تداعيات الأزمة الأوكرانية على سوريا، منظور التهديد-الفرصة

كانت سوريا البلد الوحيد تقريباً الذي أعلن تأييده لـ"العملية العسكرية" الروسية في أوكرانيا، منذ اليوم الأول لها، فيما دعت المعارضةُ السورية الغربَ للرد على روسيا في سوريا، وطلبت منه الدعم بالمال والسلاح ضد دمشق. وبرز استقطابٌ حاد نسبياً بين السوريين بشأن الأزمة، بين من عدّها فرصة يجب اغتنامها، ومن عدّها تهديداً يجب احتواؤه؛ ولو أن القراءة المعمقة تُظهر أنهم عَدُّوها "فرصة وتهديداً" في آن!

ينطلق التحليل من وجود “ترابط موضوعي” و”تأثير متبادل” بين الأزمتين الأوكرانية والسورية، بوصفهما ساحتين للمنافسة والصراع بين روسيا والغرب، ربما أكثر منهما أزمتان محليتان أو داخليتان! ومن ان الحرب ليست خياراً اعتيادياً بين روسيا وأمريكا. وقد أظهرت التجربة السورية منذ حدث العام 2011 والحرب التي تلته، إمكانية أن تسير التناقضات بينهما بقدر من الضبط والانضباط والرغبة في التفاهم. وحقق كل منهما مكاسب مهمة فيها.

وكان يمكن للتجربة السورية أن تمثل “إطاراً” أو “منوالاً” للتفاعل بينهما في أوكرانيا. لكن هذا لم يحدث حتى الآن، ولو أن من المحتمل أو المرجح أن يعودا إليه، في أوكرانيا، وألا يغادراه في سوريا، هذا بافتراض قراءة عقلانية للموقف من قبل فواعل السياسة وصنع القرار في موسكو وواشنطن[1].

ومثلما برزت مؤشرات على تطبيق خبرة ودروس الحرب السورية في الحرب الأوكرانية، لجهة: تكتيكات الإعلام والدعاية، ووسائط الاتصال والتواصل الاجتماعي، والعمليات العسكرية، وسياسات النزوح واللجوء، والحصار والعقوبات، ودور الشبكات دولية النشاط، والمقاتلين الأجانب، وكل ما يُعرف بتكتيكات وأدوات “الحرب الهجينة”؛ فقد برزت بالمقابل أسئلة وتقديرات حول منعكسات أو تأثيرات ممكنة أو محتملة للأزمة الأوكرانية على سوريا، لجهة عدها: ساحة “مواجهة موازية”، والتراجع عن “التفاهمات الإطارية” بين روسيا وأمريكا حولها، و”إعادة إنتاج” الحرب فيها، وتسعيرها، ومضي كل طرف في رهاناته القصوى حيالها؛ أو ساحة “مفاضلة” بينها وبين أوكرانيا، أو ورقة “مساومة” محتملة في أي عملية للحل أو التسوية بين روسيا وأمريكا.

ومثل أي قراءة أو تحليل، فإن هذا النص، يركز على نقاط أكثر من غيرها: روسيا وأمريكا بوصفهما فواعل رئيسة في الحدثين أو الأزمتين الأوكرانية والسورية؛ وتأثيرات الأزمة في أوكرانيا على الأزمة السورية في الجوانب السياسية والاستراتيجية، أكثر من الجوانب الاقتصادية، على أهمية الأخيرة؛ والمقاربة المركبة من منظور التهديد-الفرصة بالنسبة للنظام السياسي والدولة في سوريا، والإشارات والتنبيهات حول الاستجابات الممكنة من قبل سوريا وعدد من دول المنطقة – خاصة العراق وإيران – حيال الأزمة.

