من يحق له إمتلاك التكنولوجيا؟

التكنولوجيا الحقيقية لم تكن في يوم من الأيام من الأمور التي تستطيع الأمم الحصول عليها بسهولة. تبدو الأمور معاكسة تمامًا للتوقعات، ففي عالم التكنولوجيا هناك ظلام وقتل وسرقة وأسرار مخفية.

تبدأ القصة مع اكتشاف أو اختراع ما تحتاجه البشرية ويزيد من رفاهيتها أو يزيد من قوة ومناعة المجتمع. فجأة يصبح هذا الجديد مصنفًا تحت خانة من السرية المطبقة التي تمنع البوح به والأمثلة كثيرة على ذلك، لعلّ أبزها حاليًا تقنية الـ 5g في عالم التواصل والانترنت إن أخذنا المنحى السّلمي، أما في عالم التقنيات العسكرية.. فحدّث ولا حرج.

الكثير من صفقات التسلّح التي تجري في العالم يتمّ فيها بيع قطع أو معدّات عسكرية على طريقة الأزياء الجاهزة للبس لا بيع التصاميم، فلا يمكنك التعديل في المعدّات المشتراة ولا حتى استعمالها لغايات لا توافق عليها الدولة البائعة أو الواهبة، مثلًا بعد حادثة المواجهة الشهيرة بين الجيش اللبناني والإحتلال الإسرائيلي في بلدة العديسة الجنوبية (شجرة العديسة)، في آب/أغسطس 2010، سألت السفارة الأميركية في بيروت عن الطلقات التي استعملت، أهي من ضمن برنامج المساعدات العسكرية للجيش اللبناني؟

ومن هنا سنبدأ، فامتلاك التكنولوجيا يعني امتلاك التصاميم والقدرة على إدخال التعديلات والصناعة وهذا ما لا تسمح به الدول المنتجة، شرقية كانت أم غربية لأسباب تتعلّق بالسيطرة والأجندات السياسية، وعليه تسعى بعض الدول لتحقيق استقلالية ذاتية أو جزئية لتنفيذ أجنداتها الخاصة أو ضمان أمنها بطريقة أفعل من الاعتماد على الغير، والاستقلالية لا تتوقف على السّلاح بل على ما هو أكثر حيوية للدول ألا وهو إنتاج الطاقة بعيدًا عن حرق النفط الآتي بنفس الأجندات والشرايين السياسية.

ولما كانت الحروب الآن تدخل فيها التكنولوجيات المتطورة والباهظة الثمن، توجهت الدول الفقيرة نحو الأرخص مما يوازيها، فكانت الصواريخ البسيطة هندسيًا وشديدة الخطورة عسكريًا، كما إنتاج الطاقة عبر المفاعلات النووية السّلمية ما يخفف بشكل كبير الاعتماد على النفط الذي تشتريه بالعملات الأجنبية أو تقوم بتخزينه (في حال وجوده) كمخزون استراتيجي للأيام العجاف.

كذلك كان دور العلماء في الأوطان لتعزيز الإنتاج الوطني وإقفال دوائره، أي إيقاف الاعتماد على استيراد التكنولوجيا من الخارج أو المواد الأولية فأصبحوا هم في دائرة الاستهداف ترغيبًا بترك البلد وعرض فرص العمل المغرية عليهم في الخارج أو ترهيبًا بالتصفية الجسدية لمنعهم من استكمال العمل، فبدأت حروب الاستخبارات لحماية العقول من جهة واستهدافها من جهة أخرى.

والأمثلة هنا كثيرة، لعلّ أبرزها، على سبيل المثال لا الحصر، إستهداف علماء الذرة في إيران، ولكن هذه ليست التجربة الأولى عالميًا فخلال فجر العلوم النووية كانت الولايات المتحدة تلاحق بالقتل علماء يعملون على المشاريع الذرية الأولى في بلادهم، فلنا أن نتخيّل أن فيرنر هايزنبرغ رائد الفيزياء الكمومية تراجع قاتله عن إطلاق النار عليه قبل ثوانٍ بعد أن علم أنّ المخطط الذي بين يديه هو لمفاعل لا لقنبلة ذرية يحاول أدولف هتلر إنتاجها كما نجا قبل ذلك من قصف جوي كان يستهدف مختبره بشكل شخصي في برلين، فدمر مختبر أوتو هان الكيميائي أحد مكتشفي الانشطار النووي لاحقًا وحامل جائزة نوبل.

العلوم ليست للطي في سجلات العقول، بل للنشر والتعليم والتعلّم وتخطي العتبات التكنولوجية، والتحدّي الآن هو في التطور العلمي والتقني بالإضافة لحماية أرواح هؤلاء المضحين الذين قدّموا أغلى ما يملكون من أفكار في سبيل رفعة دولهم، لا لشيء فهم طبعًا يدركون تمامًا خطورة الخط الذي انتهجوه ولكن تشجيعًا لكلّ من سيأتي من بعدهم

يسري ذلك على جهاز “الموساد” الذي طارد العلماء المصريين الذين عملوا على المشاريع الصاروخية المصرية خلال عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وبلغ الأمر حد اغتيال أصحاب شركات متعاونة مع الجيش المصري في ألمانيا مثل هانس كروغ 1962 وعشرات الخبراء الصاروخيين السابقين في الجيش الألماني، مثلما طارد “الموساد” علماء الذرة في العراق بالقتل أيضًا وصولًا إلى قصف المفاعل الأول في العراق، “مفاعل تموز” عام 1981، واغتيال العالم المصري العامل على المشروع العراقي يحيى المشد في باريس عام 1980.

