في ردهة الموت.. في لا ألوانه

يقول الشاعر محمود درويش في قصيدة أسماها "لم يسألوا ماذا وراء الموت": نريد أَن نحيا قليلاً لا لشيء/ بل لِنَحْتَرمَ القيامَةَ بعد هذا الموت/ واقتبَسوا - بلا قَصْدٍ - كلامَ الفيلسوف: اُلموت لا يعني لنا شيئاً نكونُ فلا يكونُ/ اُلموت لا يعني لنا شيئاً/ يكونُ فلا نكونُ/ ورتّبوا أَحلامَهُمْ بطريقةٍ أخرى وناموا واقفين.

الفيلسوف الذي أشار إليه محمود درويش هو أبيقور فيلسوف الإغريق والذي كان قد قال:

الموتُ – وهو الذي يرعبنا أكثر- لا يعنينا شأنه، فطالما نحن أنفسَنا موجودون هو غير موجود وإذا يحضر نكون غيرَ موجودين.

في الحقيقة هو يريد أن يقول: أننا والموت لا نجتمع أبداً.

تردّد في بالي كلا القولين في موقفي ذاك، وإن كنت أؤيد الشق الثاني من القول فإني أخالفهما الرأي في الشق الأول؛ فالموت موجود حولنا في كل حين. يتربّصُ بنا طيلة الحياة، ولو لم يكن موجوداً – كما زعم أبيقور- لما كان له وقعٌ في ذاكرة ابن آدم أبداً، فتراه يلاحقهم طوال الحياة، يحتويهم كالليل ويسلبهم أعز ما يملكون والأنكى من ذلك كله أنه غير معلوم الأوان، فإذا كان الانسان عدوَ ما يجهل فالموت أعدى أعدائه لأنه العدو المجهول. ليس ذلك فحسب بل هو كذئب الجواهري على أنيابه دماء الأصحاب والأحباب، وهو اليقين الذي لا يمنعه منا غير الزمن ولا يثنيه عنا إلّا بلوغ الأجل.

كلُ ذلك مرّ ببالي وأنا أمرُّ في الممشى الوسطي لردهة المستشفى الذي مات فيها صاحبٌ لنا.

لم تكن الردهة كبيرة جداً ولم يستغرق مروري بها إلا بضع ثوان وقد ألفيتُ على يميني أربع أسرةٍ ومثلها على شمالي، كانت كلها مشغولة برجال صبغتْ وجوهَهم صفرةُ الموت فهم ينطبق عليهم قول: أحياء ميتون أو إن شئت: ميتون أحياء.

حتى أن وجهيّ الممرضتين الواقفتين على “الكاونتر” بباب الردهة لم يكونا أقلّ إصفراراً من وجوه مرضاهما وكأن ألوان الوجوه تتآلف بطول المقام.

كان صاحبنا المريض الذي يرقد في آخر سرير على الشمال قد فارق الحياة منذ ساعتين وقد قررتْ إدارة المستشفى نقله إلى ثلاجة الموتى في قبو المبنى. لأجل ذلك، جاءت إلينا الممرضة المسؤولة عن تلك الردهة بعينين غائرتين قد اسوّد ما تحتهما من طول السهر أو ربما من التمعن بوجوهٍ مشرفةٍ على الهلاك لتطلب منا إلقاء النظرة الأخيرة عليه قبل مغادرته إلى اللاعودة.

كان كل السبعة الأحياء في الردهة من كبار السن وقد هبّتْ عليهم ريحُ الموت ودبّ فيهم بردُه إلا المريض الرابع على الجهة اليمنى. كان الرجل في منتصف الثلاثينيات من العمر يرقد قبالةَ صاحبِنا الذي مات ويبدو أنه كان على صلة بصاحبنا الميت قبل أن يُسلم الروح في تلك الردهة الساكنة.

لم يستطع أن يبقى ممدداً حين دخلنا الردهة فقاوم تعبه وعدّل جلستَه. كان ينظر إلى الأشياء من حوله بخوف وارتباك كما ينظر الباقون الى وجه مَلَك الموت وهو يتربّص بهم ويدور حول أسرّتهم كالذئب حول الفريسة منتظراً الأمر الإلهي بقبض أرواحهم. أومأ ذلك الفتى برأسه إلينا وحرّك يده التي تتدلى منها أسلاك الأجهزة وأنابيب الأدوية والسوائل المغذية التي زُرعت في أوردتها.

لمع ببالي في تلك اللحظة بيتا المتنبّي العجيبان وهو الذي استلهم مأثوراتٍ فلسفيةً غير قليلة:

إلْفُ هذا الهَواءِ أوْقَعَ في الأنْــ

                         ـفُسِ أنّ الحِمامَ مُرُّ المَذاقِ

والأسَى قبلَ فُرْقَةِ الرّوحِ عجزٌ

                       والأسَى لا يكونُ بَعدَ الفِراقِ

كان قد قال المعرّي عنهما: هذان بيتان يفضلان كتاباً من كتب الفلاسفة؛ لأنهما متناهيان في الصدق وحسن النظام، ولو لم يقل شاعرهما سواهما لكان له شرف منهما وجمال.