أولاً- بين المواجهة والمفاضلة

لا تفضل روسيا وأمريكا الدخول في مواجهة مباشرة بينهما في أوكرانيا أو غيرها، وذلك بسبب وجود إكراهات كثيرة، منها مخاطر الانزلاق إلى حرب كبرى من الصعب التنبؤ بمآلاتها، ومن ثم فإن الطرفين مضطران لاتباع سياسات مواجهة مركبة، لكنها غير مباشرة:

-روسيا، بالمضي في العملية العسكرية لحين تحقيق عدة أهداف تتركز في: حياد أوكرانيا، ونزع سلاحها، وضمان مصالح روسيا فيها.

-أمريكا، بالمضي في دعم أوكرانيا، وتحويل التدخل العسكري الروسي فيها إلى “حرب استنزاف”، وتعزيز الحصار والخنق الاقتصادي، والإجهاد الأمني والعسكري، والعزلة السياسية الخ.

بالنسبة للمنعكس المحتمل للأزمة بين روسيا وأمريكا في أوكرانيا على الأزمة السورية، يمكن الإشارة إلى مستويين أو نمطين محتملين رئيسين لذلك، الأول هو عَدّ سوريا ساحة مواجهة وتوريط أو مستنقع يحاول كل طرف أن يغرق به الطرف الاخر، الثاني هو عدها ورقة أو ساحة مساومة أو مفاضلة.

“أفغانستان أخرى”!

أن تكون سوريا ساحة مواجهة جانبية أو موازية، لكنها غير مباشرة، ويمكن لكل طرف أن يدعي قدرته على تحويلها إلى “أفغانستان أخرى” بالنسبة للطرف الآخر، إذ إن “الدرس الأفغاني” ماثل لدى كل منهما، وإن لم يكونا سواء. وهكذا، فإن التقديرات التي تركز على قدرة أمريكا وحلفائها على جعل سوريا بمثابة “أفغانستان أخرى” لروسيا، واستثناء أمريكا من ذلك، أي استثناء قدرة روسيا على جعلها كذلك لأمريكا، هي تقديرات غير دقيقة[2].

المفاضلة والمساومة

لكن سوريا ليست بالأهمية أو الأولوية نفسها التي تشغلها أوكرانيا لدى الطرفين، ومن ثم فإن احتدام الأمور بينهما في أوكرانيا، قد يرشح سوريا لأن تكون ساحة مساومة، وحتى ساحة تَخَلٍّ، في حال تطورت الأمور لتدفع بأي من الطرفين للمفاضلة بين الأزمتين أو الساحتين. كيف؟

يمكن لروسيا وأمريكا تَحَمُّل التّراجُع في سوريا أكثر من أوكرانيا، هذا أمر مناسب لـ”مساومة” يمكن أن تفضي – من هذا المنظور- إلى “التخلي” أو “التضحية” بـ”الأقل أولوية” و”الأقل تكلفة”، مادياً ومعنوياً، إن أمكن التعبير. ولا يكون “التخلي” أو “التضحية” بالتمام، وإنما بـ”خفض” المطالب و”قبول تسويات” لم تكن ممكنةً حتى الان. وهذه مسألة بالغة التعقيد، وغير مرجحة، ولكنها ممكنة.

تُعوِّل دمشق على انتصار روسي في جبهة أوكرانيا، بقدر حاجتها لانتصارها هي نفسها في جبهات الحرب المختلفة في سوريا. وباعتبار أن البدائل محدودة للغاية، فإن مدارك التهديد-الفرصة تدفع دمشق والإقليم للتحسب لأي تطورات وانزلاقات غير مرغوبة قد تجعل سوريا والمنطقة ساحة مواجهة جانبية أو موازية، أو ساحة مساومة أو تعويض بين الأطراف الدولية المنازعة، ارتباطاً بالأزمة الأوكرانية

ثانياً- منظور التهديد

إذا غلب التوتر والنزاع على الموقف، ورأت كل من أمريكا وروسيا أن تعدا سوريا ساحة مواجهة بينهما، فمن المحتمل أن تشهد التفاهمات والتطورات في الوضع الميداني والسياسي نكوصاً أو تراجعاً مؤثراً. وذلك على النحو الاتي:

