باكستان على صفيح اضطراب سياسي جديد

منى فرحمنى فرح04/04/2022
يبدو أن رئيس الوزراء الباكستاني، عُمران خان، بدأ معركة محفوفة بالمخاطر من أجل الإحتفاظ بالسلطة في مواجهة الضغط الأميركي بأدوات داخلية. فبعد قليل على رفض الجمعية الوطنية الباكستانية مُذكرة حجب الثقة (الأحد الماضي)، باعتبارها أتت بوحي من "قوى خارجية"، طالب خان بحل البرلمان، و"جيَّش" أنصاره للنزول إلى الشارع من أجل "حماية مستقبل باكستان حرَّة ومستقلة". ومع تعبئة كل من الحكومة وأحزاب المعارضة مؤيديها لمواجهة محتملة، يبدو أن باكستان تتجه نحو اضطراب سياسي.

الخطوة الدراماتيكية التي اتخذها خان بطلبه حل البرلمان الباكستاني جاءت كرد فعل على أكبر اختبار سياسي يواجهه خلال فترة ولايته، عندما قدم 11 حزباً معارضاً اقتراحاً بحجب الثقة عن حكومته، بينها حزب حليف أعلن نوابه السبعة أنهم كانوا سيصوّتون إلى جانب المعارضة.

هذه الانقسامات في الإئتلاف الحاكم، إلى جانب إنشقاق 12 نائباً من حزب “حركة إنصاف” الحاكم، جعلت خان يخسر الغالبية البرلمانية الضرورية لتفادي حجب الثقة (يضم البرلمان 342 عضواً). ولو لم يُعلن نائب رئيس الجمعية الوطنية، قاسم سوري؛ الموالي لخان؛ في مطلع الجلسة (الأحد) رفضه لمذكرة حجب الثقة، واعتبارها “مخالفة للدستور”، لكان التصويت (لو حصل) سيُطيح برئيس الوزراء. فالمعارضة كانت بحاجة فقط إلى 10 انشقاقات في البرلمان لتصل إلى 172 صوتاً (يضم البرلمان 342 عضواً) المطلوبة لإسقاط حكومة خان وفرض انتخابات جديدة.

وكمن يلتقط قشة لتلافي الغرق، سارع خان، بعد دقائق قليلة، في كلمة بثها التلفزيون الرسمي إلى الطلب من رئيس البلاد، عارف علوي، حلّ البرلمان، مضيفاً: “سنوجه نداء إلى المواطنين وننظم انتخابات مبكرة ونترك القرار للأمة”.

انتقادات من كل صوب

وكانت المعارضة الباكستانية قد تقدمت، في 8 آذار/مارس، بمذكرة لحجب الثقة عن رئيس الحكومة، إثر اتهامه بـ”سوء الإدارة الاقتصادية، وبإرتكاب هفوات على صعيد السياسة الخارجية، وبأنه المسؤول المباشر عن تراجع سعر صرف الروبية (العملة الباكستانية) وتضخم الدين العام”. يُذكر هنا أن المعارضة تعتبر انتخابات 2018 مزورة، وتُشكك بشرعية خان من الأساس.

وتعرض خان أيضاً لانتقادات شديدة في واشنطن بسبب دور باكستان المزعوم في تسهيل استيلاء طالبان السريع على السلطة في أفغانستان في آب/أغسطس الماضي، ما ساهم في انسحاب القوات الأميركية بشكل مخزي من هناك. بالإضافة إلى إنتقادات غربية بسبب عدم معارضته العملية العسكرية الروسية ضد أوكرانيا، لدرجة إطلاق إشاعات تقول إن “خان كان موجوداً شخصياً في موسكو لحظة أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بدء عمليته العسكرية”، بالإضافة إلى إحتجاج واشنطن الصامت على الدفء المتزايد في العلاقات الباكستانية الصينية.

قدَّم خان رواية تآمرية تزعم أن وكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA) والإتحاد الأوروبي قد تعاونا للإطاحة بحكومته بسبب سياسته الخارجية “المحايدة”، والتي يقول إنها تتعارض مع المصالح الإستراتيجية للغرب في المنطقة

مؤامرة غربية

لكن خان؛ وبعيداً عن موقفه من الحرب الروسية الأوكرانية؛ يرفض كل هذه الاتهامات، ويصفها بـ”مؤامرة” مُدبرة من الغرب؛ الولايات المتحدة على وجه الخصوص؛ هدفها الإطاحة به “عقاباً” له لأنه رفض الإصطفاف وراء مواقفها الخاصة بخصوص الحرب الروسية الأوكرانية، وأيضاً بسبب علاقات التقارب الحاصل بين إسلام اباد وبكين.

