بن سلمان يقرع الأبواب الأميركية.. فلا تُفتح!

إذا كان الفراغ قاتلاً ويستدرج تلقائياً من يملأه، فإن براغماتية السياسة تفتح الباب أمام أولوية حفظ مصالح الدول، وبالتالي لا تستطيع أن تكون ملكياً أكثر من الملك نفسه.

مناسبة هذا الكلام هو تجرؤ أقرب حلفاء الولايات المتحدة على التعامل معها بطريقة واقعية، لا سيما وأننا شهدنا خلال نصف عقد مضى، تناوب ثلاث إدارات أميركية على السلطة، كل منها قدمت رؤية متمايزة ـ وأحياناً متناقضة ـ مع التي سبقتها، الأمر الذي يجعل حلفاء أميركا في حيرة من أمرهم، لا بل عاجزين عن التخطيط لأكثر من ولاية رئاسية أميركية واحدة لمدة أربع سنوات!

لا شك انه من بين أبرز حلفاء الولايات المتحدة الأميركية منذ نهاية النصف الأول من القرن العشرين لتاريخه، إسرائيل والسعودية. الأولى (إسرائيل) ما هي إلا ربيبة الولايات المتحدة التي ساهمت مع حليفتها المملكة المتحدة في ولادتها عام 1948، وما زالت الراعي والحامي الرسمي لها. الثانية (السعودية) أرست الولايات المتحدة معها تحالفاً استراتيجياً بموجب الاتفاق الشهير بين زعيمي البلدين الملك عبد العزيز آل سعود والرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت على متن السفينة الأميركية (كوينسي) في البحر الأحمر عام 1945. وقام الاتفاق على مقايضة النفط بالأمن، وبالتالي أي مس بالنفط من قبل المملكة أو تفريط بالأمن السعودي من قبل الولايات المتحدة من شأنه توتير العلاقة بينهما.

صحيح أن الملك فيصل كان أول من تحدّى (أقله عربياً) الإرادة الأميركية إبان حرب أكتوبر عام 1973، عندما قطع الإمدادات النفطية، الأمر الذي خلق صدمة عالمية في قطاع النفط لم يشهدها في تاريخه، لكن  فيصل لم يكن يقصد التدخل في السياسة الأميركية، إنما التضامن مع إخوانه العرب في حربهم مع إسرائيل. وقد كلّفه هذا الإجراء حياته، حيث أقدم ابن شقيقه فيصل بن مساعد بن عبد العزيز بعد أقل من سنتين، على رمي عمّه بالرصاص، أثناء إستقباله وزير نفط الكويت عبد المطلب الكاظمي، وأرداه قتيلاً في 25 آذار/مارس 1975.

قادت الأزمة النفطية، وقتذاك، الولايات المتحدة إلى تأسيس وكالة الطاقة الدولية عام 1974، بهدف ضمان أمن الطاقة للدول المستهلكة للنفط، في مواجهة نفوذ منظمة “أوبك”. فأُسِّس لأجل ذلك ما يُعرف بـ”برنامج الطاقة الدولي” (IEP)، الذي يُلزِم الدول الأعضاء بتكوين مخزونات بترولية استراتيجية تعادل استهلاكها على مدى تسعين يوماً. وذلك تداركاً لأي أزمة نفطية مستقبلاً. وعليه، قامت الولايات المتحدة بتخزين احتياطي ثابت في مجمع حكومي مكون من أربعة مواقع تحوي كهوف تخزين عميقة تحت الأرض تم إنشاؤها في قباب الملح على طول سواحل خليج تكساس ولويزيانا.

الخطورة في ما يجري أن بن سلمان من خلال التحكم بأسعار النفط يحل فاعلاً مؤثراً في السياسة الأميركية، ويظن بأنه يضغط على الرئيس الأميركي ليقربه نحوه ويدفعه إلى تغيير سياسته تجاه المملكة، تحت طائلة تقوية خصومه (الجمهوريين) على مسافة أقل من سنة من الانتخابات النصفية للكونغرس

وبالفعل كانت توقعات الإدارة الأميركية آنذاك في محلها، حيث لجأ بعض الرؤساء إلى السحب من الاحتياطي لتهدئة أسواق النفط خلال أوقات الحرب والأزمات الكبرى أو عند حدوث أعاصير تسببت في تعطل البنية التحتية النفطية على امتداد الساحل الأميركي. وأبرز المرّات التي اضطرت فيها الإدارة الاميركية إلى الاستعانة بالمخزونات البترولية الاحتياطية كانت في بداية الألفية الثالثة في عهد الرئيس بيل كلينتون، حيث استعانت واشنطن باحتياطي نفطها جرّاء خفض العراق ضخ هذه المادة الاستراتيجية في السوق العالمية نتيجة حصاره آنذاك، كذلك عام 2011، في عهد باراك أوباما، وذلك على وقع أحداث الربيع العربي، عندما لجأت اميركا إلى مخزونها النفطي لتغطية النقص الحاصل عالمياً، وآخرها ما نشهده، ولكن هذه المرّة في ظل احتدام الخلاف بين الرئيس الأميركي جو بايدن وحاكم السعودية الفعلي ولي العهد محمد بن سلمان الذي تعمّد خفض الكمية التي تضخّها المملكة من النفط في السوق العالمية، ما أدى إلى ارتفاع سعر البرميل إلى 80 دولاراً (إنخفض فور إستخدام الإحتياطي الأميركي بالتنسيق مع دول أخرى إلى حدود 75 دولاراً).