  • تدعم الولايات المتحدة المعارضات المسلحة، وتحشد المزيد من القوة من أجل “إعادة إنتاج” الحرب، واستهداف روسيا في سوريا، والمزيد من الدعم لمشروع “الإدارة الذاتية” و”قسد” في منطقة الجزيرة السورية. و”عرقلة” أو “ضبط” عودة العلاقات مع الدول العربية.
  • تواصل روسيا وجودها العسكري ودعمها للحكومة والجيش وتحشد المزيد من القوة في سوريا لأهداف تتجاوز الحدث السوري نفسه، وبوصف سوريا قاعدة متقدمة للنفوذ والمصالح الروسية في المنطقة والعالم.

صحيح أن روسيا قوية في سوريا، لكن الوضع لا يزال هشاً للغاية، ذلك أنها ليست وحدها فيها، ولو أن لديها عوامل تأثير قوية نسبياً؛ وهي إلى جانب دمشق في أمور محددة، ولكنها على الجانب الآخر تقريباً في أمور أخرى، ونعني التفاعلات القوية والنشطة مع كل من إسرائيل وتركيا، مما لا يتوافق بالتمام مع تقديرات ومواقف الحكومة السورية.

أظهرت المواقف من الأزمة الأوكرانية، هشاشة عدد من التفاهمات والاصطفافات والتحالفات حول سوريا. ثمة مخاطر تهدد “تفاهمات استانة” بين روسيا وتركيا وإيران في سوريا. ومثل ذلك بالنسبة للتفاهمات بين روسيا وإسرائيل بشأن سوريا.

ثمة قابلية متزايدة نسبياً لـ”المباعدة” بين روسيا وإيران في سوريا. لم تظهر إيران حماسة للموقف الروسي في أوكرانيا، بل انها ابدت استعدادها لتعويض النقص في إمدادات الطاقة إذا ما توقفت أو تراجعت الإمدادات الروسية بفعل الحرب أو العقوبات[3]. وردت روسيا بوضع اشتراطات اللحظة الأخيرة في مفاوضات جنيف حول عودة أمريكا إلى الاتفاق النووي الإيراني[4]. وهذه أمور سوف يكون لها ما بعدها.

إذا سارت الأمور بالاتفاق النووي وتم رفع العقوبات الأمريكية عن إيران، فهذا يعزز موقف الأخيرة في سوريا، ويُمكنها من تعويض “تراجع روسي” محتمل بالنسبة للحكومة السورية، في حال حدث تراجع أو شيء منه؛ فإيران تملك – عندئذ – موارد مادية وقوة اندفاع معنوية أكبر، وسوريا مضطرة لتعويض بعض “الفاقد الروسي”، كما تحتاج موارد الطاقة، والتخفيف من الإجهاد الاقتصادي والاجتماعي، وتدهور مؤشرات العيش الخ.. لكن ذلك ليس من دون مقابل أو من دون تبعات قد تتجاوز الأزمة السورية نفسها أو قدرة الحكومة السورية على تحملها[5].

وهذا يفتح الباب على أوضاع يصعب تقديرها. وقد يدفع بفواعل عديدة، منها إسرائيل وتركيا ودول عربية وغيرها، لأن تعيد إنتاج الحرب، أو التضييق على دمشق لـ”ضبط” تحالفها مع إيران أو بالأحرى ضبط وجودها و”تموضعها” الأمني والعسكري فيها، وهذا موقف بالغ التعقيد ومفتوح على احتمالات وتقديرات مختلفة.

أبدت تركيا موقفاً مركباً حيال الأزمة في أوكرانيا، فهي دعمت كييف بالسياسة والإعلام والسلاح، وأيدت مواقف الغرب حيال العملية العسكرية الروسية فيها، ولكنها لم تقطع مع روسيا، إذ ثمة مصالح كبيرة بينهما، وخاصة في سوريا. وفي الوقت نفسه تعمل تركيا على تعزيز علاقاتها بإسرائيل ودول الخليج العربية ومصر. وتقدم نفسها بديلاً يمكن التعويل عليه لـ”احتواء” إيران في سوريا.