وهذا الأمر لم يتوقف أبدًا هناك، بل ما زال عدونا يخشى كلّ تطوّر في السّلاح الصاروخي العربي، فاغتال أب المشروع الصاروخي السوري العميد المهندس نبيل زغيب في باب توما 2012 وكذا القيادي في “المقاومة الإسلامية” (حزب الله) حسان اللقيس الذي استفاد من السماء في المواجهة مُدخِلًا سلاح الطائرات الموجهة في المعركة.

المواجهة مفتوحة إذًا مع كلّ من يحاول القفز فوق العتبة التكنولوجية، وهذا ما فعلته إيران خلال كلّ الفترة الممتدة تقريبًا ما بعد الثورة الإيرانية (1979) ولكن بطريقة سرّية، فلم تُكشف الخطوات بشكل واضح إلا لما بعد اكتمال المشروع، فهي استفادت جيدًا من العلماء السوفيات الذين شُرّدوا في بلادهم بعد تفكك الدولة السوفياتية وإنهيارها (1991)، ولكن هذه الاستفادة لم تكن استهلاكية بل إنتاجية حيث قامت بتدريب أبنائها وتعليمهم للاستفادة منهم في هذا المضمار “المحرّم” على البعض والمتاح للآخر، كما تتكلّم التقارير عن استفادة كبيرة قدّمت من باكستان عبر أب المشروع الباكستاني عبد القدير خان الذي قدّم خدمات نووية للعديد من البلدان بعد أن كان محميًا بمظلة الاستفادة الأميركية من أراضي بلاده لمواجهة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، فلم يُلاحق بالاغتيال بل دُعم بالمال من كلّ حدب وصوب، كما بالتكنولوجيا لتصل بلاده في العام 1998 للتجربة النووية الأولى.

إقرأ على موقع 180  "حربٌ سريةٌ" بين إيران وإسرائيل.. الأسرار لم تعد أسراراً!

وعليه، لإيقاف هذه المشاريع الجنينية تقوم الدول بكل ما هو محرّم، فامتلاك دائرة الانتاج المغلقة واجتياز العتبة التكنولوجية أمر غاية في الأهمية للدول، فهي تتيح كما أسلفنا سابقًا استقلالية في مجال الطاقة وتقدّمًا في الأبحاث، ويمكن السّير نحو إنتاج سلاح نووي رادع ما يعني بالتالي استبعاد خيار حرب تقليدية ضدها، فتواجه أولًا باغتيال العلماء العاملين على التطوير والتصنيع وإغلاق الدوائر وهذا مؤلم للغاية من ناحية الانسان والموارد، ففي حال تمّ هذا الأمر في بداية المشاريع قد يكون بمثابة حكم الاعدام لفترة ليست بقصيرة، أما إذا اكتمل الاعداد البشري، فهذا لن يعدوَ كونه عمليات انتقامية لن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء أبدًا، فمن إغتيال العالم الإيراني مسعود محمدي (2010) وصولًا إلى إغتيال محسن فخري زاده (2020)، يستمر المشروع النووي الإيراني بالتقدّم.

ولكن العلوم ليست للطي في سجلات العقول، بل للنشر والتعليم والتعلّم وتخطي العتبات التكنولوجية، والتحدّي الآن هو في التطور العلمي والتقني بالإضافة لحماية أرواح هؤلاء المضحين الذين قدّموا أغلى ما يملكون من أفكار في سبيل رفعة دولهم، لا لشيء فهم طبعًا يدركون تمامًا خطورة الخط الذي انتهجوه ولكن تشجيعًا لكلّ من سيأتي من بعدهم.

يكفي أن نقرأ ما يقوله الإعلام العبري في هذه الأيام بأنه حتى لو قررت “إسرائيل” توجيه ضربة عسكرية لإيران (وهو أمر ليس بمتناول يدها)، فإن الأخطر هو أن إيران باتت تمتلك الكفاءات العلمية والخبرات والبنى التحتية التي تؤهلها لتعويض أي ضربة.

كثيرون زاروا طهران في السنوات الأخيرة. يكفي أنهم تعرفوا على بعض الكليات الجامعية، فإكتشفوا جيشًا من العلماء، مثلما إكتشفوا في وزارة الخارجية جيشًا من الدبلوماسيين.. وفي كليات الطب جيشًا من الأطباء والممرضين. هذه هي المعرفة التي نبحث عنها. هذا ما يحمي مجتمعاتنا.

(*) في الحلقة المقبلة: العتبة التكنولوجية 

Print Friendly, PDF & Email
فؤاد إبراهيم بزي

كاتب متخصص في المواضيع العلمية

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  لا تجعلوه "كبش فداء" جرائمكم!