بكين ولعبة “الروليت” الروسية

الحرب تدور رحاها في أوكرانيا، لكن العين مركّزة على ما يجري وما يمكن أن يستجد بين موسكو وبكين. هنا مربط الفرس.

بالنظر إلى الإصرار الأميركي على جعل النار تُحرق أقدام فلاديمير بوتين وجيشه على أرض أوكرانيا، تصبح الصين هي القوة المُرجِّحة، فإما أن يغرق حليفها بوتين (أو يخرج من المولد بلا حمّص)، وإما تنجح في إعادة تعويمه (ولو على ساقٍ عرجاء)، خاصة أن حرب موسكو في الشرق الأوروبي حملت للروس من المفاجآت العسكرية وحتى السياسية ما لم يكن في الحسبان، وهو ما وضع روسيا في موقف محرج قد تحتاج معه إلى الاستعانة بـ”صديقتها” الصين.

لذا يمكن القول إن السلوك الصيني في هذه الدوّامة العنفية المتصاعدة سيكون بمثابة اختبار لماهية الدور الذي تتوخى الزعامة الصينية تأديته عالمياً. فالصين قوة كبرى ومنافسة جدّية ومُهابة للأحادية القطبية الأميركية، وما يُقرّبها من الروس على المستوى السياسي، لا يقل عمّا يبعدها عن واشنطن. وإذا كانت مصالحها الاقتصادية الكبيرة والبالغة الأهمية مع الولايات المتحدة والغرب، تغلّ يدها وتُقيّد حريتها تجاه موسكو، إلا أن فشل بوتين في تحقيق أهدافه الأوكرانية، ستكون أصداؤه مؤذية لبكين ذاتها، وهي التي تجد في نجاح “العملية الروسية الخاصة” ما يخدم مصالحها الاستراتيجية، سواء على مستوى كسر شوكة التفرّد الأحادي الأميركي على قمة العالم، أو على مستوى التوق الصيني الذي لا يهدأ لاستعادة تايوان، الجزء الذي ما انفكت تُعلن صينيته التامة.

هنا تحتاج الصين إلى حكمة الأجداد وسُبُلهم طويلة البال في بلوغ أهدافهم بالصبر والأناة والسير بين النقاط، وهذا على كل حال ما اعتادت بكين ممارسته منذ عقود. فهي تعمل غالباً على التقرّب بحيادية تُعلنها من مختلف الفرقاء المتنافرين في ما بينهم على الساحة العالمية، وتستقلّ مركبة الحكمة والمسالمة كي تنجح في تمرير مصالحها بهدوء ومن دون ضوضاء. وهذا ما يعرفه الغرب ويتقبله ويتعايش معه. هكذا فإن كيفية إدارة بكين علاقتها مع كلٍ من موسكو وواشنطن في آن معاً، في خضم الحرب في أوكرانيا، سوف يرسم الأسس العملية لتموضع الصين خلال السنوات المقبلة.

وإذا كانت مواجهة الولايات المتحدة، هي من أبرز مكوّنات “خلطة الصداقة” الصينية الروسية، إلا أن مصالح بكين الاقتصادية، وهي ثاني أعظم الاقتصادات في العالم اليوم، لا تقل أهمية في نظر الصينيين.

لذلك، علينا ألّا نرمي السهم بعيداً وألّا نُؤخذ بما قاله الرئيس الصيني شي جين بينغ لضيفه بوتين في اجتماعهما الأخير في شباط/فبراير الماضي على هامش دورة الألعاب الأولمبية في بكين، من أن صداقتهما “لا حدّ لها” وأن بوتين هو”أفضل أصدقائه”، فالأولوية بالنسبة للصين، ليست للصداقات أو التحالفات والمصالح المتغيرة ولا لإحتلال قمة العالم.. الأولوية هي الصين دائماً.

فشل بوتين في تحقيق أهدافه الأوكرانية، ستكون أصداؤه مؤذية لبكين ذاتها، وهي التي تجد في نجاح “العملية الروسية الخاصة” ما يخدم مصالحها الاستراتيجية، سواء على مستوى كسر شوكة التفرّد الأحادي الأميركي على قمة العالم، أو على مستوى التوق الصيني الذي لا يهدأ لاستعادة تايوان

وإذا كانت بكين وموسكو تتقاسمان الرغبة الثابتة في إعادة تشكيل النظام العالمي بما يضمن لهما مكانةً متقدّمةً فيه، فتتساعدان وقد تتبادلان الأدوار في مواجهة أميركا والغرب على أمل تجريد واشنطن من بعض نفوذها حتى تفوزا به. إلا أن هذا السلوك لا يمكن أن يمر بسهولة ومن دون نتائج سلبية، ولا سيما على صورة الصين التي يهمها الإبقاء على جسورها مفتوحة مع الغرب.

ولا ينبغي تجاهل حقيقة أن أواصر العلاقات الصينية-الروسية لم تتقدّم وتترسخ حديثاً إلا على صفيح التوترات بين بكين وواشنطن. لذا فالمشكلة الأخطر أمام الصين تتمثل بكيفية إدارتها علاقتها بروسيا من دون إثارة حفيظة الغرب، ما سوف يُؤثر على مستقبل وضعها كقوة عالمية مقبولة من قبل الشركاء التجاريين الكبار في العالم، وبالتالي كقوة عالمية عُظمى. وهذا قد يضطرها إلى مغامرة الروليت الروسية، حيث لا أحد يعرف إذا كانت الطلقة الوحيدة تحت الزناد إلا بعد إطلاقها. ولعل في شدة الحذر الصيني ما يُفسّر ضبابية أداء بكين على حبلَ الأزمة بين الغرب وروسيا.

وعلى أي حال، فمن المفارقات البارزة أن علاقة الصين بالولايات المتحدة (وليس علاقتها بروسيا) خلال العقود القليلة المنصرمة، هي التي أتاحت لها أن تصبح دولة عظمى واقتصادا عملاقاً. والمعنى أن حاجة الصين لأميركا ربما لا تقل عن حاجتها لروسيا، فحجم التبادل التجاري بين الصين وروسيا بلغ ما يقارب 140 مليار دولار (2021)، ووفقا لبيانات هيئة الجمارك الروسية، فإن الصادرات من روسيا إلى الصين زادت بنسبة 38.4% وبلغت 68.029 مليار دولار، بينما زادت الواردات إلى روسيا من الصين بنسبة 32.3% وبلغت 72.676 مليار دولار (مقارنة بالعام 2020).

بالمقابل، بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين والولايات المتحدة خلال أول ثمانية أشهر من العام 2021 أكثر من 470 مليار دولار.

إقرأ على موقع 180  داعش من زوال خلافته إلى إستراتيجية العودة

ووفقًا لبيانات هيئة الجمارك الصينية، ارتفع حجم صادرات الصين إلى الولايات المتحدة خلال هذه الفترة، بنسبة 33.3 بالمئة إلى 354.15 مليار دولار، في حين صدّرت الولايات المتحدة إلى الصين بضائع بقيمة أكثر من 116 مليار دولار، بزيادة 48 بالمئة بالمقارنة مع الفترة ذاتها من العام 2020.

هنا لا بد من استحضار مقولة السياسي الإنكليزي العريق ونستون تشرشل الذي قال” في السياسة ليس هناك عدو دائم ولا صديق دائم هناك مصالح دائمة”.

Print Friendly, PDF & Email
محمود محمد بري

كاتب لبناني

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  داعش من زوال خلافته إلى إستراتيجية العودة