ان تراجع روسيا في سوريا مهم لتركيا، وإذا حدث، فقد تعيد إنتاج سياساتها وتحرك رهاناتها العميقة حيال سوريا، وتدخل في مساومات حول كل شيء فيها: مع روسيا نفسها بشروط تفاهم أفضل، ومع أمريكا حيال روسيا وإيران، ومع إسرائيل حيال إيران، ومع إيران حيال النظام السياسي والحكومة (في دمشق) والكرد وأمريكا وإسرائيل.

تتحسب إسرائيل لتأثيرات محتملة للأزمة الأوكرانية على وجود روسيا في سوريا[6]، وعلى التفاهمات الحاكمة للمشهد السوري، وخاصة تلك التفاهمات بين أمريكا وروسيا حول أولوية أمن إسرائيل، و”توافقهما الموضوعي” على “احتواء” مختلفِ الإيقاع والنمط لإيران، ولكن الأهم هو التفاهمات بين روسيا وإسرائيل لـ”احتواء” ما تسميه إسرائيل بـ”التموضع الإيراني” في سوريا.

ولكن الاحتدام بين روسيا وأمريكا في أوكرانيا، واحتمال انتقاله إلى سوريا، يضع إسرائيل في موقف موازنة دقيق، ذلك أنها بحاجة لروسيا في سوريا، للأسباب المذكورة أعلاه، ولكنها ليست مع انتصار روسيا في أوكرانيا[7]، لأن ذلك سوف يكسبها (روسيا) قوة أكبر في سوريا، ويعزز موقفها حيال إسرائيل، كما يعزز قوة النظام السياسي والدولة المركزية في دمشق، بكل التبعات المترتبة على ذلك.

ثالثاً- منظور الفرصة

جاءت الأزمة الأوكرانية بمثابة “دليل إثبات” على صحة ما ذهبت إليه روسيا في سوريا منذ حدث 2011 والحرب التي تلته، وخاصة مع الدخول العسكري على خط الأزمة أو الحرب. وسوريا اليوم هي جزء لا يتجزأ من استراتيجيات الأمن القومي لروسيا، ورمز لتقدم روسيا في المنطقة والعالم، كما سبقت الإشارة.

كما ان الاسباب التي دفعت روسيا للدخول إلى سوريا لا تزال قائمة، بل أصبحت أكثر أولوية وقوة وحيوية، ومن ثم فإن من الصعب أن تتخلى عن وجودها ودورها فيها، بل ان ذلك يمثل جزءاً من ميزان المعنى والقوة لدى الروس في مواجهة الغرب، وارتباطاً بأزمة أوكرانيا نفسها. ومن هذا الباب فإن الأزمة الأوكرانية تمثل فرصة من منظور سوريا.

إذا احتدم الموقف بين روسيا وأمريكا في أوكرانيا، ورأى الطرفان أن سوريا تمثل ساحة مواجهة، بالمعنى العسكري وليس فقط السياسي، كما سبقت الإشارة، فذلك يمثل مصدر تهديد، ولو أنه غير مرجح حتى الان، وهذا – مرة أخرى – بافتراض قراءة عقلانية للأمور.

لكن إذا حصل هذا السيناريو أو جزء منه، فإنه يعني المزيد من الحضور الروسي في سوريا، وعدّ سوريا مسألة أمن قومي لروسيا، وقد يحرر الروس من عقد أو عقبات عديدة واجهت علاقتهم بسوريا، مثل: الحصار وعقوبات “قانون قيصر”، والخوف من ردود الفعل الأمريكية والغربية حيال أي خطوة يخطوها في سوريا؛ وإن ذلك يجعلهم أكثر اقتراباً من سردية دمشق للحرب، وأكثر تبنياً لمدارك التهديد-الفرصة لديها، وخاصة لجهة الجماعات المسلحة في إدلب و”الكيانية الفدرالية” أو “الإدارة الذاتية” في منطقة الجزيرة، وبالطبع الحصار الاقتصادي، وسياسات الحل/التسوية في أفق القرار 2254 أو غيره.

