركت طهران أن هذه الفرصة التاريخية لن تتكرر. ذهبت تلملم النفوذ، ساحة تلو أخرى، ووقف العم سام متفرجاً، أما الدول العربية فقد قررت أن ترصد على مضض لعبة عد الأوراق التي تحصدها إيران مباشرة أو عبر حلفائها. تراءى للبعض صراع مذاهب، فبادر إلى التحشيد، ما ساهم في فقدان القدرة على فهم التحولات الجذرية ومنافسة الدور المستجد.

إن “إيران النووية” هي باللغة مجرد كلمتين. هذه الإيران لا تصبح واقعاً إلا من خلال مسارين لا ثالث لهما: بإتفاق مع الولايات المتحدة بكل ما يحمله من مضامين ومندرجات معلنة أو غير معلنة، أو من دون اتفاق بكل ما يستجلبه من عقوبات اقتصادية قاسية. قرر الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما سلوك المسار الأول الذي أنتج اتفاق فيينا النووي عام ٢٠١٥م.

تعددت الأسباب لسلوك واشنطن مسار التفاوض، لكن أبرزها هو قرار الولايات المتحدة الإستراتيجي بالإنسحاب من المنطقة للتفرغ لـ”الهم الأكبر” (الصين)، ثم منع إيران من أن تصبح قوة نووية. ربما لم يكن الدور الإقليمي لإيران، في لحظة ما، مُزعجاً للأميركيين، بل بدا أن ثمة من يراهن على دور كبير للإسلام السياسي بوجهيه السني والشيعي في المنطقة. كانت إدارة أوباما تُقدّر أن إيران النووية ستُطلق سباق تسلح نووي في منطقة الشرق الأوسط، وتضع المنطقة على عتبة الحرب في لحظة انسحاب قوات العم سام منها.

إقرأ على موقع 180  عندما يُصبح شعب لبنان سلوى التافهين

هذا المسار سرعان ما إنقلب بعدما إختار الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب سياسة “الضغوط القصوى” التي قرّبت طهران أكثر من حلمها النووي.. وجعلتها أكثر تشدداً في مقاربة قضايا المنطقة، سواء مباشرة أو من خلال أذرعتها. زدْ على ذلك إنغماس الولايات المتحدة في مشاكل المنطقة من خلال الإستهداف المباشر لأيقونة النفوذ الإيراني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني.

عندما سئل الكوميدي الأميركي باري كريمنز عن عدم مغادرته الولايات المتحدة وهو الذي يسخر منها دائماً أجاب:”أخشى أن أكون أحد ضحايا سياستها الخارجية”!

جاءت إدارة جو بايدن وقررت أنها ستستأنف قرار الخروج العسكري من الشرق الأوسط كما من أفعانستان، معلنة أنها تريد إقامة حواجز صد على مستوى القارات وليس الدول في مواجهة المارد الصيني. هي عودة إلى ما قبل العام 2003. إلى حاملة الطائرات وإبقاء اليد على الزناد. حيث يحتاج الحليف غارة أو إنزالاً ولكن من دون السماح بإستهداف  المصالح الإستراتيجية.

في هذه اللحظة الدولية والإقليمية المفصلية، كل فريق يضم أوراقه الى صدره وعينه على اللاعب الجالس قبالته. يراقب كل حركة وكل كلمة خشية الغش أو المؤامرة.

في الجولة الأولى من المفاوضات النووية، تحاورت طهران وواشنطن في السر، أو عبر “القناة الخلفية”، كما هو عنوان كتاب وليام بيرنز رئيس المخابرات المركزية الأميركية الحالي ومهندس المفاوضات النووية.

إنجازات السياسة الخارجية الأميركية تبدو من نوع ”إطلب وتمنى”. الفشل العراقي فاضح. الاحتلال الاسرائيلي متمادي. التدخلان التركي والايراني لا يجدان من يعترضهما. حتى كيسنجر نفسه، وفي ما يخص انجازاته، لا يسجل له حتى انهاء حرب فيتنام. ليُسأل شريكه في جائزة نوبل للسلام عام 1973م، الرئيس الفيتنامي لي داك توو، الذي رفض الجائزة لان القتال ما زال مستمراً!

أي متابع لمسار لعبة الأمم في الشرق الأوسط لا بد وأن يستنتج أن الأوراق قد وزعت على اللاعبين الأساسيين. لكن هل اقتربت اللعبة من نهايتها، وبالتالي هل ما زالت أميركا تملك ٩٩٪ من أوراق الحل في المنطقة، كما كان يقول السادات قبل خمسين عاماً؟

لا مبالغة في القول إن أميركا لا تملك حتى ٥٠٪ من أوراق الحل.. فكيف توزعت باقي الأوراق؟

عندما سئل الكوميدي الأميركي باري كريمنز عن عدم مغادرته الولايات المتحدة وهو الذي يسخر منها دائماً أجاب:”أخشى أن أكون أحد ضحايا سياستها الخارجية”!

(*) “الشيخ والخيمة”، أميركا ومصر.. حوارات كيسنجر وهيكل (2/1)

 

Print Friendly, PDF & Email
طارق زيدان

كاتب سعودي

Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  يا فقراء لبنان والعالم موتوا (1 من 2)