لكن الخطورة في ما يجري أن بن سلمان من خلال التحكم بأسعار النفط يحل فاعلاً مؤثراً في السياسة الأميركية، ويظن بأنه يضغط على الرئيس الأميركي ليقربه نحوه ويدفعه إلى تغيير سياسته تجاه المملكة، تحت طائلة تقوية خصومه (الجمهوريين) على مسافة أقل من سنة من الانتخابات النصفية للكونغرس. لكن فات بن سلمان بأن هذه السياسة ليست مستساغة لدى الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة (الجمهوري والديموقراطي) وإن تماهت أو تطابقت مع مصلحة أحدهما، إلا أنه على المدى البعيد، وفي الرؤية الاستراتيجية للدولة العميقة في واشنطن، غير مقبول بتاتاً أن تكون الدول الحليفة أو الصديقة للولايات المتحدة لاعباً في سياساتها الداخلية. ما هو متاح في هذا المضمار لا يتعدى استثمار بعض الدول في اللوبيات (جماعات الضغط) التي تساهم في الدفع نحو اعتماد الكونغرس او غيره من المؤسسات الدستورية هذا القرار أو هذا القانون أو.. لمصلحة هذه الدولة أو تلك.

إقرأ على موقع 180  سماحة السيد.. "انهض، لقد أصبحوا مجانين"!

ويبدو أن بن سلمان لم يتعلم من تجربة رئيس وزراء إسرائيل السابق بنيامين نتنياهو، الذي كلّفه تدخله في السياسة الأميركية خسارته منصبه كرئيس وزراء، بعد أن شغله قرابة عقد ونيف. فنتنياهو الذي خرق كل الأعراف بخطابه في الكونغرس ضدّ الرئيس أوباما، وحينها كان بايدن نائباً للرئيس، إذ شعر نتنياهو بنشوة مواجهة رئيس أقوى دولة في العالم، واستمر في عهد دونالد ترامب بالتصرف مع إدارته كأنه هو من يُملي عليها ماذا تفعل، على طريقة تعاطيه بالملف النووي وتهديده بضرب المنشآت النووية الإيرانية بمفرده دون الرجوع إلى الإدارة الأميركية (إتهمه ترامب بقلة الوفاء لأنه كان في طليعة المتصلين ببايدن لتهنئته بفوزه).

من يتابع جولة بن سلمان الخليجية الأخيرة يشعر أن هناك من قرر أن الطريق إلى قصر الرياض يمكن تعبيدها من دون الحاجة للإفراط في الاعتماد على الولايات المتحدة

ويبدو أن بايدن وقع أسير خطاب الديموقراطيين، بجعل خطاب الحريات وحقوق الإنسان رافعة إنتخابية، فكان أن سمحت إدارته بنشر أجزاء من تقارير المخابرات المتعلقة بحادثتي الحادي عشر من أيلول/سبتمبر وجريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، فضلاً عن رفض المضي بدعم حربه في اليمن، وفي الوقت نفسه، رفض بايدن إستقبال بن سلمان، ورفض الإجتماع به حتى ولو عرضياً على هامش قمة قادة العشرين في روما في تشرين الأول/أكتوبر الماضي ثم في قمة غلاسكو (ألغى بن سلمان مشاركته بعد إقفال الأبواب الأميركية بوجهه).

هل قرر ولي العهد السعودي إنتهاج سياسة خارجية جديدة؟

حتماً، ثمة متغير في المقاربات السعودية، لكن يصعب التكهن بحدوده. فالمملكة تريد أن تحافظ على دور المركز في منطقة الخليج العربي، وهذا ما يُفسر قرار حلّ الأزمة مع قطر وبدء التقارب مع إيران وسوريا وتركيا والأهم فتح الأبواب دولياً لزيادة التعاون العسكري مع روسيا والصين. هذا كلّه في سبيل الضغط على الإدارة الأميركية للتجاوب مع مطالبه.

وما تجاوب ولي العهد مع المبادرة الفرنسية تجاه لبنان وتواصله مع رئيس وزراء لبنان نجيب ميقاتي وإبداء النية بإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل تصريح وزير الإعلام اللبناني السابق جورج قرداحي إلا مبادرة حسن نيّه من قبله تجاه الأميركيين الذين فوّضوا فرنسا بعض ملفات الشرق الأوسط للتعويض عن خسارة صفقة الغواصات مع أستراليا من جهة، وللتفرغ لصراعهم الاستراتيجي مع الصين من جهة ثانية.

إن من يتابع جولة بن سلمان الخليجية الأخيرة يشعر أن هناك من قرر أن الطريق إلى قصر الرياض يمكن تعبيدها من دون الحاجة للإفراط في الاعتماد على الولايات المتحدة.

لقد اعتاد ولي العهد الشاب أسلوب المغامرة في الداخل السعودي وخارجه، بدءاً من انفتاحه ورؤيته الطموحة 2030، وكسر تقاليد العائلة الحاكمة من ثلاثة قرون إلا قليل، ومواجهته مشايخ الوهابية، حتى بدا في طور تأسيس الدولة السعودية الرابعة، إلى حروبه وسياساته الخارجية، لكن هذه المرّة ارتفع لديه فائض الثقة بالنفس إلى الحد الذي جعله يعتقد أن تحدي الولايات المتحدة أمر ممكن، من يدري أين تسير به الأمور، هل سيثبّت خطواته نحو قصر الرياض أو سيُطاح به، لننتظر ونرَ!

Print Friendly, PDF & Email
مهدي عقيل

أستاذ جامعي، كاتب لبناني

Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  الصين تطلق يوانها الرقمي... والدولار مهدد بفقدان الريادة