وسوف تهتم روسيا أكثر بـ”منظور دمشق” حيال إسرائيل وتركيا، وتحرص على “استجابة أفضل” نسبياً لمدارك التهديد لديها بهذا الخصوص، و”موازنة” أو “ضبط” التجاذبات بين إيران وكل من تركيا وإسرائيل.

وإذا ما طالت التأثيراتُ “تفاهمات استانة” بين روسيا وكل من تركيا وإيران، فإن ذلك –على خطورته – يمكن أن يمثل – في جوانب منه – فرصة لدمشق، بتأكيد أن تركيا طرف غير موثوق به من  قبل روسيا، والحاجة لمراجعة الموقف حيالها، ومن ثم دعم الحكومة والجيش في سوريا في مواجهتها، واستعادة الأراضي التي تحتلها، وتفكيك “الإمارة” التي ترعاها في إدلب. ولو أن الموقف بين روسيا وتركيا أكثر تعقيداً ويتجاوز الأزمة السورية نفسها إلى طيف واسع من التفاعلات والقضايا والمصالح والرهانات.

إقرأ على موقع 180  قصفُ القنصلية الإيرانية بدمشق.. المواجهة تدخل مرحلةً جديدةً

وإذا ما صار الالتزام الأمني والاستراتيجي لروسيا في سوريا أكبر وأقرب للنظام السياسي والدولة في دمشق، فإن ذلك يحرر جانباً من المخاوف السورية للاقتراب أكثر من لإيران، وتصبح العلاقة معها أكثر مرونة وتوازناً، وتتخفف بعض الشيء من ثقل الالتزامات الأمنية والعسكرية، والتبعات أو المنعكسات الاجتماعية والسياسية والرمزية، وبالطبع الضغوط الإقليمية والدولية التي تطالب النظام والدولة في دمشق بضبط وجود إيران في سوريا ومراجعة علاقته أو تحالفه معها، كما تتكرر الإشارة.

إيران غير مرتاحة للموقف مع روسيا في سوريا، فهي تتعرض لضغوط متزايدة من قبل إسرائيل، بـ”تَفَهُّم” – وربما “مشاركة”- روسية. وإن الضغط على روسيا، يمكن أن يساعد إيران في موازنة الموقف معها في سوريا، فروسيا بحاجة لمراعاة إيران، شريكتها في دعم الحكومة السورية في الحرب، وفي “عملية أستانة”[8]، وقد تخفف الضغط في تفاهماتها مع إسرائيل حيالها، فضلاً عن أن التحسن المحتمل في العلاقات بين أمريكا وإيران، في إطار عودة مستقرة أو مديدة للاتفاق النووي، سوف يعزز إيرادات النفط لدى الأخيرة، ويمكنها من تخصيص المزيد من الموارد لسياساتها في الإقليم، ومنها سوريا.

إسرائيل لن تشجع أمريكا على مراجعة تفاهماتها مع روسيا في سوريا، ولا على تفجير الموقف أو إعادة إنتاج المواجهات العسكرية فيها، إذ ان تراجع روسيا في سوريا يمكن أن يمثل فرصة لـ”تموضع” إيراني أكبر فيها، وقد يدفع ذلك لمواجهة مباشرة أو تفجير غير مرغوب أو غير قابل لضبط الصراع في سوريا

لكن، من الصعب أن تذهب الأمور بعيداً في “التباعد” بين إيران وروسيا، أو “التقارب” بين إيران وأمريكا. وحتى إذا ما حدث ذلك “التباعد”، فمن المرجح ألا يكون كبيراً، وذلك بسبب إكراهات كثيرة، منها حاجة كل طرف للآخر، في سوريا وغيرها، وخاصة أن روسيا تكاد تمثل “الوسيط شبه الحصري” – حتى  الان- في علاقات وتفاعلات إيران مع الغرب، وهي “الموازن” للضغوط الأمريكية والغربية على إيران في مجلس الأمن وغيره.