هكذا احتمال لا يجب استبعاده، ففي وقت سابق من الأسبوع الماضي، قدَّم خان رواية تآمرية تزعم أن وكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA) والإتحاد الأوروبي قد تعاونا للإطاحة بحكومته بسبب سياسته الخارجية “المحايدة”، والتي يقول إنها تتعارض مع المصالح الإستراتيجية للغرب في المنطقة. كما اتهم واشنطن؛ بشكل مباشر؛ بالتدخل في الشؤون الباكستانية. حتى أن وسائل إعلام محلية تداولت خبراً مفاده أن خان تلقى تقريراً من سفير باكستان في واشنطن يفيد بأن “موظفاً أميركياً رفيع المستوى صرح بأن علاقات البلدين ستكون أفضل في حال مغادرة رئيس الوزراء منصبه”، الأمر الذي نفته واشنطن.

ورقة ذات حدين

وبالرغم من أن مزاعمه المتكررة عن “مؤامرة غربية” و”عقاب أميركي” و”تدخل خارجي” قد أدت دوراً جيداً لجهة إستمالة مؤيديه المحافظين الذين يعارضون الغرب بشدة، تبقى خطوة طلب حلّ البرلمان محفوفة بالمخاطر للغاية بالنسبة إلى خان الذي يواجه اليوم أخطر أزمة سياسية منذ انتخابه في العام 2018. ففي كلمته المتلفزة (الأحد) وصف معارضيه بأنهم “لصوص” و”جبناء”، “باعوا” ولاءاتهم ليصبحوا مرتدين. وألمح إلى أنه لا يزال يملك ورقة في يده. وهو كان قد وعد مؤيديه (السبت) قائلاً: “لدي خطة ليوم غد. لا تقلقوا. سأثبت لهم بأنني سأهزمهم أمام البرلمان”.

لم يتضح تماماً ما إذا كان خان يقصد معارضيه في الداخل أم الغرب (واشنطن). لقد فقد؛ تقريباً؛ جميع حلفائه الأقوياء، وأصبح شبه معزول في السياسة الباكستانية، لاسيما بعد إنشقاق أعضاء من تحالفه الحاكم وانضمامهم إلى المعارضة، وإستقالة نائب المدعي العام، احتجاجاً على حل البرلمان، فيما أرجأت المحكمة العليا في باكستان إلى يوم غد (الثلاثاء) النظر في قانونية الوضع السياسي للبلاد بعد قرار رئيسي الجمهورية والوزراء حل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة.

اللعب بالنار

والأكثر خطورة على مستقبله السياسي، هو تعثر علاقته مع مؤسسة الجيش القوي، بعد أن كانا حليفين عملا يداً بيد في خدمة نظام خان “الهجين” والمؤسسة العسكرية. ففي إشارة واضحة، في 19 آذار/مارس، امتدح خان الهند لإمتلاكها “سياسة خارجية مستقلة مؤيدة للشعب”. وقال في خطاب ألقاه أمام مجلس الإتحاد في منطقة مالاكاند (مقاطعة خيبر باختونخوا): “لم أنحن أمام أحد، ولن أسمح لأمتي بالإنحناء.. سنفعل مثل الهند، وسأركز سياستي الخارجية أيضاً على شعب باكستان.. إذا حققت نيودلهي خطوة سنحقق خطوتين”.

إقرأ على موقع 180  استقالة لافروف تنتظر حل معضلة البديل

ولطالما أعلنت مؤسسة الجيش في باكستان بوضوح؛ وبرغم نفوذها الواسع؛ رغبتها في الحفاظ على واجهة لا علاقة لها بالسياسة في باكستان. ومن هنا جاء موقف الجيش الرافض لحل البرلمان.