وما أراده المتنبي في البيت الأول هو: أن النَفْسَ قد تعودتْ على هذا الهواء وألِفَتْه حتى ظنّتْ أن الموت كريه المذاق.

أما البيت الثاني فيقول فيه: إن الأسى إثنان؛ قبل الموت وبعد الموت، أما الذي قبل الموت فهو عجز، ولا يوجد أسى بعد الموت – وقد صدق- بل لعله تفوق على أبيقور وعلى كثير من تنظيرات أقرانه فلاسفة الروم والفرس والإغريق الذين كتبوا حول الموت. لقد آمنت أن المتنبي فيسلوفٌ في شعره وشاعرٌ في فلسفته.

أما طاغور – الذي خلط بين الحداثة الفكرية في ما تعلمه من المدارس الغربية وبين التقاليد الهندية الغائرة في القدم مع الديانة الهندوسية المتربعة على حياة المؤمنين بها – فهو الآخر صاحب مقولةٍ مهمة ومختلفة، مقولةٍ تستحق الوقوف والتأمل.

يقول طاغور: الإنسان يخاف الموت ويضيق به كالطفل الذي تنقله أمّه من ثديها الذي خوى إلى الممتلىء وهو يبكي لأنّه لا يعرف هذه الحقيقة.

صدقاً لم أقرأ قولاً متفائلاً عن الموت مثل قول طاغور هذا، فهو لا يرى في الموت بأساً بل إن الأمر ليس أكثر من انتقالة لطيفة سلسة من ثدي هذه الحياة إلى ثدي حياة أخرى وكل ما يلزمنا هو الصبر على زمن الانتقال، وهو رأي فيه من الغرابة ما فيه سيما أننا ندرك أنه لا يوجد عائد من الموت يخبرنا بحقيقة هذا الرأي. لنعد مرة أخرى إلى المتنبي الذي قرّر فيه هذه الحقيقة معنىً وإن جاء ببناء مرتبك بقوله:

إقرأ على موقع 180  الأرجنتين تبكي من جديد: مارادونا كظاهرة

فَالمَوتُ تُعرَفُ بِالصِفاتِ طِباعُهُ

                             لَم تَلقَ خَلقاً ذاقَ مَوتاً آيِبا

ولا أدري لماذا اتى بمفردة “الصفات” ثم أعقبها بـمفردة “طباعه” وهو – أي الموت – له صفة وطبع واحد وهو انعدام الحياة لدى الأحياء.

أما المسلمون وبقية الأديان السماوية، فكلهم يجتمعون على أمر واحد؛ وهو ملخص في القرآن الكريم بقوله الله تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ).

ولعل المسلمين ينفردون بحقيقة أخرى وهي أن الموت ليس نهاية الأمر: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ).

وهذا يشكل مصدراً آخرَ للخوف والأمل وهو عاقبة ما اجترح الإنسان في دنياه.

حين وصلت إلى السرير الأخير الذي على الشمال والذي كان يرقد عليه صاحبُنا الميت وقد أُحيط السرير بستارة زرقاء معلقة من السقف حتى كادت تلامس الأرض وهكذا حال كل الأسرّة في ردهات المستشفيات، تحيط بها الستائر تماماً وتحجب الرؤية عن الباقين الأحياء في الردهة لعل ذلك يخفف وطأة ما هم فيه وهم يرون فكّي الموت قد قضمت للتو أحدهم.

تقدمتُ نحوه وأزحتُ الستارة ودخلت عليه..

كان – كباقي الميتين – مستلقياً على ظهره وقد رُفعت المخدةُ من تحت رأسه فأصبحت عيناه تنظران صوب الأعلى وكأنهما مسمرتان في السقف أو متصلتان بعمود يأخذهما من محجريهما وينطلقان بهما إلى السماء، فأثّر ذلك على فمه فبقي مفتوحاً شأنُ مشدوهٍ بما قد رأى، وقد وُضع عليه شرشف أبيض خالص البياض غطى جسده حتى الصدر وقدماه منفرجتان كقدمي جندي في حالة الاستعداد ولا صوت حوله إلا ما تصاعد من أنفاسي بل كأني فقدتها في موقفي ذاك كي يسود السكون التام في المكان.

أستغربُ جداً من بعضهم حين يصفون الميت فيقولون كأنه نائم، والفرق بين النائم والميت عظيم؛ في اللونِ والتسجيةِ والسكون. فهذه الدماء أمرها عجيب بمجرد أن يتوقف تدفقها في جسد الحي حتى يستحيل لون ذلك الجسد إلى لون ثانٍ يقول البعض عنه أنه أصفر ويصفه البعض الآخر بأنه يعود الى لون الأدم أو التراب، وهو والله ليس بهذا ولا ذاك إنه لون الموت الذي لا يشبهه لون من ألوان الحياة. إنه لون العدم.

Print Friendly, PDF & Email
حسان الحديثي

أديب، شاعر وناقد عراقي

Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  من الشيخ بيار إلى السيد نصرالله