وإذا ما حدث “تقارب” بين إيران وأمريكا، فمن المرجح أن يكون هشاً وقلقاً وأقل قابلية للاستمرار، وذلك بسبب إكراهات كثيرة، منها عدم الثقة، وتجذر الخلاف بينهما، فضلاً عن دور إسرائيل في توجيه أو ترجيح اتجاهات السياسة الأمريكية بهذا الخصوص، بالإضافة إلى التأثير المحتمل للاعتراضات أو التحفظات من قبل عدد من الدول العربية مثل السعودية ومصر وغيرهما.

هذا يعني أن سوريا مرشحة لوضعية أفضل في كلا الحالتين، أي أن “التباعد النسبي” بين روسيا وإيران يساعدها في تحقيق مكاسب أو فرض نوعية لدى كل طرف، مما لا يوفره الطرف الاخر، وخاصة أن الطرفين قد يختلفان في أمور كثيرة، لكنهما لا يزالان متفقين على دعم النظام السياسي والدولة في سوريا والحاجة لاستمرارهما.

كما ان “التقارب النسبي” بين إيران وأمريكا، يمثل فرصة لسوريا، باعتبار تخفيف الضغوط على سوريا فيما يخص علاقتها بإيران، ويمكن الأخيرة من تخصيص المزيد من الموارد التي تتطلبها الأوضاع في سوريا، وخاصة تأمين أو تمويل الاحتياجات الملحة من موارد الطاقة وغيرها، والحاجة لضخ موارد في قطاع العمل والإنتاج والاستثمار الخ.

إن وجود روسيا في سوريا مهم لتركيا، صحيح أنه ضبط إلى حد ما رهاناتها فيها، إلا أنه حقق لها مكاسب ومصالح كبيرة، ويعزز اعتماديتها لدى أمريكا والغرب في المنطقة، ولو أن تركيا لم تغادر موقعها أو تحالفها مع الغرب، كما أن مدارك التهديد العميقة لدى تركيا حيال الغرب، وخاصة اهتمامه بـ”كيانية كردية” في سوريا، يدفع تركيا للمحافظة على خطوط تفاهم وتعاون قوية مع روسيا، وهذا يمثل – في جانب منه – فرصة لسوريا.

تحتاج إسرائيل لوجود روسيا في سوريا، وتريد وجوداً روسياً قوياً بالقدر الذي يضبط “تموضع” إيران فيها، ويحافظ على “دولة الحد الأدنى” من القوة في سوريا، بقدر لا يمثل مصدر تهديد من أي نوع لإسرائيل.

ومن فإن إسرائيل لن تشجع أمريكا على مراجعة تفاهماتها مع روسيا في سوريا، ولا على تفجير الموقف أو إعادة إنتاج المواجهات العسكرية فيها، إذ ان تراجع روسيا في سوريا يمكن أن يمثل فرصة لـ”تموضع” إيراني أكبر فيها، وقد يدفع ذلك لمواجهة مباشرة أو تفجير غير مرغوب أو غير قابل لضبط الصراع في سوريا.