ويرى محللون سياسيون أن خان “يلعب بالنار“. ففي تشرين الأول/أكتوبر الماضي، اشتبك علناً مع كبار الضباط عندما أمر قائد الجيش الحالي، الجنرال قمر جاويد باجوا، بترقية اللفتنانت جنرال فايز حميد، رئيس وكالة المخابرات الباكستانية (ISI). وحميد هو الشخصية التي قيل أنه كان له الفضل في إيصال خان إلى السلطة وساعد في الحفاظ على تحالفه الحاكم طوال السنوات الثلاث الماضية رغم هشاشته. وثمة تكهنات واسعة النطاق بأن خان سيُرشح حميد ليحل محل قمر جاويد باجوا الذي تنتهي فترته الثانية في منصبه في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

إن تاريخ باكستان يظهر أن التدخل في السياسة الداخلية للجيش هو دائماً لعبة خطيرة بالنسبة للسياسيين المدنيين. وتضيف الجغرافيا السياسية لباكستان معضلة أخرى، حيث يبدو أن رئيس الوزراء والجيش لديهما وجهات نظر متباينة حول كيفية التعامل مع علاقات القوى العظمى والقوى الإقليمية. أضف إلى ذلك التهديد المتعاظم الذي تواجهه الحكومة من حركة طالبان الباكستانية، التي هددت (الأربعاء) بشن “هجمات” ضد القوى الأمنية خلال شهر رمضان.

يبقى التطور الأكثر إثارة للقلق على الإطلاق في إسلام أباد اليوم هو شبح التدخل المتزايد من قبل جيش له تاريخ طويل ومتقلب في الإستيلاء على السلطة في مثل هذه اللحظات من الاضطرابات

شبح الحكم العسكري

من الناحية القانونية، يجب على عُمران خان حل الجمعية الوطنية في 13 آب/أغسطس 2023 وإجراء انتخابات جديدة بحلول 12 تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه.

الأن، وبعد الأجواء المشدودة التي شهدتها جلسة الأحد وما تلاها، تكمن الخطوة الحيوية التالية في المحكمة العُليا لتقرير ما إذا كان خان قد انتهك الدستور، وما إذا كان ينبغي المضي في التصويت على سحب الثقة. وفي حين أن القضاء الباكستاني يُنظر إليه منذ فترة طويلة على أنه مؤيد للمؤسسة العسكرية وتم التشكيك في استقلاليته مراراً وتكراراً، يبدو أن المزاج السائد في إسلام أباد قد تحول بشكل ملحوظ ضد خان ويعتقد كثيرون أن المحكمة ستصدر حكماً ضده.

وفي حين أنه من غير الواضح كيف سيكون نهج خان إذا تم إجراء التصويت بسحب الثقة، يخشى كثيرون من أن يؤدي ذلك إلى اعتقالات جماعية تطال سياسيي المعارضة في محاولة من رئيس الوزراء لإعادة الأرقام لصالحه.

وحتى إذا تم تأييد حل البرلمان، فإن هذه الخطوة لا تزال تضع خان في موقف ضعيف بشكل كبير لخوض الانتخابات المقررة خلال التسعين يوماً المقبلة. قرار حل البرلمان زاد من وحدة المعارضة وساهم في تنفير المزيد من أعضاء الائتلاف الحاكم على نحو متزايد.

ومن غير المرجح أن تنقذ مزاعم المؤامرة الغربية صورته مع الناخبين الذين يعانون من أزمة اقتصادية خانقة، خصوصاً بعد أن فضَّل نفسه على البلاد. ففي كلمته المتلفزة (الأحد) استخدم كلمة “أنا” قبل باكستان، عندما قال: “قرار الجمعية الوطنية برفض مذكرة حجب الثقة أنقذني وأنقذ باكستان”.

في الوقت نفسه، يبقى التطور الأكثر إثارة للقلق على الإطلاق في إسلام أباد اليوم هو شبح التدخل المتزايد من قبل جيش له تاريخ طويل ومتقلب في الاستيلاء على السلطة في مثل هذه اللحظات من الاضطرابات. ومع تعبئة كل من الحكومة وأحزاب المعارضة مؤيديها لمواجهة محتملة، يبدو من الواضح أن باكستان تتجه نحو اضطراب سياسي جديد.

Print Friendly, PDF & Email
منى فرح

صحافية لبنانية

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  "هآرتس": الترسيم البحري غير مضمون قبل الإنتخابات الإسرائيلية