رابعاً- الإشارات والتنبيهات

  • إن شعور روسيا بالاستهداف والتطويق في المحيط الحيوي القريب، كان أحد مصادر سلوكها في سوريا، بدءاً من الدعم السياسي والعسكري، إلى التدخل المباشر في نهاية أيلول/سبتمبر 2015، إلى تعزيز وجودها الاستراتيجي على ساحل شرق المتوسط.
  • مع بداية الحرب، أدرك الغرب أن السبل المتبعة لـ”احتواء” روسيا لم تكن مناسبة، إذ انها وضعتها – ومعها العالم – على حافة حرب كبرى؛ كما أن ردة فعل الغرب أظهرت لروسيا أن العمل العسكري لم يكن السبيل الوحيد أو الأفضل، أو أن السياسة لم تستنفذ.
  • هذا يعني أن المطلوب ليس فقط سحب التجربة بين روسيا وأمريكا في سوريا إلى أوكرانيا، وإنما المحافظة عليها في سوريا نفسها، ولو أن المهمة شاقة، ذلك أن الرهانات حادة، ومدارك التهديد عالية، وبشكل غير مسبوق.
  • ولعل الاحتمال الأكثر ترجيحاً هو دخول الطرفين في سياسات “احتواء” و”احتواء متبادل” في عدد من مناطق الاحتكاك بينهما، ومنها سوريا. وهذا إن لم يفجر الأوضاع ويدمر التفاهمات ويعيد إنتاج الحرب، فإنه يؤزم مسارات الحل/التسوية، ويجعل المشهد أكثر غموضاً واستغلاقاً.
  • ان حقيقة الموقف أو ميزان الترجيح بين روسيا وأمريكا في سوريا، ليس سوريا نفسها، او ليس فقط سوريا، وإنما “إسرائيل”! باعتبار أن أمن الأخيرة هو أولوية لدى كل منهما في الحدث السوري، وكان ولا يزال العامل “الغائب الحاضر” أو “الحاضر الحاضر” في ذلك.
  • يمثل التقارب بين سوريا والعراق وعدد من الدول العربية الأخرى، مثل الإمارات، والحوار الاستراتيجي بين إيران والسعودية، بتيسير من قبل العراق، “مدخلاً موازناً” للتخفيف من المنعكسات السلبية ومدارك التهديد الملازمة للأزمة الاوكرانية على المنطقة. وهذا يتطلب مواصلة الجهود في مسار الحوار متعدد المستويات أو متعدد الأبعاد والأطراف في الإقليم.
  • ثمة حاجة لـ”احتواء” أي سياسات استقطاب حادة محتملة في الإقليم بتأثير الأزمة الأوكرانية، والصدام بين روسيا والغرب في أوكرانيا؛ وألا تكون سوريا أو العراق على سبيل المثال ساحة احتدام أو مواجهة موازية بين الفواعل المتصارعة على المستوى الدولي، باعتبار الأزمة الأوكرانية.
  • من المناسب لإيران أن تتحسب لمدراك التهديد الناتجة لدى روسيا حيال إيران بسبب تباين خيارات أو تقديرات الطرفين من العودة الأمريكية للاتفاق النووي مع إيران، وذلك لاعتبارين رئيسين: الأول هو ان العودة الأمريكية للاتفاق يمكن أن تكون مدفوعةً – في جوانب منها – برغبة أمريكا في محاصرة روسيا والمباعدة بينها وبين إيران في سوريا والثاني هو أن العودة للاتفاق قد لا تكون مستقرة، وروسيا مهمة لإيران على المدى البعيد.
  • من المناسب لروسيا أن تقوم بمراجعة للموقف بينها وبين إسرائيل حيال وجود إيران في سوريا، وتعزيز وتوسيع التفاهم مع إيران بكيفية تجعل الدور الروسي “موازناً موضوعياً” لمختلف الأطراف وضابطاً – ما أمكن- لمختلف الرهانات، بما يحقق سياسات ومصالح ذات ديمومة أو قابلة للاستقرار، ولو أن المهمة شاقة.
  • يمكن للعراق، بحكم علاقاته الجيدة مع أمريكا وروسيا وإيران وسوريا، أن يساعد في التراسل وتخفيف أي منعكسات غير محسوبة أو غير مرغوبة بين الأطراف، جراء الأزمة في أوكرانيا، وخاصة في مناطق الاحتكاك المباشرة في خط الفرات ومنطقة الجزيرة السورية ومناطق الحدود بين سوريا والعراق.
  • من المناسب أن يقوم العراق باقتراح توسيع “الإطار التنسيقي” الذي يجمعه بالأردن ومصر والإمارات، والذي اجتمع في العقبة (الأردن، 25 اذار/مارس 2022)، ليشمل سوريا، للبحث في “خطة استجابة” عربية وإقليمية للتحديات القائمة والمحتملة، ومنها تأثيرات الأزمة الأوكرانية.

خاتمة

تُعوِّل دمشق على انتصار روسي في جبهة أوكرانيا، بقدر حاجتها لانتصارها هي نفسها في جبهات الحرب المختلفة في سوريا. وباعتبار أن البدائل محدودة للغاية، فإن مدارك التهديد-الفرصة تدفع دمشق والإقليم للتحسب لأي تطورات وانزلاقات غير مرغوبة قد تجعل سوريا والمنطقة ساحة مواجهة جانبية أو موازية، أو ساحة مساومة أو تعويض بين الأطراف الدولية المنازعة، ارتباطاً بالأزمة الأوكرانية.

وهذا يقتضي من مختلف الأطراف في الإقليم، سوريا والعراق وإيران والإمارات ومصر والأردن وغيرها، القيام بالمزيد من الاتصالات والمداولات، لتخير السبل والاستجابات الممكنة لـ”احتواء التهديد” أو “اغتنام الفرص” المحتملة الناتجة عن الأزمة في أوكرانيا.

وإذا ما تمكنت سوريا من استعادة نفسها، مجتمعاً ودولة، واستعادة دور “الموازن الموضوعي” بين فواعل إقليمية ودولية، منها روسيا وأمريكا، وإيران وتركيا وعدد من الدول العربية، فسوف يكون ذلك بمثابة “رافعة” لسياساتها وتفاعلاتها في الداخل والخارج، بقدر أقل من المدارك النمطية والاصطفافات الحادة، إذ يمثل ذلك الدور “حاجة للجميع”.

(*) ينشر بالتزامن مع “مركز البيان للدراسات والتخطيط“.

المراجع والمصادر:

[1] يمكن التساؤل عن السبب الذي جعل روسيا وأمريكا تخفقان في ضبط تناقضاتهما ورهاناتهما في أوكرانيا، فيما نجحتا بذلك –إلى حد كبير- في سوريا؟

[2] انظر: عقيل سعيد محفوض، الحدَث الأَفغاني: قراءة في الدوافع والتداعيات،.. والدروس الممكنة، (بغداد: مركز البيان للدراسات والتخطيط، 5 أيلول/سبتمبر 2021)،

[3] “إيران تعرض تزويد أوربا بالغاز”، العربي الجديد، 23 شباط/فبراير 2022. وانظر مثلاً إلى مقالة الكاتب الصحفي الإيراني قوروش زيباري في آسيا تايمز.

 [4] انظر: “روسيا تربط الاتفاق النووي الإيراني بالعقوبات الخاصة بأوكرانيا”، الشرق الأوسط، 5 اذار/مارس 2022. وانظر: “طهران تنضم لواشنطن في انتقاد شروط موسكو الجديدة للاتفاق النووي”، الشرق الأوسط أون لاين، 7 اذار/مارس 2022.

[5] انظر: عقيل سعيد محفوض، الحِلفُ المَكين! حول ميزان المعنى والقوة بين سورية وإيران، (بغداد: مركز البيان للدراسات والتخطيط، أب/أغسطس 2021).

[6] Ben Caspit, “Israel reluctantly condemns Russia over Ukraine’, Al- Monitor, February 25, 2022,

[7] نشر “معهد السياسات في مركز هرتسليا” دراسة بعنوان: “النظام العالمي في موضع تساؤلات؟ التداعيات على إسرائيل”، أعدها عدد من الباحثين في المعهد حول موقف إسرائيل حيال عدد من القضايا، منها: الأزمة الأوكرانية والملف النووي الإيراني، بتاريخ 17 شباط/فبراير 2022. انظر ملخص الدراسة.

[8] عقيل سعيد محفوض، روسيا وإيران في سوريا: البحث عن “نقطة توازن” بين عوامل التجاذب والتنافر، (بغداد: مركز البيان للدراسات والتخطيط، 24 تشرين الأول/أكتوبر 2021).

Print Friendly, PDF & Email
عقيل سعيد محفوض

كاتب وأستاذ جامعي، سوريا

Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  هل يمكن جرّ إسرائيل إلى المحكمة الجنائية الدولية؟ (1)